23.9.11

استدعاء صاغية وداوود للتحقيق بشأن مقال.. والنقيبة تنفي ثم تجزم: أنا أسائلهما لا ألاحقهما!



بعد أكثر من شهرين من نشر المحامي كارلوس داوود مقالاً بحثياً في العدد الأول من نشرة «المفكرة القانونية»، تحت عنوان «اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: أين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟»، تنبّهت نقابة المحامين في بيروت للبحث، فاستدعت داوود، والمحامي نزار صاغية بصفته المدير المسؤول عن النشرة، لإجراء تحقيق نقابي معهما.
أما نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد فقد نفت ذلك، وأعادت التأكيد في اتصال مع «السفير» نفيها «لأن تكون هناك ملاحقة للمحاميين نزار صاغية وكارلوس داوود»، لتعود وتقول إنها «كنقيبة للمحامين، يحق لي ومن ضمن صلاحيتي، استدعاء المحامين لإجراء تحقيق نقابي داخلي، ولسؤالهم عن أمور ضمن البيت الواحد، من دون أن يثير هذا الطلب حفيظة المحامي المستدعى ولا يعني ذلك أي إدانة، ولا يندرج في إطار التأديب».

«إخراس للمحامين.. وقرار مهين»

الخبر ليس عادياً، وهو مفاجئ، إذ يخبر عن محاولة تقدم عليها نقابة الموكلين مهمة الدفاع عن الحقوق العامة، للحدّ من حريات المحامين، في التعبير والرأي عن قضايا مجتمعية، لا بد أن تخرج إلى الإعلام ليساهم في تشكيل «لوبي» ضاغط باتجاه تحقيق الكثير من المطالب الحقوقية.
وقد أثار خبر استدعاء صاغية وداوود للتحقيق ضجة كبيرة داخل النقابة، وفي مؤسسات وجمعيات المجتمع المدني المحلي والعالمي، فوصفته جمعية روواد فرونتيرز بـ«تحوّل النقابة لصورة مصغرة عن نظام قمعي، يحاول كمّ الأفواه والحدّ من دور المحامي في المشاركة في الشأن العام»، فيما اعتبره صاغية «إخراس للمحامين، وقرار مهين لحرية تعبيرهم، ويأتي استكمالاً للتعميم الذي أصدرته نقيبة المحامين أمل حداد، في الثالث من آذار من العام الماضي، ويقضي بوجوب امتناع المحامين عن الإدلاء بتصاريح إعلاميّة، تتعلق بدعاوى أو ملفات عالقة أمام القضاء، أو الإدلاء بآراء قانونية بصورة عامة». ما يعتبره صاغية تعميماً غير قانوني، «إذ لا يمكن للنقيبة أن تصدر تعاميم ملزمة للمحامين الذين يلتزمون بالقوانين والمواثيق الدولية. أما تعاميم النقابة فتوجه إلى الإداريين في النقابة لا إلى المحامين، ولا يمكن تكريس طريقة اللجوء إلى إجراءات مسلكية كلما عبّر المحامي عن رأيه».
ويعود صاغية ليؤكد أن «التعميم، ومشروع القانون حول علاقة المحامي بالإعلام، علماً أن حداد أنشأت لجنة لوضعه، يستبعد مهمة المحامي في الدفاع عن قضايا اجتماعية أمام وسائل الاعلام، علماً أن الكثير من القضايا الحقوقية لا يمكن أن تُحل في المحكمة فقط، إذ هناك دور أساسي للاعلام في تطبيق القوانين ونشرها وتوعية الرأي العام حولها». ويلفت صاغية إلى أنه «تتكرر على مسامعنا جملة «النقد لا يكون خارج البيت»! علماً أن ما نناقشه في هذا البحث القانوني للمحامي كارلوس داوود ليس مسألة نقابية، بل هي قضية تخصّ الشأن العام».

المحامي ليس قاصراً.. والاستدعاء شفهيّ

بدوره، اعتبر داوود أن «التعميم مخالف لأحكام الدستور اللبناني، ومخالف لمقدّمة الدستور، ومخالف لأحدث القوانين الداخلية في نقابات المحامين في العالم»، جازماً بأن «المحامي ليس قاصراً ليمنع من التعبير عن رأيه، ولا يجوز فرض رقابة مسبقة عليه، بل تمكن مساءلته بعد تعبيره عن رأيه، في حال خالف القوانين».
ويشرح داوود أنه، في التاسع من أيلول الجاري، تلقى اتصالاً من سكريتاريا النقابة، وتم استدعاؤه، فلبىّ الاستدعاء الشفهي من دون أن يعرف فحواه، ظناً منه أنها دعوة طبيعية لنقاش أمور نقابية. فتبين أنه يواجه شكوى داخلية تتعلق بمقالته، فحُقق معه في 13 الجاري، كما في العشرين من الجاري (الثلاثاء الماضي). وبدوره، طلب أن يُبلغ رسمياً بالمخالفات المنسوبة إليه، وذلك بغية الاطلاع والتقدم بدافعه. أما صاغيّة فكان متواجداً خارج لبنان، وعندما عاد من السفر، وتم استدعاؤه شفهياً، طلب استدعاء خطياً بحسب القانون، ما لم يصله حتى اللحظة، وبالتالي لم «يخضع» للتحقيق النقابي.
ويشير داوود لـ«السفير» إلى أن «الاستدعاء الذي جاء شفهياً في التاسع من أيلول الجاري، تعقيباً على مقال نُشر في تموز الماضي هو تعدّ غير مقبول، كونه يشكل تضييقاً على حرية المحامي، رجل القانون، الذي يحق له التعبير عن رأيه ضمن إطار مقال قانوني وعلمي وأكاديمي». ويجزم داوود بأنه لم يتجاوز أو يخالف أي مادة من مواد قانون تنظيم مهنة المحاماة أو النظام الداخلي، أو آداب المهنة ومناقبيتها. ويستغرب داوود كيف تنفي نقيبة المحامين أمل حداد «أن تكون النقابة قد استدعتنا، وتم التحقيق معي مرتين حتى الآن، وحدّد موعد الجلسة الثالثة في بداية تشرين الأول المقبل!».
ويعود داوود ليوضح «أننا نكن كل الاحترام لموقع النقيب أياً يكن، ومجلس النقابة وقوانين المهنة، لكننا لا نقبل بأي شكل من الأشكال، أن تتم مصادرة فكرنا وحريتنا بالتعبير عن الرأي، سواء في مسألة قانونية، أو مسألة نقابية عامة، تتعلق بشؤون النقابة وشجونها، إذ لنا الحرية بإبداء الرأي».
وطالب داوود بـ«تصحيح الخطأ، والرجوع عن هذا الإجراء حفاظاً على صورة نقابة المحامين، ودورها في المجتمع اللبناني، كمدافعة فعلية عن حقوق الإنسان والحريات العامة في لبنان، وإلا فهي معتدية على حقوق أعضائها».

النقيبة: «ربما أسألهما عن أمور خارج المقالة»!

وبعدما أعادت التأكيد على نفيها للملاحقة، رغم ما تقدّم ذكره، اعتبرت نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد أن التعميم الذي أصدرته في آذار من العام الماضي، ومشروع القانون الذي ينظم علاقة المحامي بالإعلام، «فحواهما سياسة لطالما كانت موجودة على تعاقب النقابات، علماًَ أن نقابة المحاماة هي الحريصة على الحريات العامة، إنما الحرية لا تعني الفوضى».
وحول ما إذا كانت النقابة ستعود عن قرارها في استدعاء صاغية وداوود الذي حددت له جلسة ثالثة في تشرين الأول المقبل، في ظل النفي الصادر عن النقيبة، قالت حداد: «بالدرجة الأولى، لم أقابل أياً من صاغية أو داوود حتى اللحظة، ولم يتحدد بعد عما سأسألهما، وربما تكون الأسئلة حول أمور خارج موضوع المقالة!».
أما في ما يتعلق بالجلستين السابقتين اللتين خضع لهما داوود، فتجزم حداد بأنها لا تعرف شيئاً عن مضمونهما، ولم تطلع على موضوع الأسئلة التي وجهت إليه، «إذ قمت بإحالة هذا الموضوع لمفوض قصر العدل، وهو تولى هذه المسألة». في المقابل، تشير مصادر «السفير» إلى أنه «في أثناء استدعاء المحاميين، قال مفوض قصر العدل لهما أن لا علاقة له في هذه المسألة، وهو ينفذ طلبات النقيبة!».

المقالة «المتهمة»

تشكل المقالة التي نُشرت في «المفكرة القانونية»، تحت عنوان «اقتراح بتنظيم علاقة المحامي مع وسائل الإعلام: أين المحامي المناصر للقضايا الاجتماعية؟»، قراءة نقدية للاقتراح الذي «يمنع على المحامي استعمال وسائل الإعلام كمنبر للكلام أو البحث أو المناقشة في الدعاوى والقضايا العالقة أمام القضاء، الموكلة إليه أو لسواه من المحامين، ملتزماً المرافعة والمدافعة فيها أمام المراجع القضائية ذات الاختصاص فقط»، وتعتبر أن «الاقتراح يعكس توجهاً واضحاً نحو تقييد حرية المحامي في النقاش والتعبير، فضلاً عن مشاركته في الندوات العلمية والبحث القانوني، مع ما يستتبع ذلك من تهميش لدوره المهني والمجتمعي. وهو الى ذلك، يذهب في اتجاه معاكس تماما للتوجهات الحديثة (وأبرزها القرارات الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الانسان) والتي آلت الى ادخال تعديلات جذرية في مجال آداب المحامين وعلاقتهم مع وسائل الإعلام، في اتجاه تكريس حرية الرأي والتعبير».
كما تشير المقالة إلى أن الاقتراح «جاء خالياً من أي توجّه مهني إصلاحي، رغم أن ثمة مستجدات توجب ذلك، أهمها: مواكبة التشريع الحديث، عصر الإعلام والاتصالات، حق المواطن بالإطلاع والمعرفة... وكأنه يهدف بوضوح، وربما حصراً، الى ضبط «المحامي المشاكس» عبر إلغاء حريته بالتعبير او تقييدها وفق الحالات، في حين انه ينكر او يغفل اي دور للإعلام في الدفاع عن القضايا الاجتماعية في موازاة القضايا المرفوعة امام المحاكم. وهو بذلك ينبني على اعتبارات تتصل بممارسة السلطشة اكثر مما هو يتصل بحاجات تحسين شروط ممارسة مهنة المحاماة».



21.9.11

«أعطِ من نفسك للآخرين»: يوم للتبرع بالشعر لصالح الأطفال المصابين بداء السرطان



نُشر في جريدة السفير

جهينة خالدية

21- 9-2011



هي رحلة طويلة، يختلف فيها كل شيء في حياة مريض السرطان. منذ لحظة الخبر الأول، فالصدمة، إلى الإنكار، وصولا إلى تقبل الأمر وتحمّل الألم، والخضوع لعلاجات تكون هي نفسها قاسية. وطوال تلك المدة يبقى الشعور الأهم هو الأمل، وهو العنصر الأساس ليعيش كل مريض رحلة متفائلة نحو الشفاء. وبين الفينة والأخرى، تبرز مبادرات من المجتمع، فردية أو جماعية، هدفها تعزيز أمل المرضى ودعمه. من بين تلك المبادرات، تلك التي أطلقتها جمعية «كروس توك» cross talk، والتي تستهدف تفصيلا هو من المسلمات بالنسبة للأشخاص المعافين، أي الشعر الذي يفقده معظم مرضى السرطان بسبب العلاج الكيميائي. والمبادرة تدعو إلى التبرع بالشعر لمرضى السرطان، في نشاط ينظّم الأحد المقبل في 25 من الجاري في فندق «لو رويال»، وشعاره «أعط من نفسك للآخرين». وتنظم «المبادرة للسنة الثالثة على التوالي، بحيث يتم توضيب الشعر، والتبرع به لمركز سرطان الأطفال في لبنان - سانت جود، ثم يقوم أحد المتبرعين لدى المركز بتحويله إلى «بروكات» من الشعر الطبيعي، لتوزع على الأطفال لاحقا»، كما تشير مديرة الجمعية رانيا نصر الله. ويدرك القيمون على النشاط أن دعوة الناس إلى التبرع بشعرهم، ليست بالأمر السهل، بل تحقق غاية المبادرة وهي التبرع بأمور وأشياء تعني الكثير لآخرين فقدوها، وهنا تستخدم الجمعية شعاراً مشجعا لكل متبرع ومتبرعة يشير إلى أن «ما نتبرع به ليس إلا شعرا بالنسبة لنا، أما بالنسبة لهم (المرضى)، فهو أمل». وينطلق النشاط عند الواحدة ظهراً ويستمر حتى السابعة مساء، حيث يتقدم المتبرعون والمتبرعات لقص شعرهم/ن الذي يجب أن يكون طوله عشر سنتمرات على الأقل. وتشير نصر الله إلى أن «النشاط يكون في العادة مناسبة للفرح، فرحة عطاء مما نملك لمن لا يملكه»، موضحة أن «كل متبرعة تحصل بعد قص شعرها على تسريحة تختارها هي، على أيدي حلاقين متخصصين متطوعين مع فريقهم وموظفيهم للمشاركة في هذا الحدث الإنساني». وتذكر نصر الله أنه في العامين الماضيين شارك في كل نشاط أكثر من مئة سيدة وشابة وبينهم نحو ثلاثة شبان، ونتوقع أن يكون العدد مماثلاً هذا العام». وتشير غادة خنيزر، وهي إحدى المتطوعات في الجمعية، إلى أن «فكرة التبرع بالشعر، جاءت من خلال رياضة روحية يمارسها عدد من الشبيبة في الجمعية التي تدرس التعاليم المسيحية، وقمنا فورا بالعمل على تطبيقها، لأننا نؤمن أن ما نتعلمه لا فائدة منه إذا لم يتحول إلى واقع، ولم يفد الآخرين». وتلفت خنيزر إلى أن الجمعية «تنظم النشاط، كنوع من الدعم غير المباشر للأطفال المصابين بالسرطان، ونحن نقول لهم بذلك إننا بجانبهم، وإنهم سيعودون إلى حياتهم الطبيعية سليمين معافين كما كانوا، ونحن نعلم أن كل طفلة حصلت على هذا الشعر احتفلت به وصنعت به تسريحات مختلفة، وزينته بالربطات وكأنها بذلك تمارس أناقتها الطفولية المعتادة». وتوضح نصر الله أن الجمعية التي تتمركز في الربوة في المتن، تضم الآن 190 تلميذا، وكانت قد انطلقت قبل 16 عاماً في دير مار فرانسيس في المطيلب بتلميذين فقط. ويعتبر نشاط التبرع بالشعر، واحدا من نشاطات الجمعية الإنسانية وكان من بينها العام الماضي تنظيم مارثوان للتوعية من مخاطر المخدرات، على سبيل المثال.

16.9.11

أمهـات ضحـايـا «صبـرا وشـاتيـلا»: روائـح المـوت تطـل مـن الـذاكـرة




نُشر في جريدة السفير- ملحق فلسطين




16-9-2011
جهينة خالدية
أمهات ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا، لا يعشن في الذكرى، بل يعشن لأجلها. يعشن ليروينها مرارا وتكرار من دون كلل، من دون أن يبخلن عليها بالدمع والألم. يروينها وكأنها بالأمس، حاضرة في ذاكرتهن بتفاصيل لا يُفترض أن تعيش تسعاً وعشرين سنة. يحفظن عدد الخطوات التي خطونها معتقلات خارج بيوتهن، باتجاه المدينة الرياضية حيث احتجزن بعيدا عن أولادهن وأزواجهن، ويعرفن عدد الخطوات التي أخذتهن إلى أكوام الأجساد المشوهة في أزقة صبرا. يحفظن عدد الجثث التي قلبنها بأيديهن بحثا عن وجه يخصهن. يحفظن عدد اللطمات التي ضربن فيها رؤوسهن وصدورهن وهن يرين الآلاف من الجثث المنتفخة الغارقة في دمائها. شهيرة أبو ردينة وزهرة الحسن وسناء سرساوي ووضحة السابق، يحكين عن حياة بعد موت. ويصرخن بأعلى أصواتهن عسى أن يفيق الموت. وعندما لم يفق وقتها، ولا بعد أيام، ولا بعد أشهر، ولا بعد سنوات، تجاهلنه ولم تتجاهلهن الذاكرة.

«أخشى أستحضار كل ذلك الموت»

تخرج الكلمات من فم شهيرة أبو ردينة، متململة. لدى المرأة الكثير لتقوله. ذاكرتها حية جداً وتقول إنها لا تنسى ثانية واحدة من تلك النهارات الأليمة. لكنها لا تكثر الكلام. «أبقي شيئا لنفسي، لئلا تصبح روايات أطفالنا مبتذلة.. أنا لا أرويها لنبكي على ذكراها، فقط نرويها لنقول إننا لا ننسى ونريد للأجيال الجديدة أن تعرف وتعرف أكثر». تتمهل أم مروان بين الإجابة والأخرى «اسألني أنت، أسئلة محددة، فأنا أخشى أن أستحضر لك كل الموت، أخشى أن أنقل رائحته دفعة واحدة إلى أوراقك.. إسألي يا ابنتي». تقول المرأة الخمسينية جملتها هذه، وهي تروح جيئة وذهابا في بيتها الصغير في صبرا، قبل أن تجلس أخيرا أمامنا وتروي مأساة خسارتها لستة من أفراد عائلتها. تبدأ شهيرة حكايتها من مشهد لم يخف ثقله طوال سنوات بعد المجزرة، مشهد ابنة عمها البكماء آمال. «آمال التي قتلت أمام بيتها على بعد خطوات من بيتنا هذا. كانت آمال متزوجة من حسين سعدي وحامل في الأشهر الأخيرة من الحمل. لم يقتل المجرمون آمال ويرمونها وزوجها ووالدها شوكت أبو رديني أمام منزلهم فقط، بل شقوا بطنها وانتزعوا الجنين منه وتركوه مرميا فوقها، فوق جثتها البنفسجية المنتفخة». تسكت شهيرة لدقائق طويلة، وتعود لتحكي، كمن يتنبه فجأة لوجودنا قبالتها، من هنا تبدأ رواية شهيرة، من قصة آمال البكماء، التي لم تحظ بفرصة أخيرة لتصرخ دفاعا عن جنينها. بماذا قاومتهم، إن لم تستطع حتى الصراخ طلبا لنجدة؟ ماتت آمال، كما ماتت عايدة، الأخت الصغرى لشهيرة. «كان ذلك مساء الخميس، بينما كانت كل عائلتي، وزوجي وأولادي منى (3 سنوات)، ومروان (سنة ونصف) وماهر (15 يوما) واخوتي مختبئين في هذا المنزل. سمعنا أصوات الرصاص والقصف تقترب، خرجت أختي عايدة (17 سنة) لحدود مدخل المنزل فقتلت على الفور، وكان آخر ما سمعناه صرختها «يابا.. يابا»، مباشرة خلفها خرج والدي ليتفقدها، فيقتل بعدها مباشرة. بقيا في الشارع، مقتولان. لم نستطع حتى أن نسحب جثثهم إلى داخل المنزل، لشدة القصف. عند الخامسة صباحاً اقتحم المنزل أكثر من عشرين مسلحاً، اعتقولنا جميعا، وأجبرونا على الدوس على الجثث ليوقفونا عند ناصية الشارع تجهيزا لرمينا بالرصاص. وفجأة تقرر نقلنا نحن النسوة وأطفالنا إلى المدينة الرياضية وتركنا أختي وأبي وأخي كايد وأقارب لنا قتلى في الشارع..». هربت شهيرة وأطفالها وقريباتها من المدينة الرياضية، والتجأت إلى مدرسة رمل الظريف. في اليوم الثالث، يوم السبت خرجت لتشتري بعض الطعام لأطفالها، يومها رأت صورة والدها في الصحف، فهرعت مباشرة إلى المخيم.. لتدفن الأحباء ومنعت من الدخول، بانتظار أن يقوم الصليب الأحمر وبعض الجهات بـ«تنظيف» الشوارع من آلاف الضحايا. تقول شهيرة «لم ندخل مباشرة يومها، إنما رائحة الموت والجثث المتعفنة كانت تخرج إلينا أينما كنا».
أم شوقي بحثت في المجاري

كان عددهم يفوق 25 فردا من العائلة، أولئك الذين فقدتهم زهرة الحسن القاضي. «راحوا، كلهم» تقول الجدة الستينية: «بين هؤلاء زوجي حسن أحمد الحسن القاضي، وابني جلال وكان في الرابعة عشرة من عمره، وابنة عمي ابتسام وأكثر من 22 فردا من عائلتي». بدأت المجزرة منذ الثانية التي سمعنا فيها نداء عبر مكبرات الصوت يكرر «سلم تسلم نحن جيش لبنان». كان بيتنا في بئر حسن، خرجت وزوجي وأولادي الثلاثة عشر. أمرونا أن نمشي إلى منطقة الرحاب. اعتقلوا رجال العائلة وشبابها، وأمرونا نحن النسوة والبنات والأطفال أن نمشي إلى المدينة الرياضية، حيث احتجزونا هناك. وفي تلك اللحظة، كانت المرة الأخيرة التي أرى فيها زوجي وابني جلال. فقدتهما».
بعد انتهاء المجزرة، هرعت أم شوقي للبحث عن جلال وزوجها حسن. أين تبحث هذه المرأة عن رجلين بين الأكوام البشرية المتعفنة؟ «أبحث بينها، وتحتها وفوقها»، تقول. «لم أترك جثة إلا وقلبتها بكلتا يدي. دخلت بين البيوت، نزلت في المجاري الصحية، تمعنت في وجوه متنفخة متورمة، أزحت الذباب عن عيون الضحايا، فقدت وعي وقدرتي على استيعاب ما أرى، ما ألمس، ما أشم من روائح. قلت في نفسي إنها نهاية الدنيا أو نهايتي. لم أجدهما. اختفيا. تبخرا».من يجالس أم شوقي، لا حاجة له ليسمع الكثير من السرد لآلامها. كل ما رأت هذه المرأة، موسوم في وجهها. تبدو وكأنها ترى المذبحة كل دقيقة. وكأنها لم تنم منذ عقود. بشرتها الصفراء، تجاعيدها التي غزت أصغر مساحة في الوجه والكفين. هذه إمرأة لم تنس. لم تسامح. لن تفعل يوما. هذه امرأة تسولت لسنوات لتشتري الخبز لأولادها، وغسلت أدراج البيوت في منطقة الأشرفية، ومسحت غبار أثاثها، ولم تنجح يوما في مسح كوابيس ثقيلة. ثقيلة جدا.

ذاكرة حية تمطر مشاهد المذبحة

كانت سناء سرساوي في التاسعة عشرة من عمرها عندما وقعت المجزرة. وكان زوجها في الرابعة والعشرين من عمره، ولهما منال (سنة ونصف السنة) وايناس (7 أشهر) وجنين في شهره الرابع، اسمته لاحقا: عليّ. في اللحظة التي سمعت فيها سناء أزيز رصاص، هربت وعائلتها من منزلهم في مخيم سعيد غواش (جانب المدينة الرياضية) إلى مبنى دار العجزة الاسلامية. لم يكن وقت المجزرة قد حل بعد. كان هذا يوم الثلاثاء. تقول سناء، «إنه في الأيام التالية، احتجنا إلى بعض الأغراض من المنزل، فذهب زوجي وزوج أختي إلى المخيم، واختارا الدخول من جهة صبرا. تأخرا، ولم يعودا. رحنا نبحث عنهما، وكنا لا نعرف بعد ماذا ينتظرنا. كل خطوة داخل تلك الشوارع الدموية، كان تحمل المزيد من المشاهد المروعة. ما كنا نجد موطئ قدم يخلو من جثة معذبة ومرمية ومنتفخة. الأجساد مكدسة وكأنها أكياس اسمنت ذي رائحة عفنة. الأيدي متدلية من النوافذ. الأطفال والشباب يصطفون قتلى عند الجدران. مشينا إلى أن وصلنا إلى مكان المقبرة الجماعية. هناك وجدنا حفرة كبيرة تحوي نحو 250 رجلا معصوبي العيون. كانت الرشاشات مصوبة على رؤوسهم، تحضيرا لقتلهم. لم أستطع التأكد إن كان زوجي وزوج أختي بينهم. إنما أذكر جيداً أنهم نجوا من الموت بأعجوبة. فجأة ارتفع صوت من مكبرات الصوت، يكرر «انتهى الوقت، انسحاب». تقول سناء إنها لم ترهم يقتلونهم، إنما خطفهم في الباصات المركونة قريبا. ومنذ ذلك اليوم، لم أر زوجي، حيا أو ميتا». لم تغب صور الموت سريعا من عيني سناء. كانت تجلس لساعات طويلة من دون أن تنبس بحرف، وتعود لتغيب عن الوعي فجأة، وأصيبت تكرارا بجلطات في رجلها، وبعدها بسرطان الثدي. اليوم، تعيش سناء في صبرا، في غرفة واحدة مع أولادها وزوجها الثاني الذي تزوجها بعد مرور عشر سنوات على المجزرة. هو يعمل كسائق، وهي كخياطة، لا تفلح حتى اللحظة في رتي ذلك الثقب من ذاكرة حية تمطر عليها روائح المذبحة.
لو يأتيا الآن

وضحة السابق، التي تعمل في جمعية «بيت أطفال الصمود»، تنتظرنا لنصل ونسمع حكاية انتظارها لولديها محمد وعلي. كانت تجلس عند الباب، كمن يحلم أن يطلا الآن أو يوما ما، بدلا عن كل البشر. في مجزرة صبرا وشاتيلا فقدت وضحة ابنها البكر محمد (19 سنة) وعلي (16 سنة) و15 فردا من عائلتها. فقدتهم عندما خرجت معهم من المنزل باتجاه مدخل شاتيلا، «حيث كان عناصر من الجيش الإسرائيلي ومن الكتائب اللبنانية يطلبون منا التوجه إلى هناك، بحجة ختم هوياتنا وجوازات السفر. وعادوا وأجبروا النساء على التوجه إلى المدينة الرياضية. ثم هربنا إلى مبنى مهجور في منطقة الكولا. في الصباح الباكر، سألنا عناصر الجيش عن أولادنا فأجابونا «روحوا لأبو عمار، أبو الدمار، اسألوه». منذ ذلك اليوم، لم تترك أم محمد أحد من دون أن تسأله.. بحثت في تلة الضحايا عند زاروب العرسال، وفي كل الشوارع، من دون جدوى. لم تملك وضحة الكثير لتفعله.. غير تسجيل أسماء محمد وعلي لدى الصليب الأحمر اللبناني، دار الفتوى وكل جهة معنية، والمشاركة في الدعوى القضائية الجماعية لمحاكمة آرييل شارون. تقول إنها غالبا ما تجد سلوانها في النوم، بانتظار أي حلم يأتي بصورتيهما إليها. بانتظارهما.