16.9.11

أمهـات ضحـايـا «صبـرا وشـاتيـلا»: روائـح المـوت تطـل مـن الـذاكـرة




نُشر في جريدة السفير- ملحق فلسطين




16-9-2011
جهينة خالدية
أمهات ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا، لا يعشن في الذكرى، بل يعشن لأجلها. يعشن ليروينها مرارا وتكرار من دون كلل، من دون أن يبخلن عليها بالدمع والألم. يروينها وكأنها بالأمس، حاضرة في ذاكرتهن بتفاصيل لا يُفترض أن تعيش تسعاً وعشرين سنة. يحفظن عدد الخطوات التي خطونها معتقلات خارج بيوتهن، باتجاه المدينة الرياضية حيث احتجزن بعيدا عن أولادهن وأزواجهن، ويعرفن عدد الخطوات التي أخذتهن إلى أكوام الأجساد المشوهة في أزقة صبرا. يحفظن عدد الجثث التي قلبنها بأيديهن بحثا عن وجه يخصهن. يحفظن عدد اللطمات التي ضربن فيها رؤوسهن وصدورهن وهن يرين الآلاف من الجثث المنتفخة الغارقة في دمائها. شهيرة أبو ردينة وزهرة الحسن وسناء سرساوي ووضحة السابق، يحكين عن حياة بعد موت. ويصرخن بأعلى أصواتهن عسى أن يفيق الموت. وعندما لم يفق وقتها، ولا بعد أيام، ولا بعد أشهر، ولا بعد سنوات، تجاهلنه ولم تتجاهلهن الذاكرة.

«أخشى أستحضار كل ذلك الموت»

تخرج الكلمات من فم شهيرة أبو ردينة، متململة. لدى المرأة الكثير لتقوله. ذاكرتها حية جداً وتقول إنها لا تنسى ثانية واحدة من تلك النهارات الأليمة. لكنها لا تكثر الكلام. «أبقي شيئا لنفسي، لئلا تصبح روايات أطفالنا مبتذلة.. أنا لا أرويها لنبكي على ذكراها، فقط نرويها لنقول إننا لا ننسى ونريد للأجيال الجديدة أن تعرف وتعرف أكثر». تتمهل أم مروان بين الإجابة والأخرى «اسألني أنت، أسئلة محددة، فأنا أخشى أن أستحضر لك كل الموت، أخشى أن أنقل رائحته دفعة واحدة إلى أوراقك.. إسألي يا ابنتي». تقول المرأة الخمسينية جملتها هذه، وهي تروح جيئة وذهابا في بيتها الصغير في صبرا، قبل أن تجلس أخيرا أمامنا وتروي مأساة خسارتها لستة من أفراد عائلتها. تبدأ شهيرة حكايتها من مشهد لم يخف ثقله طوال سنوات بعد المجزرة، مشهد ابنة عمها البكماء آمال. «آمال التي قتلت أمام بيتها على بعد خطوات من بيتنا هذا. كانت آمال متزوجة من حسين سعدي وحامل في الأشهر الأخيرة من الحمل. لم يقتل المجرمون آمال ويرمونها وزوجها ووالدها شوكت أبو رديني أمام منزلهم فقط، بل شقوا بطنها وانتزعوا الجنين منه وتركوه مرميا فوقها، فوق جثتها البنفسجية المنتفخة». تسكت شهيرة لدقائق طويلة، وتعود لتحكي، كمن يتنبه فجأة لوجودنا قبالتها، من هنا تبدأ رواية شهيرة، من قصة آمال البكماء، التي لم تحظ بفرصة أخيرة لتصرخ دفاعا عن جنينها. بماذا قاومتهم، إن لم تستطع حتى الصراخ طلبا لنجدة؟ ماتت آمال، كما ماتت عايدة، الأخت الصغرى لشهيرة. «كان ذلك مساء الخميس، بينما كانت كل عائلتي، وزوجي وأولادي منى (3 سنوات)، ومروان (سنة ونصف) وماهر (15 يوما) واخوتي مختبئين في هذا المنزل. سمعنا أصوات الرصاص والقصف تقترب، خرجت أختي عايدة (17 سنة) لحدود مدخل المنزل فقتلت على الفور، وكان آخر ما سمعناه صرختها «يابا.. يابا»، مباشرة خلفها خرج والدي ليتفقدها، فيقتل بعدها مباشرة. بقيا في الشارع، مقتولان. لم نستطع حتى أن نسحب جثثهم إلى داخل المنزل، لشدة القصف. عند الخامسة صباحاً اقتحم المنزل أكثر من عشرين مسلحاً، اعتقولنا جميعا، وأجبرونا على الدوس على الجثث ليوقفونا عند ناصية الشارع تجهيزا لرمينا بالرصاص. وفجأة تقرر نقلنا نحن النسوة وأطفالنا إلى المدينة الرياضية وتركنا أختي وأبي وأخي كايد وأقارب لنا قتلى في الشارع..». هربت شهيرة وأطفالها وقريباتها من المدينة الرياضية، والتجأت إلى مدرسة رمل الظريف. في اليوم الثالث، يوم السبت خرجت لتشتري بعض الطعام لأطفالها، يومها رأت صورة والدها في الصحف، فهرعت مباشرة إلى المخيم.. لتدفن الأحباء ومنعت من الدخول، بانتظار أن يقوم الصليب الأحمر وبعض الجهات بـ«تنظيف» الشوارع من آلاف الضحايا. تقول شهيرة «لم ندخل مباشرة يومها، إنما رائحة الموت والجثث المتعفنة كانت تخرج إلينا أينما كنا».
أم شوقي بحثت في المجاري

كان عددهم يفوق 25 فردا من العائلة، أولئك الذين فقدتهم زهرة الحسن القاضي. «راحوا، كلهم» تقول الجدة الستينية: «بين هؤلاء زوجي حسن أحمد الحسن القاضي، وابني جلال وكان في الرابعة عشرة من عمره، وابنة عمي ابتسام وأكثر من 22 فردا من عائلتي». بدأت المجزرة منذ الثانية التي سمعنا فيها نداء عبر مكبرات الصوت يكرر «سلم تسلم نحن جيش لبنان». كان بيتنا في بئر حسن، خرجت وزوجي وأولادي الثلاثة عشر. أمرونا أن نمشي إلى منطقة الرحاب. اعتقلوا رجال العائلة وشبابها، وأمرونا نحن النسوة والبنات والأطفال أن نمشي إلى المدينة الرياضية، حيث احتجزونا هناك. وفي تلك اللحظة، كانت المرة الأخيرة التي أرى فيها زوجي وابني جلال. فقدتهما».
بعد انتهاء المجزرة، هرعت أم شوقي للبحث عن جلال وزوجها حسن. أين تبحث هذه المرأة عن رجلين بين الأكوام البشرية المتعفنة؟ «أبحث بينها، وتحتها وفوقها»، تقول. «لم أترك جثة إلا وقلبتها بكلتا يدي. دخلت بين البيوت، نزلت في المجاري الصحية، تمعنت في وجوه متنفخة متورمة، أزحت الذباب عن عيون الضحايا، فقدت وعي وقدرتي على استيعاب ما أرى، ما ألمس، ما أشم من روائح. قلت في نفسي إنها نهاية الدنيا أو نهايتي. لم أجدهما. اختفيا. تبخرا».من يجالس أم شوقي، لا حاجة له ليسمع الكثير من السرد لآلامها. كل ما رأت هذه المرأة، موسوم في وجهها. تبدو وكأنها ترى المذبحة كل دقيقة. وكأنها لم تنم منذ عقود. بشرتها الصفراء، تجاعيدها التي غزت أصغر مساحة في الوجه والكفين. هذه إمرأة لم تنس. لم تسامح. لن تفعل يوما. هذه امرأة تسولت لسنوات لتشتري الخبز لأولادها، وغسلت أدراج البيوت في منطقة الأشرفية، ومسحت غبار أثاثها، ولم تنجح يوما في مسح كوابيس ثقيلة. ثقيلة جدا.

ذاكرة حية تمطر مشاهد المذبحة

كانت سناء سرساوي في التاسعة عشرة من عمرها عندما وقعت المجزرة. وكان زوجها في الرابعة والعشرين من عمره، ولهما منال (سنة ونصف السنة) وايناس (7 أشهر) وجنين في شهره الرابع، اسمته لاحقا: عليّ. في اللحظة التي سمعت فيها سناء أزيز رصاص، هربت وعائلتها من منزلهم في مخيم سعيد غواش (جانب المدينة الرياضية) إلى مبنى دار العجزة الاسلامية. لم يكن وقت المجزرة قد حل بعد. كان هذا يوم الثلاثاء. تقول سناء، «إنه في الأيام التالية، احتجنا إلى بعض الأغراض من المنزل، فذهب زوجي وزوج أختي إلى المخيم، واختارا الدخول من جهة صبرا. تأخرا، ولم يعودا. رحنا نبحث عنهما، وكنا لا نعرف بعد ماذا ينتظرنا. كل خطوة داخل تلك الشوارع الدموية، كان تحمل المزيد من المشاهد المروعة. ما كنا نجد موطئ قدم يخلو من جثة معذبة ومرمية ومنتفخة. الأجساد مكدسة وكأنها أكياس اسمنت ذي رائحة عفنة. الأيدي متدلية من النوافذ. الأطفال والشباب يصطفون قتلى عند الجدران. مشينا إلى أن وصلنا إلى مكان المقبرة الجماعية. هناك وجدنا حفرة كبيرة تحوي نحو 250 رجلا معصوبي العيون. كانت الرشاشات مصوبة على رؤوسهم، تحضيرا لقتلهم. لم أستطع التأكد إن كان زوجي وزوج أختي بينهم. إنما أذكر جيداً أنهم نجوا من الموت بأعجوبة. فجأة ارتفع صوت من مكبرات الصوت، يكرر «انتهى الوقت، انسحاب». تقول سناء إنها لم ترهم يقتلونهم، إنما خطفهم في الباصات المركونة قريبا. ومنذ ذلك اليوم، لم أر زوجي، حيا أو ميتا». لم تغب صور الموت سريعا من عيني سناء. كانت تجلس لساعات طويلة من دون أن تنبس بحرف، وتعود لتغيب عن الوعي فجأة، وأصيبت تكرارا بجلطات في رجلها، وبعدها بسرطان الثدي. اليوم، تعيش سناء في صبرا، في غرفة واحدة مع أولادها وزوجها الثاني الذي تزوجها بعد مرور عشر سنوات على المجزرة. هو يعمل كسائق، وهي كخياطة، لا تفلح حتى اللحظة في رتي ذلك الثقب من ذاكرة حية تمطر عليها روائح المذبحة.
لو يأتيا الآن

وضحة السابق، التي تعمل في جمعية «بيت أطفال الصمود»، تنتظرنا لنصل ونسمع حكاية انتظارها لولديها محمد وعلي. كانت تجلس عند الباب، كمن يحلم أن يطلا الآن أو يوما ما، بدلا عن كل البشر. في مجزرة صبرا وشاتيلا فقدت وضحة ابنها البكر محمد (19 سنة) وعلي (16 سنة) و15 فردا من عائلتها. فقدتهم عندما خرجت معهم من المنزل باتجاه مدخل شاتيلا، «حيث كان عناصر من الجيش الإسرائيلي ومن الكتائب اللبنانية يطلبون منا التوجه إلى هناك، بحجة ختم هوياتنا وجوازات السفر. وعادوا وأجبروا النساء على التوجه إلى المدينة الرياضية. ثم هربنا إلى مبنى مهجور في منطقة الكولا. في الصباح الباكر، سألنا عناصر الجيش عن أولادنا فأجابونا «روحوا لأبو عمار، أبو الدمار، اسألوه». منذ ذلك اليوم، لم تترك أم محمد أحد من دون أن تسأله.. بحثت في تلة الضحايا عند زاروب العرسال، وفي كل الشوارع، من دون جدوى. لم تملك وضحة الكثير لتفعله.. غير تسجيل أسماء محمد وعلي لدى الصليب الأحمر اللبناني، دار الفتوى وكل جهة معنية، والمشاركة في الدعوى القضائية الجماعية لمحاكمة آرييل شارون. تقول إنها غالبا ما تجد سلوانها في النوم، بانتظار أي حلم يأتي بصورتيهما إليها. بانتظارهما.

ليست هناك تعليقات: