31.10.11

حرب تنتهي ولا تنتهي»: مؤتمر يشترط «الاعتراف والسماح» للخروج من الكره

نُشر في جريدة "السفير"
31-10-2011
جهينة خالدية






لم تنته الحرب، ما انتهى هو «العنف المرئي»، أما الكره فما زال حتى اللحظة هو «الهوية الدائمة للبناني». من هذه الاشكالية انطلق مؤتمر «حرب تنتهي، ولا تنتهي»، الذي عقد نهاية الأسبوع المنصرم في مستشفى جبل لبنان. ومن هذه الجملة تحديداً يبدأ النقاش، وفق ما يقول المتخصص في الطب والتحليل النفسي ورئيس قسم الطب النفسي في المستشفى الدكتور شوقي عازوري، لـ«السفير»، مشيرا إلى أن «المؤتمر المستوحى عنوانه من كتاب لفرويد «تحليل منتهٍ، تحليل غير منتهٍ»، يعمل على شرح وفهم قدرة الانسان على خوض حروب مستمرة مع أخيه الانسان».





ويلفت عازوري إلى أنه «عندما نقول: حرب تنتهي، ولا تنتهي، نكون نقصد أن الحرب انتهت من حيث الشكل، أما من حيث المضمون ومعاني الحرب وتأثيراتها، فهي مستمرة على مستويات عدة، ذلك أنه لم يشرع بتنفذ الخطوات التي تساعد على انتهائها، ومن ثم تخطيها».وتبلورت هذه النقاط أكثر خلال جلسات المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام، بتنظيم من «مستشفى جبل لبنان» و«الجمعية اللبنانية للتحليل النفسي»، و«الجمعية الدولية لتاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي» وبمشاركة «ألفابسي». ويأتي المؤتمر في إطار نهج مستشفى جبل لبنان للمسؤولية الاجتماعية والتوعية حيال مختلف القضايا الراهنة، وبخاصة لتفعيل النقاش بين المثقفين والعلماء، وأعطى أبعادا نفسية وتقنية لمعنى الاعتراف والسماح وتخطي الحرب ورواسبها.





ولكن ما الذي يحتاجه شعب، أو وطن ليخرج من الحرب؟ يذكر عازوري انه «لا يمكن وضع حد للحرب من دون الاعتراف الذي يلجم الحقد والكره، ويوقف تناقلهما عبر الأجيال. فالاعتراف والاعلان يعنيان تحمل المسؤولية، ومن ثم يجب على الجاني أن يطلب السماح. ولا تنتهي العملية إلا بعد حصول السماح والمصالحة على صعيد الوطن». من هنا، يعتبر عازوري أن «الشعب اللبناني لم ينه حربه بعد، ذلك لأنه لم يحصل على الحقيقة، وقسم منه ينتظر مفقوديه، وقسم آخر لم يعرف من المسؤول عن قتل أولاده وعائلته، أو لم يشفه عدم الاعتراف علانية بهذه المسؤولية». من هنا، يمكن القول «إن هناك كثيرين ما زالوا ينتظرون، ولم يدفنوا موتاهم ولم يبكوهم ولم يحدوا».





بمعنى آخر «لا يعرفون كيف يعيشون حاضرهم وهم أسرى الماضي، ومن المعروف أن دفن الماضي ودفن الموتى هو جزء من العلاج وهو ضرورة ليتابع الناس حياتهم». لكن ما الذي يضمن عدم تكرار هذه الجرائم والحروب بعد الاعتراف بالمسؤولية؟ يرى عازوري أن «الخبرة التحليلية والجماعية والاجتماعية أثبتت أن الاعتراف وطلب الغفران، وبعدها السماح تمنع تكرار الفعل الجرمي، على الرغم من أننا نعرف أن جزءاً من إكمال الحرب ضمنيا في لبنان هو الطبقة السياسية الحاكمة التي تقتات على تجييش الناس، بمعنى أنها لا يمكن أن تستمر في حال تصالح الناس مع ماضيهم ومع حاضرهم، وطريقتها للاستمرار هي بتجييش المشاعر ضد الآخر، وإبقاء الحقيقة مدفونة وبإغراق الناس، وأهالي الضحايا في الجهل وفي منأى عن الحقيقة». وهذا النهج «مناف تماما لكل مشروع المسامحة وتصفية الحسابات».





حاجة للتحرر من التبعية والاستعباد





ويعود عازروي ليوضح أنه «لا شك بأن اللبنانيين بحاجة إلى المسامحة، وإلى الدعم النفسي ليخرجوا من ماضيهم، ومن استمرار الحرب في يومياتهم، كما انهم بحاجة أيضا إلى التحرر من التبعية والاستعباد، لساسة أو زعماء يتم تأليههم» فـ«التبعية، وفق عازوري، تسلب اللبنانيين حريتهم، وتجعلهم بحاجة دائمة إلى التماثل مع من يشبهونه من حيث الانتماء والأفكار، والانضمام معهم إلى مجموعة». وكل هذا يؤدي إلى «نسيانهم ذاتهم وأناهم والانصهار في مجموعة ضد مجموعة أخرى يكرهها». من هنا، يختصر عازوري الحال في لبنان بتعريف بسيط «قل لي من تكره، اقل لك من أنت». وفي الاطار عينه، يشرح الرئيس الفخري، والمدير الطبّي لمستشفى جبل لبنان الدكتور إيلي غاريوس، معنى الحرب التي «خلقت عند الإنسان التعطش الدائم للسلطة والثروة، منقاداً بشعور عدائي غير محدود». ويلفت غاريوس إلى أن «المؤتمر ينطلق من أهمية البحث عن حلّ جذري لبلد يتمزق بصراعاته الداخلية منذ سنين»، معتبرا أن «لبنان ليس على وشك الانهيار، بل هو قادر على العيش طويلاً، اذا تجرأ على المسامحة».





ويشير مدير المعهد الفرنسي اللبناني أوريليان لو شوفالييه إلى مسؤولية المواطنين أنفسهم حيث «إن نفي الحقيقة يؤدي الى تكرار التجربة، فلا الحرب ولا السلم هما من صنيع قادة الحرب، بل هما من صنيع المجتمع ذاته، لذا علينا العمل على تكوين الذاكرة الجماعية لنتمكن من تخطي واقع الحرب». وتوقفت رئيسة الجمعية الدولية لتاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي، اليزابيث روديناسكو عند الحرب المستمرة وغير القاتلة، لتقول إن «الحرب في واقع الأمر لا تنتهي، وحتى يمكننا أن نوقع هدنة ونسقط الأسلحة، ولكنها تستمر بشكل آخر من دون إيقاع ضحايا»، مشيرة إلى أن «لبنان عرف الكثير من الحروب ويتهدده دائماً خطر الحرب، وهذا جزء مما يواجهه العالم والحياة البشرية من التناوب بين الحرب واللا حرب». وفي محاولة للرد على سؤال كيف يمكن للبناني تخطي الحرب وهو لم يتوافق بعد على تسميتها؟ اعتبر وزير الداخلية السابق زياد بارود، أنه «على مدى سنوات، لم ينجح اللبنانيون في التوافق على تسمية الحرب، وهذا دليل على ضياعهم»، مؤكداً انه «لكي نتخطى الذهنية الراسخة للحرب علينا وضع شعار المسامحة في أذهاننا». ورأى أن «لبنان والهيكلية الحاكمة اختاروا أن يدمّروا الذاكرة الجماعية من خلال طيّ ملامح حرب الشوارع». ورغم ان «اللبنانيين لم يتمكنوا من تكوين الذاكرة»، أوضح بارود ان «أملهم الوحيد هو في طي صفحة الحرب»، ليتساءل «لكن عن أية صفحة نتكلّم؟ هل نتحدث هنا عن حرب غير منتهية؟». وهو ما عبرت عنه رئيسة الجمعية اللبنانية للتحليل النفسي مود سيقلي التي اعتبرت أنه «مهما تعددت وجوه الحرب، لكن الحرب الخارجية تواجهنا وتضعنا مع ذاتنا العنيفة، فالحرب هي مثل شاشة عملاقة ثلاثية الأبعاد تظهر لنا طبيعة الإنسان وازدواجيتها».





أليس في بلاد العنف





بدوره، رأى الصحافي في «لوريان لو جور» ميشال حجي جورجيو في ورقته «أليس في بلاد العنف، من الوجه الآخر للمرآة»، ان الهوية أصبحت مرادفاً لعبارة «وجه التشابه»، علما أن العولمة قد ساعدت على جعل الشعوب أكثر تشابهاً، لكن في المقابل باتت تمايزاتها الصغيرة تشكل وقوداً لحروبها. ويقارب جورجيو الوسائط الحالية كالموقع الاجتماعي الالكتروني «الفايس بوك» وقدرته على التأثير في الأنظمة السياسية، لافتا إلى أن «الفايس بوك» أعاد تكريس النظام السياسي الديكتاتوري الموجود في البلد الذي ينتمي أبناؤه إلى طائفة أو إلى عرق أو اثنية واحدة من دون أن يؤدي إلى تغييرات جذرية. أما في البلدان المتعددة الاثنيات والانتماءات، فشكل «الفايس بوك» مساحة للحرية والتعبير. وبرأيه أن «مسألة البحث عن الهوية تعود إلى الواجهة ما ان تتخلص الشعوب من حكامها الديكتاتوريين، لأنه حينها يبدأ البحث عن التمايز، بين حقبة وأخرى».وفي محاولة منه للإجابة عن «كيف يتم السماح من دون طلب السماح وهل يعني ذلك عملية غير منتهية؟»، يشرح البروفسور في قسم علم النفس في جامعة كيبك في كندا، ايمانويل هابيمانا، أن «الغفران مسألة معقدة، وعندما يُطلب الغفران من الناجين، فهم ليسوا مجبرين على الغفران، وليسوا مضطرين للاستجابة للضغوطات النفسية إذا لم يكونوا مستعدين بعد». ويضيف «إن الخطوة الأولى في مسيرة الغفران تكون في الغفران للذات، وذلك يكون بمثابة رادع للشعور برغبة الانتقام». ويرى هابيمانا أن «ما يساعد على الغفران هو بداية توبة المعتدين، وظهور «بذرات» الخير لديهم، إضافة إلى التعويض المادي»، مشيراً إلى وجود عراقيل تصعِّب عملية الغفران وتمنعها، بينها قرب المسافة الجغرافية بين المعتدي والمعتدى عليه، ومن ثم خوف المعتدي من الارتهان للضحية بعد انتهاء الحرب، بمعنى أنه يتجنب طلب الغفران بشكل متكرر لئلا يصبح مرتهنا له، ولهذا السبب لم تطلب الدول الاستعمارية الغفران من الدول التي استعمرتها».

ليست هناك تعليقات: