14.10.11

اللوحات الإعلانية في لبنان: غابة من الفوضى على طريق التنظيم؟









نُشر في جريدة السفير





14-10-2011





جهينة خالدية







ألوان كثيرة، جمل جاذبة، وأخرى مبتذلة، عروض لا تنتهي، عارضات أزياء، أضواء مبهرة. عالم بأكمله يرّوج لسلع استهلاكية وخدمات، على اختلافها. عالم بأكمله يعيش ويتكرر ويتغير ويتطور ويتضخم فوق لوحات إعلانية تكاد تحجب، لكثرتها، وعشوائية توزيعها، لون السماء ومعالم الطرق التي يسلكها اللبنانيون يوميا، وحتى تلك النائية في المناطق البعيدة.عشرات الآلاف من الصور الإعلانية على الجدران، فوق الجسور، عند جوانب الطرق، وأمام إشارات السير وعند التقاطعات وحتى في وسط الطرق! وإذا كانت اللوحات الإعلانية تنجح أحيانا في تسلية «أسرى» ازدحام السير الأزلي، إلا أنها في أحيان كثيرة تسرق انتباه السائقين عن القيادة والتركيز.







ويشير الكم الهائل من اللوحات إلى الفوضى العارمة التي تعم ذلك القطاع، بسبب شركات مخالفة لا تتقيد بالقوانين، وزاد عدد لوحاتها كالفطر على الطرق، بغطاء من بلديات أعطت تراخيص عشوائية مخالفة المرسوم 8861 الذي ينظم أماكن رفع اللوحات والمسافة الفاصلة بين كل منها، بما يحفظ السلامة العامة والشكل الجمالي للمدن والبلدات. ويمنع المرسوم وضع الاعلانات واللوحات الاعلانية على مباني الادارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات والمباني الأثرية والسياحية، ودور العبادة وتوابعها، والمدافن وأسوارها، وأعمدة الانارة والكهرباء والهاتف والأشجار، وضمن شعاع مئة متر من كل منها. وقد أعلن وزير الداخلية مروان شربل في 21 أيلول الماضي التشدد في تنفيذ أحكام المرسوم 8861، عبر «نزع كل لوحة موضوعة دون ترخيص، ونزع كل لوحة مرخصة (من البلديات إنما تخالف المرسوم) فور انتهاء مهلة الترخيص لها»، (علما أن اللوحات المرخصة تنزع وفق أقدمية الترخيص). ويعترض عدد كبير من أصحاب شركات اللوحات الإعلانية على قرار وزارة الداخلية، لأسباب عدة، أولها أن بعضهم يعتبر أن المرسوم 8861، الذي يحدد قياس اللوحات الاعلانية والمسافة بينها، هو مرسوم «مجحف ولا يمكن تطبيقه مع التطور الحاصل في القطاع». أما السبب الثاني، فهو تحفّظهم على التعميم الوارد في إعلان الوزارة عن «نزع اللوحات الإعلانية من دون استثناء على جميع الأراضي اللبنانية بتاريخ أقصاه نهاية العام 2011 الجاري». إلا أن العقيد غابي خوري، الذي يتولى إدارة الملف وتنفيذ التعميم، يلفت إلى أنه ليس لدى الوزارة «للقضاء على القطاع برمته، إنما هي تهدف إلى تنظيمه وفق تعميم الوزير الذي يهدف بالدرجة الأولى إلى تطبيق المرسوم 8861 مع نسبة تساهل تتراوح بين 20 و25 في المئة».







ويشرح خوري أنه «يمكن التساهل مثلا في المسافات التي تفصل بين اللوحة الإعلانية والأخرى والمحددة وفق المرسوم بمئة متر»، مضيفا أنه «إذا تعاونت الشركات وأزالت لوحاتها المخالفة، نكون قد ساهمنا بتطبيق المرسوم وتنتفي الحاجة لإزالة كل اللوحات دون استثناء».ويشرح خوري أن «العمل على إزالة اللوحات المخالفة، لن يتم عشوائيا، بل نعمل وفق مخططات مفصلة، وخرائط وملفات مصورة لكل الطرق الرئيسية في لبنان، والتي توضح المسافة الفاصلة بين لوحة وأخرى، ومدى سلامة وشرعية وجودها في هذه البقعة دون أخرى». وعلى الرغم من تخوف بعض الشركات غير المنضمة إلى نقابة اللوحات الإعلانية الطرقية في لبنان، من ألا تنصفها المخططات التي نفذت بالتعاون مع النقابة، إلا أن خوري يجزم بأن «المخططات التي بين أيدينا دقيقة على حد كبير، وتتضمن جردة للغالبية الساحقة من اللوحات، وقد بدأت إزالة لوحات مخالفة في عدد كبير من المناطق، لا سيما في جبل لبنان حيث بلغت نسبة المخالفات المئتين في المئة!». ويشرح خوري أنه حاليا، وفقا للتعميم، وحتى العشرين من الشهر الحالي، «يقدم كل رئيس بلدية أو القائم بأعمال البلدية خريطة مفصلة لكل نطاق بلدي يتضمن عدد اللوحات الإعلانية التي يمكن تثبيتها، على أن تعتمد هذه الخريطة بعد أخذ موافقة وزارة الداخلية والبلديات عليها»، بما يسمح، بحسب خوري، بإنجاز جزء كبير من تنظيم القطاع.بعدها، تصدر رخص جديدة وتكلف المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بمراقبة التزام الشركات بالمواصفات المحددة للوحات الإعلانية، على أن تنزع اللوحات المخالفة على نفقة أصحاب العلاقة.







شركات اللوحات الإعلانية







في المقلب الآخر، يضّم قطاع اللوحات الإعلانية أكثر من ستين شركة، 28 منها منتسبة إلى النقابة، فيما تنضوي نحو 35 منها ما يُعرف بتجمع أصحاب شركات الاعلانات الطرقية. ويقدّر حجم القطاع بنحو مئة مليون دولار، وهو يعيل أكثر من خمسة آلاف عائلة من ذوي الدخل المتوسط والجيد. وتتفاوت ردود فعل الشركات على التعميم، إذ يصفه البعض بالتسونامي، فيما لا ينكر القسم الأكبر منهم الفوضى المتفشية في القطاع والحاجة إلى تنظيمه. ويشير رئيس النقابة أنطونيو فنشنتي إلى «ضرورة تصحيح أوضاع القطاع وإزالة المخالفات التي وصلت إلى درجة لا نقبلها وتؤثر على سمعة القطاع وقيمته، فهو جزء أساسي من صناعة الاعلان في لبنان ومن حلقته الاقتصادية، ودوره تجميل لبنان لا تشويهه». إلا أن فنشنتي يقول إن النقابة اجتمعت مع وزير الداخلية «وتم الاتفاق على خطة شاملة لتصحيح الوضع تبدأ بمسح شامل للطرق العامة خلال مهلة 72 ساعة. على أن يشرف رئيس لجنة إزالة المخالفات العقيد غابي خوري على العملية برمتها. إلا أن ما حصل، بحسب فنشنتي، هو أنه بعد الاجتماع مباشرة «صدر التعميم 21/إم/ 2011، وتعجبنا لأنه كرر عدم تجديد التراخيص للوحات الحاصلة على تراخيص من البلديات، وعدم تجديد تراخيصها يجعلها تبدو الآن كلوحات مخالفة!».لذلك، يقول فنشنتي «نؤيد خطة وزارة الداخلية، إنما نريدها أن تؤدي إلى حلول علاجية لا أن تقتصر على تنفيذ عمليات جراحية، نتائجها غير واضحة».







ويشرح فنشنتي أن النقابة سلّمت شربل مشروع تعديل للمرسوم 8861، «الذي رضينا به في العام 1996 على الرغم من تحفظنا على بعض بنوده، لأننا كنا قد منينا بخسائر فادحة إثر إزالة كل اللوحات، وكانت آنذاك تعود إلى 35 شركة، 15 منها أفلست و20 حاولت الانطلاق من جديد». من جهتها، يعرب عدد من الشركات المنضوية في «تجمع أصحاب شركات الاعلانات الطرقية»، عن عدم رضاها على تعميم وزارة الداخلية، ويعتبر رئيس التجمع روي متيني أنه أعطى مهلة قصيرة لتنفيذه و«كان الأفضل مد المهلة لنحو السنة، لتتوفر مداخيل جديدة لأصحاب تلك الشركات علـى أن يُصـدر خــلال هــذه السنة مرسوم جديد أكثر إنصافا». من جهة ثانية أعرب بعض أصحاب الشركات عن تخوفّهم من أن يكون التعميم خطوة أولى لإخراج بعض الشركات الصغيرة من القطاع وتركه لشركات احتكارية تسيطر على السوق، وهو ما تردد في اجتماع للتجمع، حيث أشار أصحاب عدد من الشركات إلى «وجود ظلم في التعاطي مع القطاع الذي يُصور للناس وكأنهم مافيات، وكأننا كلنا نخالف القانون، لكن يجب الاشارة إلى أنه قبل رفع اللوحات أخذت تراخيص من البلديات ودُفع مقابلها، كما استؤجرت أملاك خاصة لهذه الغاية، وبهذا المعنى يمكن القول إن العرف سبق القانون وتكرس بفعل مرور السنين».

ليست هناك تعليقات: