17.11.11

الأميركيـة تطلـق دراسـة حـول «وجـه الفقـر الإنسـاني فـي لبنـان»: حلقة مفرغة يغذيّها النظام الطائفي تكرس فقر أكثر من ثلث السكّان



نُشر في جريدة السفير



17-11-2011



جهينة خالدية
يُحكى عن الفقر في لبنان، وعن كون ربع سكانه من الفقراء، من دون أن تُقدم دلائل كثيرة على أشكال ذلك الفقر، وأنماطه أو نسبه الدقيقة. لذلك، سعت دراسة «وجه الفقر الإنساني في لبنان» التي تطلقها «الجامعة الأميركية في بيروت» اليوم، إلى محاولة معرفة الفقر وفهمه، وتقديم لمحة عن الفقر في لبنان، تشمل محاولة معرفة من هم هؤلاء الفقراء وأين يعيشون، وكيف يبدون وما هو واقعهم، والبحث عن قوى محرّكة تشرح أسبابَ الفقر في لبنان، قوى تعجز المؤشرات الاقتصادية عن شرحها بسهولة. والدراسة التي تُطلق عند السادسة من مساء اليوم من قاعة «أسمبلي هول» في الجامعة، بحضور وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، نفذتها «مؤسسة الرّؤية العالمية ـ لبنان» بالشراكة مع كل من «الجمعية اللبنانية للإنماء التربويّ والاجتماعي» و«دار المنهل». وهي تركزّ على ثمانية مجتمعات محلية مختلفة في لبنان، أربعة منها ريفية، وثلاثة مدينية، بالإضافة إلى مجتمع لاجئ. وفي سعيها للإجابة عن سبب عدم التوصّل إلى نتائج ملموسة في مكافحة الفقر في لبنان حتى الآن، تكشف الدراسة أن «ضمان الوصول إلى الخدمات والدّعم أو تحسين سبل العيش والدّخل لا تكفي وحدها للتصدّي للفقر» لأن «هيكلية المجتمع اللبناني الطائفية والمذهبية لا تسمح بحصول حراكٍ اجتماعيّ». وتؤكد الدراسة أن تحسين سبل العيش والوصول إلى الخدمات «تُعتبر تدخلات قيّمة، من شأنها أن تُبعدَ الفقر الشديد، غير أنها نادرًا ما تحسّن وضع الفقراء الاجتماعي والاقتصادي أو تسمح لهم بالخروج من دائرة الفقر». بالإضافة إلى ذلك، «ومع أنّ الفقراء يستطيعون الحصول على التعليم الأساسي، إلا أنهم يعجزون عن الخروج من الفقر المزمن، ويظلّون بالتالي ضعفاء». وتشير إلى أن الفقراء ينتمون إلى «مجتمعاتٍ مهمشةٍ، وهم معزولون إمّا جغرافيًا (في مناطق نائية من البلاد)، أو اجتماعيًا، في جيوب ضمن المناطق المدينية. وهكذا، يبقون ضعفاء، لا صوت لهم، لأنّ أصحاب النفوذ والسلطة يتجاهلونهم.» وعلى الرغم من ذلك، رأت الدراسة أن لبنان قدّم في الأعوام الخمسة عشر الماضية «أمثلة عن تحرّكاتٍ إجتماعية مكّنت الفقراء والمهمشين، وأدخلتهم صلب المجتمع اللبناني.» من هم الفقراء؟ تنطلق الدراسة من الرقم الذي أوردته دراسة «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» عن لبنان في العام 2008، وأظهرت أن «20.59 في المئة من السكان هم من الفقراء، بالإضافة إلى 7.79 في المئة يعيشون في فقر مدقع، بما يعني أن نسبة الفقراء الإجمالية تبلغ 28.58 في المئة من اللبنانيين». وخلصت دراسة الأمم المتحدة إلى أن «أكثر من ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما يتجمع شديدو الفقر بعيدًا تحت خط الفقر»، علما بأن تلك الإحصاءات لم تشمل السكان الأجانب في لبنان على غرار اللاجئين الفلسطينيين والعمال المهاجرين. لذلك، فإن دراسة «وجه الفقر الإنساني» تجزم أنه «بالإضافة إلى وجود 28.54 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، فإن ثمّة «فئات ضعيفة» إضافية يقدّر عددها بحوالي مليون نسمة، لا يحمل عدد كبير منهم الجنسية اللبنانية، يشكّلون 20 في المئة إضافية من إجمالي السكان. «ومع أنّ هؤلاء السكان ليسوا جميعا من الفقراء، إلا أن معظمهم عُرضة للأذى ويعيشون على حافة الفقر بموارد ضئيلة بغية الصمود لمواجهة حالات الطـّوارئ والصدمات». حلقة مفرغة هكذا، يعيش الفقراء في لبنان في حلقة مفرغة من دون أن يمتلكوا أي قدرة لتحسين أوضاعهم، لا سيما مع تشديد الدراسة على أن «طبيعة المجتمع اللبناني المقسّمة والطائفية، تجعل من إيجاد فرص العمل أمرا في غاية الصعوبة، حتى مع وجود إجازة جامعية لأن الفقراء ليسوا مدعومين وليس لديهم أي نفوذ في الأماكن المناسبة. فينتهي الأمر بالعدد القليل منهم الحائز شهادة جامعية بالتعليم في المدارس، أو بفتح مصالح صغيرة خاصة». وتشير إلى ان «منطقتي الوزّاني والجميجمة كافحتا للتعافي من صراعاتٍ متعدّدة من دون أن تقويا على ذلك لأنّ سكانهما ما زالوا يعيشون في جزءٍ غير آمنٍ من البلاد. أما مرح وبجعة في عكار، في شمالي لبنان، فتقعان في منطقة معزولة أهملتها حكومات كثيرة وقلّت فيها الموارد والاستثمارات». «أما الجماعات البدويّة في البقاع وجماعات الدومري المنتشرة في مناطق كثيرةٍ من البلاد، فلطالما واجهت مشاكل في الحصول على الجنسية وعانت من التمييز، الأمر الذي منعها من المشاركة في حياة المجتمع اللبناني.» وتؤكّد الدراسة أن «التهميش، سواء طال جماعة إثنية أو سكان منطقة جغرافية معينة، يعدّ سببًا للفقر ونتيجةً له في الوقت نفسه. فهؤلاء الأشخاص فقراء بسبب هويتهم، ومكان إقامتهم، ويبقون فقراء للأسباب ذاتها.» وتذكر الدراسة أن «عددًا كبيرًا من فقراء المدن وضواحيها في حي الغربي وكرم الزيتون وحي التنك (في بيروت)، هم من المهاجرين الذين نزحوا من مناطق أخرى، أو أتوا من بلد آخر. وهم يعيشون في مساكن فقيرة جدًّا غالبًا ما تقعُ على أراض غير صالحة للسّكن (على غرار المستنقع الذي يقع عليه حي التنك). وكثيرًا ما يكتظون على أرض ما من دون أي ضمانة لحقّ الملكيّة. ونتيجةً لذلك، يتهدّدهم باستمرار خطر الطـرد». أما بالعوامل المختلفة التي ساهمت في انتشار الفقر عبر البلاد، فتتمثل «بانعدام أي نوع من الأمان الإجتماعي لمساعدة الفقراء على مواجهة الصدمات والحالات الطارئة. أما شبكة الأمان الاجتماعي الأكثر شيوعًا، والتي لا يحظى بها الفقراء، فهي التحويلات الخارجية التي ترسلها أسر وأقارب من الخارج. وما يزيد الأمر سوءًا هو أنّ معظم الفقراء يعملون في القطاع غير النظامي وغالبًا ما تكون سبل عيشهم غير مضمونة أو غير مستقرّة بسبب الطقس والفصول (الشتاء) والصراعات والعنف. ونظرًا إلى عدم حصولهم على وظائف نظامية، لا يحقّ لهم الاستفادة من خطط الضمان الاجتماعي الوطني». هكذا، تجتمع نقاط الضعف كافة لتنتج حلقة مفرغة تزيد من ضعف الفقراء، وتضمن بقاءهم فقراء على مرّ الأجيال. وفي ما يتعلـّق بالسكان اللاجئين، فإن لبنان لم يوقّع على اتفاقيّة حقوق اللاجئين، ولذلك، لا يحظى معظم اللاجئين إلا بحماية محدودة وبفرص متفاوتة للحصول على الخدمات الأساسية، مما يُبقي مستقبلهم غير آمن ما لم يردّوا إلى أوطانهم أو يعاد توطينهم في بلدٍ ثالث. أما الباقون فيعيشون على حافة الفقر.» لا بيانات دقيقة إنما لماذا لم تتوفر أي بيانات دقيقة حول واقع الفقر في لبنان من قبل؟ تورد الدراسة أن الوضع التنموي معقّد في لبنان، ولا يمكن فهمه بسهولةٍ لأسباب متعدّدة منها تاريخ لبنان المتقلب، وهو ما منع بدء عملية جمع البيانات الأساسية إلا قبل فترة قصيرة من نهاية الحرب الأهلية سنة 1990. لذلك، لم تتوافر غالبية البيانات الأوّلية والأساسية التي تُقارن مع البيانات الحالية قبل أواسط ونهاية العقد الأخير من القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، حصلت محاولاتٌ عدّة لجمع البيانات في قطاعاتٍ مختلفة، غير أنّ بضع فجوات ما زالت موجودة». وتعتبر الدراسة أن «صوت الفقراء بقي العنصر الذي افتقدت إليه البحوث السابقة، التي لم تورد الطريقة التي يفهمون بها فقرهم ويختبرونه، لهذا سعت دراسة «وجه الفقر الانساني في لبنان» إلى «فهم القوى المحرّكة للفقر وإعطاء الفئات المتأثرة فرصة الإدلاء برأيها لوصف حقيقة معيشة الفقير، فدوّنت دراسات الحالات الإفرادية بطريقة تسمح للفقراء بالتعبير عن آرائهم، وتحديد واقعهم، وتوضيح نظرتهم الخاصة إلى أنفسهم، وأظهرت المقابلات بوضوح أنّ معظم الفقراء يفهمون وضعهم جيدًا. يفهمون الإطار الذي يعيشون فيه وهم قادرون على تقديم تواريخ وأوصاف دقيقة لأوضاعهم كما وأظهروا غالبًا حرصًا على استعراض الحلول الممكنة». «فقر متعدد الأبعاد» تعود الدراسة إلى نقطة البداية في تعريف «الفقر»، باعتباره «ظاهرة متعدّدة الأبعاد إذ أنها تعكس حقيقة أكبر من عدم كفاية الدّخل. ويحاول مؤشر الفقر المتعدّد الأبعاد (Multidimensional Poverty Index) التقاط تلك الحقائق عبر تحديد مجموعة من العناصر التي يحرم منها هذا الفرد في حياته ومنزله. وتشمل مؤشرات الفقر المتعدّد الأبعاد التعليم (عدد سنوات الدّراسة والتحاق الأطفال بالمدارس) والصحة (نسبة الوفيات عند الأطفال والتغذية) ومستوى المعيشة (توفر التيار الكهربائي ونوع الصرف الصحي والنفاذ إلى مياه الشفة وطبيعة الأرضية في المنازل ونوعيتها ونوع الوقود المستعمل في الطّبخ وعدد ممتلكات العائلة). عن أسباب الفقر تشرح الدراسة أنه «بعدما تعافى لبنان من ويلات الحرب الأهليـّة التي دامت خمسة عشر عامًا، شهد وضع البلاد الديموغرافي تغيراتٍ كبيرة، منها ظهور فئاتٍ ضعيفة جديدة في صفوف السكان. وتضم هذه الفئات اليوم جماعات البدو والدومري (المعروفة أيضًا بالغجر أو النور) والعمال المهاجرين (عمال المنازل الأجانب تحديدًا) واللاجئين والأطفال (أطفال اللاجئين والسجناء والعمال المهاجرين وأطفال الشوارع، الخ). ولا تعتبر عمالة الأطفال حقيقةً في المدن فحسب، بل في المناطق الريفية أيضًا (بخاصة في مناطق زراعة التبغ)، فضلاً عن الفقراء الريفيين التقليديين الذين يعيشون في جيوب في كل من الشمال والبقاع والجنوب». ومن أسباب استمرار الظاهرة «اهمال الحكومات المتعاقبة لتلك المناطق والمجتمعات المحلية، وذلك منذ وقت طويل جدًا. ويشملُ الفقراء الريفيون، لبنانيين نزحوا من المناطق الرّيفية إلى المدن وضواحيها ويعيشون في أحياء المدن الفقيرة ، نتيجة لانعدام الفرص وارتفاع تكاليف السكن.» مظاهر الفقر يتجلى الفقر بطرقٍ مختلفة، وتعتبر الدراسة أن «فقر الـذين لا يحملون الجنسية اللبنانية يكون بعدم حصولهم على الرعاية الصحية ولا التعليم، كما أنه ليس بوسعهم الدخول إلى النظام العام وغالبًا ما لا يمكنهم تحمل تكاليف النظام الخاص»، علما بأن «معظم الفقراء هم في القطاع غير النظامي، وبالتالي لا يملكون وظيفة ثابتة، وغالبًا ما يجدون أنفسهم من دون أيِّ دخل في خلال فصل الشتاء عندما يكون الطقس سيئًا أو في فترات الحرب والعنف.» «أما الذين يعيشون على مقربة من الحدود الجنوبية، فيشعرون دائمًا بعدم إستقرار لأنهم تشرّدوا مرّات عدّة بسبب الحرب والتهجير. وهكذا يخسرون سبل عيشهم من جهة، ويتكبدون أضرارًا جسيمةً في منازلهم وفي ممتلكاتهم من جهة أخرى.» بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون المستوى التعليميّ لدى الفقراء الذين يعملون في القطاع غير النظامي منخفضا جدًا. ولا تتمتـّع تلك الفئة إلا بمهاراتٍ مهنيةٍ قليلة في ظلِّ نقص فرص التدرّب لإكتساب المهارات أو غيابها. أما فقراء الرّيف، فهم لا يملكون أراض أو يملكون قطعًا صغيرة منها تكفي حاجاتهم الخاصّة، وبالكاد تدرّ عليهم أي دخل. في المقابل، فإن فقراء المدن يصادرون المنازل في أحياء المدن الفقيرة أو «يملكون» منازل فيها، على الرّغم من أنّ حيازة الأرض لا تكون مضمونة. وفي ما يتعلّق بنوعيـّة المنازل في الأرياف والمدن، فدائمًا ما تكون فقيرة ومكتظة. أما بالنسبة لتغذية الأطفال فهي رديئة، ويقدَّر أنّ نقص المغذيات الدّقيقة أكبر في صفوف الفقراء بسبب عاداتهم الغذائيّة السيئة. وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال وقف نمو (الذي يعني نقص التغذية المزمن) الذي لوحـِظ لدى جماعات البدو والمجتمعات المحلية في الجنوب. ويشبه عددٌ كبير من المشاكل الصحية التي يواجهها الراشدون تلك التي يواجهها السكان في البلدان المتطوّرة ومنها: ارتفاع معدّلات السكري وارتفاع ضغط الدّم والأمراض القلبية الوعائية. ولكن أسباب تلك الأمراض مردّها ارتفاع مستويات الإجهاد المزمن الذي تسببه تجارب العنف والصراعات المتكرّرة والتهجير والكفاح اليومي في وجه الفقر والتهميش. العمل والتعليم تعد سبل العيش الآمنة مفتاح ضمان إيجاد الفقراء لطريقة للخروج من فقرهم، تلك هي المسلمة التي تنطلق منها الدراسة لتشير إلى أن «معظم الفقراء يعملون في القطاع غير النظامي كصيادي سمك وعمال زراعيين وباعة متجولين وعمال بناء وفي المطاعم. وسبل العيش تلك كلها في الهواء الطلق (باستثناء المطاعم) وتعتمد على الطقس. وبالتالي، يعجز أيّ واحد من هؤلاء الأفراد على العمل أو على إيجاد وظيفة في خلال أشهر الشتاء أو أثناء العواصف. أما في ما يتعلق في مستويات التعليم، فترى الدراسة أنه «لا قدرة لدى العائلات الفقيرة على تكبّد نفقات التعليم الخاص واضطرارها إلى إرسال أولادها إلى المدارس الرسمية على الرغم من ظنّها أنها ذات مستوى ضعيف. ومع أنّ معظم الأولاد يلتحقون بالمدرسة الابتدائية حتى الصف الثالث أو الخامس، تبقى نسب التسرّب المدرسي أكبر في المجتمعات الأفقر». و«يتسرّب الأولاد من مدارسهم لرعاية أشقائهم الأصغر سنًا، بينما يعمل الوالدان أو حتى الأولاد أنفسهم، في القطاعات غير النظامية. وتنهي نسبة مئوية صغيرة المرحلة المتوسّطة إلى صف المتوسط الرابع (البريفيه). ويصل عدد قليل فقط إلى الجامعة لا سيما من سكان المناطق الرّيفية أو الفئات المهمّشة كالبدو وجماعات الدومري.» المناطق المدروسة شملت الدراسة ثمانية تجمعات، بينها المجتمعات الرّيفية كل من مرح وبجعة (في عكار)، والوزّاني (في مرجعيون)، والجميجمة (في بنت جبيل) وعرب الحروك (وهو مجتمع بدوي في البقاع). أما المجتمعات المدينية فهي حيّ الغربي (في بيروت)، وحيّ التـنك ( في منطقة الميناء، خارج طرابلس، شمال لبنان) وكرم الزيتون (الأشرفية - بيروت) بالاضافة إلى مجتمع لاجئ تمثل في مخيم البص وتجمع جلّ البحر (في صور).

14.11.11

لبنانيـات موحـدات يطالبـن بالمسـاواة :متـى تحصـل الأم علـى حـق المواطنـة؟






نُشر في جريدة السفير




14-11-2011




جهينة خالدية




لا حسابات طائفية هنا، لا ولاءات سياسية، كلهن موحدات. تتباين أزياؤهن، وأهواؤهن، ولهجاتهن، ومعتقداتهن، ولا يجمعهن إلا الرابط الأكثر متانة منذ بدء الخلق: أمومتهن لأبنائهن. لكن، مع غياب الحسابات الطائفية، الولاءات السياسية، يغيب «الزعيم» الراغب بمناصرتهن، وبالعمل على إحقاق حقوقهن. يغيب التنافس بين «زعماء» جماعات هذه البلاد لمساندتهن في مناداتهن بحقهن في مواطنة كاملة. نهلة تفكّر في عيني ابنتها. تجلس بعيدا عن المشاركات والمشاركين في اعتصام حملة «لأنهم أولادي جنسيتي حق لهم» الذي نظمه «اللقاء الوطني للقضاء على التمييز ضد المرأة» أمس، وتستقر قبالة تمثال رياض الصلح في وسط بيروت. تقول ان جلّ ما تريده هو ألا تفقد ابنتها نظرها عند باب أحد المستشفيات. تؤكّد الأم المتزوجة من فلسطيني «أنا لم أعد أهتم لا لكوني لبنانية، ولا لزواجي من فلسطيني، ولا لحق العودة، ولا لقضية الأمة أصلا.. فلديّ قضية وحيدة: أنا أكون، كأم، مواطنة كاملة أمام القانون». نهلة التي تعمل وابنها البكر كحمالين للبضائع، تؤكد أنها لم تعد قادرة على التفكير بالأمس، «عندما زوجني أهلي وأنا في الخامسة عشرة من شاب فلسطيني، طلقني لاحقا بعدما أنجب مني أربعة أولاد». بالنسبة لها «اندثر الماضي. اليوم، أنا وحيدة، وابنتي تعاني من جفاف في شبكة العين وتحتاج إلى عملية مكلفة وإلا فستفقد بصرها، وأنا أم «ناقصة»، لا أستطيع معالجتها، ووزارة الصحة اللبنانية، الجهة التي تمثل دولتي في الشأن الصحي.. لا تغطي أولادي..». تختصر نهلة «قضيتها» الوطنية الوحيدة بالقول «أنا لا أنزل إلى الشارع لأني أبحث عن حقوقي السياسية والمدنية، كل ما أريده هو أن أشعر بأني أم كاملة لأولادي، وأنا لا أنجب أجانب يغرّبهم قانون دولتي عني». تعرف السيدة الأربعينية، كل الذرائع التي تستخدم لمنع الأم اللبنانية من حقها في منح جنسيتها لأولادها، لا سيما إذا كانت متزوجة من فلسطيني، وتدرك جيدا أن رجال ونساء السياسة والطوائف يلجأون دوما إلى «فزيعة» التوطين.. تقول «أعرف ذلك كله، لكني ببساطة لا أستطيع العودة في الزمن إلى الوراء لأتزوج من لبناني وأنجب لهم أطفالا لبنانيين «صافيين». قصة نهلة هي واحدة من معاناة الآلاف من اللبنانيات، اللواتي يكرر «اللقاء الوطني للتمييز ضد المرأة» حكايتهن منذ إطلاقه حملة «لأنهم أولادي، جنسيتي حق لهم» منذ أكثر من ست سنوات، وذلك في مواجهة مع القانون الصادر منذ 96 عاما، دون أن تحقق أي خطوة لمصلحة المرأة اللبنانية. الأمر الذي يدفع الدكتورة ماري ناصيف الدبس، من اللقاء الوطني، لتتساءل «هل ان شيئا قد تغيّر في لبنان المستقل؟ وهل حاولت الحكومات المتعاقبة ومعها البرلمانات التي ننتخبها أن تغيّر شيئا من واقعنا، عموما، وواقعنا كنساء على وجه الخصوص»؟ تضيف ان «المرأة اللبنانية التي أسهمت في كل المعارك الوطنية، من معركة الاستقلال إلى المقاومة الوطنية للاحتلال الصهيوني، تجد نفسها اليوم في مواجهة معارضة سياسية وطائفية شرسة. هذه المعارضة تنكر عليها الحقوق المسجلة في دستور البلاد، وفي مقدمة هذه الحقوق حقها في إعطاء جنسيتها لأولادها». أما سلوى حبلي باسم «النساء اللبنانيات المتزوجات من غير لبنانيين»، فكررت نداء «اللقاء الوطني» الذي يقول «نحن مواطنات لبنانيات موحدات، أتينا من كل المناطق والطوائف، نرفع صوتنا عاليا في وجه القيّمين على النظام في لبنان لمخالفتهم أحكام الدستور من خلال التفرقة بين المواطنين والمواطنات. من حقنا أن نعطي جنسيتنا لأولادنا. وسنفعل. من حقنا على الدولة، بل من واجب الدولة أن تطبق المادة السابعة من الدستور التي تقول بعدم التفرقة بين المواطنين. من حقنا أن نعطي جنسيتنا لأولادنا. لقد تعبنا من كل أشكال المماطلة والتسويف عندما يتعلق الأمر بحقوقنا». كما ألقت وفيقة منصور من «اللقاء الوطني» كلمة مرسلة من المناضلة سهى بشارة تقول «تكثر القضايا المعلقة التي علينا خوضها في هذا الوطن، وعلينا خوضها إلى أن نحقق معاً وطناً لجميع أبنائه، وإلى أن نبني هذا الوطن الذي علينا أن نعيش فيه على مبدأ المساواة محققين العدالة الاجتماعية». ورأت بشارة أن «السعي اليومي هو لئلا نموت على أبواب المستشفيات، لئلا نذل من أجل لقمة عيش كريمة، ولئلا نقيَّم على أساس انتماءاتنا الطائفية أو الحركية أو الحزبية بل على أساس حقنا كمواطنين على هذا الوطن وحق هذا الوطن علينا في دولة يعلو فيه القانون فوق الجميع، القانون الذي عليه أن يحكم بالعدل والعدالة بدون أي تمييز لا على أساس الجنس ولا على أساس الطائفة». وسألت «كيف يمكن لمن يعجز عن إقرار حقنا الطبيعي كأمهات انتمين إلى هذا الوطن، أن يتحمل مسؤولية تمثيل وبناء هذا الوطن؟»

12.11.11

حملة «رجال ضد العنف» ضد المرأة: لإشراك الآخر في الحل




نُشر في جريدة السفير



12-11-2011



جهينة خالدية



كيف يمكن لرجال يعيشون في القرن الحادي والعشرين، أن يدّعوا أنهم على قدر من الانسانية، وكثير منهم، ما زال يؤمن بحقه في تعنيف المرأة؟كيف يمكن للأمهات، والأخوات، والفتيات أن يخلدن إلى النوم بأمان، ويخرجن إلى نهاراتهن، وهن محاطات بأزواج وآباء وأشقاء وأبناء لا يترددون في المجاهرة بسلطتهم الجسدية عليهن؟ السؤالان بديهيان، انما يحمل كل منهما كماً لا بأس به من القسوة والايلام على نساء ما زلن يعجزن عن العيش بكرامة في ظل مجتمع تطغى موروثاته الاجتماعية المغلوطة على مبادئه الانسانية. الرجل متهم، كونه إما مشاركاً في ممارسة العنف الجسدي واللفظي والمعنوي، أو مكرِساً لهذا العنف في السلطات والقوانين الشرعية والشخصية. الرجل متهم، والمرأة نفسها شريكة أيضا، فهي التي سكتت عن حقها، وامتنعت عن رفع الصوت في اعتصامات متكررة نفذتها جمعيات المجتمع المدني، وتركت العدد المشارك خجولا. في المقابل لم تتردد سيدات أخريات في المشاركة في اعتصامات مناهضة لقانون حماية المرأة من العنف الأسري في مشهد مستفز، ومستغرب ويصور السلطة الذكورية بأبشع أشكالها. من أين تكون البداية إذاً؟ ولماذا لم تحقق تحركات ونضالات المجتمع المدني المستمرة منذ أكثر من ستين عاما تطوراً جذرياً وملموساً في القوانين في مجال مناهضة العنف ضد المرأة حتى اللحظة؟ تحاول حملة «رجال ضد العنف» التي تنظمها مؤسسة «أبعاد» أن تجيب عن هذا السؤال، إذ تقول مؤسِّسة ومديرة المؤسسة غيدا عناني، إن «جزءاً من المشكلة يكمن في تجاهل الرجل كشريك في الحل، إذ طالما وصِفت غالبية مبادرات الحقوق الإنسانية للمرأة ومناهضة العنف الموجه ضدها، الرجل مرتكباً للعنف حصراً، من دون اللجوء إلى التواصل معه ليكون جزءاً من الحل أيضا». وتوضح عناني «أن المسؤولية الأولى تقع على الرجل بطبيعة الحال، لكن التهجم عليه دوماً، أدى إلى زيادة سلوكياته التبريرية والدفاعية، وبات يجد لنفسه مخارجَ لعنفه (تبقى غير مقنعة طبعا)». وترى عناني أن «الانطلاق من جعل الرجل شريكا في الحد من العنف ضد المرأة يكون بإعادة تحديد الوظيفة الاجتماعية لكل من الرجل والمرأة، والتذكير بإنسانية كل منهما ومساواتهما أمام الانسانية». وبهذا المعنى، «لا يعود الرجل هو السلطة الطاغية، وهو من يقف في الواجهة في الأدوار الحياتية والوظيفة والمنزل، في حين تبقى المرأة محصورة بأدوار هامشية. وينطلق تغيير هذه الصورة، وتحديد هذه الوظائف، وفق عناني، من التربية والتنشئة داخل المنزل، وفي المناهج التربوية في المدرسة لاحقا». وتوضح عناني أنه «انطلاقا من هذا تعمل «أبعاد» على تعزيز المساواة بين المرأة والرجل وتفعيل مشاركة النساء من خلال تطوير السياسات، والإصلاح القانوني، وإدماج مفهوم النوع الاجتماعي، وتعزيز إشراك الرجال في هذه العملية، وإلغاء التمييز وتمكين النساء وتعزيز قدراتهن للمشاركة بفعالية في مجتمعاتهن».ولكن، كيف يمكن لهذه المبادئ أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وكيف يمكن أن يتحول رجل معَنِف إلى آخر يؤمن بمساواته مع المرأة ويتخلى عن الصورة النمطية بحقه بتعنيفها، لمجرد أنه... رجل؟ تعمل «أبعاد» بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية، وبالتعاون مع «الهيئة الطبية الدولية»، وعلى أكثر من مستوى، على خلق تغير نوعي في هذا المجال، ومن بينها «ورشة العمل حول صناعة الأفلام» التي خصصت لستة عشر شاباً لبنانياً وعراقياً. ويشير منسق المشروع في «أبعاد» أنطوني كعدي إلى أن «الورشة التي نفذت بالشراكة مع شركة «واندربوكس»، شكل فرصة للشباب لعكس واقع إشكالية العنف ضد المرأة الممارس في مجتمعاتهم عبر استخدام الفن». ويوضح كعدي أن «الشباب المشاركين عملوا خلال الورشة على تحديد مسؤولية كل من الرجل والمرأة لوضع حد لهذه الانتهاكات لحقوق الانسان». تحديد المسؤولية الذي يتحدث عنه كعدي، تم ايصاله إلى الشباب المشاركين في الورشة عبر مناقشتهم مفاهيم العنف ضد المرأة، والأدوار الجندرية، ومفهوم الرجولة. وسيسعى الشباب لتحويل هذه المفاهيم الى مواضيع للأفلام والتنويهات التلفزيونية التي عمل الشباب على إعدادها لتعرض لاحقا على قنوات التلفزة اللبنانية والعراقية خلال حملة الستة عشر يوما العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي تنطلق في 25 من تشرين الثاني الجاري الذي يصادف اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، وتستمر لغاية العاشر من كانون الأول المقبل، اليوم العالمي لحقوق الانسان. وتؤكد عناني من جهتها أن «أبعاد» عملت أيضا على «تنفيذ مجموعات دعم استهدفت ثمانين رجلاً وشاباً، يصنف معظمهم كرجال معنِفين للنساء»، بالشراكة مع «هارتلاند اللاينس». وتم تقسيم العمل معهم على عشر جلسات، «حيث تم اخضاعهم لدورات ادارة الغضب، وتفريغ الضغوطات الحياتية في أشكال بديلة مختلفة بعيدا عن العنف، لنسجل لاحقا تغييرا سلوكيا». إنما هل يمكن لـ«أبعاد» أن تلحظ تغييراً ملموساً في مسار عملية مناهضة العنف ضد النساء، من خلال حملتها «رجال ضد العنف»؟ توضح عناني أن «العنف الذي تكرس على مدى سنوات وساد بسبب الموروثات الاجتماعية والثقافية المغلوطة لا يمكن أن ينتهي خلال مرحلة قصيرة، بل يحتاج إلى مسار طويل من التوعية الاجتماعية، وخلق حملات مناصرة للقضية، وإلى إشراك الشباب أنفسهم في العملية اللاعنفية لسد الفراغ الحاصل في هذا العمل التوعوي، وللوصول إلى تعميم مبادئ إنسانية تنشئ أطفالنا وتخلقهم مواطنين مؤمنين بالمساواة». جهينة خالدية

2.11.11

انتخابات اليسوعية: الطائفية في أعلى مستوياتها



نُشر في جريدة "السفير"


2-11-2011

جهينة خالدية




لن تختلف التحالفات السياسية في الانتخابات الطالبية في جامعة القديس يوسف، التي تنطلق يوم غد الخميس في كل أحرام الجامعة حيث يوجد أكثر من اثني عشر ألف طالب. ما زالت المعارك الانتخابية تخاض على الانقسام عينه: تحالفات قوى الثامن من آذار، مقابل تحالفات قوى الرابع عشر من آذار، علماً أن التسمية الحقيقية للمعركة هي: اثبات وجود بين العونين والقواتيين في الجامعة، بدعم من الطلاب المؤيدين لحزب الله، وحركة أمل للفريق الأول، وتيار المستقبل للفريق الثاني. أما طلاب منظمة الشباب التقدمي فهم ملزمون بالامتناع عن المشاركة في الانتخابات تصويتا وترشحا للسنة الثانية على التوالي (على الرغم من مشاركتهم إلى جانب 14 آذار في انتخابات 2009)، وذلك "لأننا نرى أنفسنا على مسافة واحدة من الجميع، ولا نود أن نخوض الانتخابات في ظل هذه الأجواء الحادة"، وفق ما يقوله مسؤول الجامعات الخاصة في منظمة الشباب التقدمي، باسل العود لـ"السفير". وعن مشاركة طلاب المنظمة في انتخابات طلابية في جامعات أخرى لا تقل حدة عن اليسوعية؟، يوضح العود: "لكل جامعة خصوصيتها، نحن نفضل ألا نشارك في انتخابات اليسوعية لأسباب اضافية بينها أن قوانين ادارة الجامعة باتت صارمة جدا لدرجة تضيّق الخناق على العمل السياسي للطلاب وندواتهم وشعاراتهم في الجامعة، كما أننا لا نرى أن المجلس الطلابي يقدم الكثير عند فوزه!". إذاً تشتعل فروع الجامعة اليسوعية غداً حماسة مع انطلاق الانتخابات في كل من أحرام "العلوم الطبية"، و"الانسانية" وفي الحرم الجديد "الابتكار والرياضة"، و"العلوم الاجتماعية - هوفلان" الذي يشهد أجواء حماسية ومتوترة دوما، وفي مدرسة العلوم والتكنولوجيا – مار روكز (التابع لكلية الهندسة)، وفي فروعها الثلاثة في صيدا (فازت 14 آذار بالتزكية)، وزحلة وطرابلس. وتتنافس في اليوم الانتخابي الطويل ستون لائحة انتخابية على اساس قانون النسبية المعتمد في اليسوعية. ومن المعروف أن الانتخابات الأكثر توتراً وحماسا تُسجل في حرم "هوفلان" في مونو، وتحديدا في كلية ادارة الأعمال، وفي كلية الهندسة، ومن المتوقع سخونة اجواء حرم "العلوم الطبية" هذا العام. وتعتمد "النسبية" في الجامعة للسنة الثانية على التوالي، بعد أن أُقرت العام الماضي على حساب قانون الأكثرية، الذي كان يحسم الفوز لطرف من دون آخر في الجامعة. وما زالت الجامعة فخورة بإنجازها بتطبيق قانون النسبية في انتخاباتها الطلابية، على الرغم من تحفظ كثير من الطلاب لا سيما المتحزبين منهم، الذين يودون "اكتساح" المقاعد، وحسم النتائج لصالحهم مع إلغاء وتهميش تام للطرف الآخر. وهذا تماما ما تتجنبه ادارة الجامعة، إذ يشرح مفوض رئيس الجامعة للحياة الطالبية والتزام المواطنية جوزف عتيق لـ"السفير"، أن "نظام النسبية هو نظام مثالي لمجتمع متعدد، يمنع أن يطغى فريق على فريق آخر، ويسمح بتمثيل كل الأطراف، كما يساهم في تدريب الطلاب على التعايش مع نتيجة انتخابات تجري وفق نظام النسبية، واحترام الآخر. وبهذا نكون نُخرِّجهم كمواطنين يمكنهم أن يختلطوا ويتعايشوا مع بعضهم في المجتمع اللبناني". ولا ينفي عتيق أنه "على الرغم من ايجابيات نظام النسبية إلا أنه يُلغي حق الترشح بشكل منفرد، ويلزم الطلاب أن يكونوا ضمن لائحة مجموعة أو حزب". من جهة ثانية، يشير عتيق إلى أن "الجامعة تقوم للسنة الأولى بمكننة التصويت في كلية ادارة الأعمال، وفق نظام يحفظ سرية وصدقية العملية، بحيث أنه بعد التصويت عبر الكومبيوتر يتم طباعة التصويت وإدخاله في الصندوق". ولا يتوقف وضع جامعة القديس يوسف ثقلها في قوننة وتنظيم انتخاباتها الطلابية عند اجرائها وفق نظام النسبية، بل تعمل على التدقيق في الانفاق الانتخابي، الذي سجل في الأعوام الماضية أرقاما خيالية، بعدما قامت معظم الأحزاب بتمويل الحملات الانتخابية، وكأنها تخوض انتخابات نيابية عامة. وشمل الإنفاق السهرات والحفلات والمطبوعات والتذكارات والقبعات والقمصان والفولارات... وما الى هنالك من إكسسوارات للترويج لهذا الحزب أو ذاك. ويلفت عتيق إلى أنه "من المعروف أن البذخ في انتخابات يلعب دورا ضد ديموقراطية الانتخابات، بحيث يسلط الضوء على أطراف معينة، ويحجب طلابا آخرين قد لا يملكون التمويل الكافي لمجاراة الفريق المقابل".. لهذا ناقشت الجامعة هذا العام الطلاب في قضية الإنفاق الانتخابي، واتفقت معهم وفق ميثاق شرف على مراعاة سقف مقبول للإنفاق لهذا العام، على أن تعمل الجامعة على وضع بند أساسي في قانون انتخابات الجامعة في العام المقبل، يحدد سقفا ممنوعا تخطيه في الإنفاق الانتخابي، "لأننا نريد للطلاب أن ينتخبوا على مضمون برامجهم لا على المطرب أو الحفل أو الهدايا الرمزية". ويُسجل لجامعة القديس يوسف أنها بخطواتها هذه، تظهر نية جدية في تحويل الجامعة إلى مساحة تقلب المعادلة، وتغير في أنماط التفكير لدى الطلاب، فتدفعهم إلى الالتزام بالقوانين وتصدير نوع من الديموقراطية إلى المجتمع بدلا من جمع الاحتقان من المجتمع وتفريغه في قلب الجامعة". علما أن المعادلة عينها تتوفر من وجهة نظر الجامعة، من دون أن تتحول إلى واقع ملموس في انتخابات يوم غد، بحيث ينجح الطلاب في ابتكار سبل مختلفة للترويج لأحزابهم ورغبتهم بإلغاء الآخر، وهو ما يظهر من خلال وعود وتحليل وقراءات مسؤولي الأحزاب في الجامعة. الكل سيفاجئ الكل كما في كل عام، المعارك الانتخابية تحمل عنواناً متداولا: "ع المنخار"، بحيث تشهد بعض الكليات تنافسا حاداً يحسمه الفوز بفارق بسيط جدا لأحد الأطراف. ويشير مسؤول دائرة "الجامعات الفرنكوفونية" في "القوات اللبنانية"، نديم يزبك إلى أن "تحالف قوى الرابع عشر من آذار يعمل على الحسم النهائي، بحيث لا نترك لفريق الثامن من آذار المجال لأن يتفوقوا علينا بأي شكل من الأشكال". و"يعد" يزبك منافسيه أنه لن يكون لهم أي رئيس هيئة في مجمعات بيروت الثلاثة هذا العام". ويُذكّر يزبك أن "تحالف 14 آذار فاز العام الماضي في 11 كلية في بيروت إضافة إلى كلية الطب (علما أن الفوز فيها كان في واقع الأمر لمستقل، تجزم القوات أنها دعمته). ويشدد يزبك إضافة إلى "محافظتنا على الفوز في هذه الكليات، نتجه إلى الفوز في الحرم الجديد عند طريق الشام، وهو حرم الابتكار والرياضة، وفيه أربع كليات: العلوم الاقتصادية (التي انتقلت من هوفلان)، والعلاج الفيزيائي، والعلاج الحركي وعلم النطق (انتقلت من حرم العلوم الطبية)". بدوره، ينطلق مسؤول الجامعات الخاصة في بيروت في التيار الوطني الحر جان جاك مانانيان من أن "قوى الثامن من آذار فازت العام الماضي بإحدى عشرة كلية في بيروت، ليؤكد انها ستضيف هذا العام فوزا جديدا وسنفاجئ الكل". ووفق وعود الطرفين، تعمل القوات على الفوز في كليات الهندسة والآداب والترجمة، والحفاظ على فوزها في ادارة الأعمال والاقتصاد والطب، فيما يسعى التيار الوطني الحر للمحافظ على فوزه في الهندسة والآداب والترجمة، وشد الحبال لـ"سحب البساط" من تحت أقدام القوات في كلية ادارة الأعمال تحديدا. ويعتمد كل من الطرفين على دعم ضروري من الأحزاب الأخرى، مما يفسح المجال لتبادل الاتهامات، ويرى مانانيان أن "التيار الوطني الحر لا يميز بين شيعي ومسيحي في الجامعة، وهو يعتبر أن قوى الثامن من آذار كتلة موحدة، ولا نحب أن نقسّم الطلاب حسب طوائفهم، إنما يمكن القول إن دعم طلاب حزب الله وحركة أمل لنا، تماما مثل دعم طلاب تيار المستقبل للقوات اللبنانية". بدوره يقول يزبك إنه "لا يمكن للتيار الوطني الحر الربح من دون دعم حزب الله وحركة أمل، معتبراً ان الأرقام خير مثال على ذلك، ومنها معركة كلية إدارة الأعمال، إذ لا يتعدى عدد العونيين فيها 220 ناخبا، ويستفيد هؤلاء من 370 ناخباً لحركة أمل وحزب الله، أما القوات فعددهم 410 ناخببين لوحدهم، ويضاف إليهم 170 ناخبا من تيار المستقبل".ويرغب يزبك بأن يسمي هذه المعطيات بـ"تمدد حزب الله في الجامعة"، ويستدرك ليقول "نحن لا مشكلة لدينا بتواجد طلاب لهذا الحزب في الجامعة، إن مشكلتنا بطريقة وجودهم وطريقة فرض رأيهم، وأبسط مثال على ذلك ما حصل يوم الجمعة الفائت في فرع الجامعة في صيدا، حيث تأخروا عن تقديم لوائحهم، ففازت قوى 14 آذار في الفرع، وعند رفض الادارة للوائح بعد المهلة المحددة، اعتصموا في اليوم التالي وأقفلوا الجامعة".هنا يوضح عتيق أنه "فعلا تم التأخر في تقديم اللائحة الثانية للترشح للانتخابات في حرم صيدا، مما دفع بعض الطلاب إلى الاعتصام في اليوم التالي، وقامت إدارة الجامعة بمحاورة الطلاب، وأنهت الاشكال". وهو ما يعتبره مندوب حزب الله في الجامعة محمد وهبه "اغفالا لحق الطلاب في الترشح، إذ لم يكن طلاب الثامن من آذار يعرفون أن باب الترشيح ينتهي في ذلك الوقت، لهذا اعتبروا أنفسهم مغبونين ومنعوا من الترشح لانتخابات كان فوزهم فيها مؤكدا، علما أن ما حصل في اليوم التالي هو احتجاج وليس اشكالا، أو اقفال للجامعة كما يتم الترويج له". ويوضح وهبه "أن تحالف حزب الله مع التيار الوطني الحر يأتي ضمن الثوابت الوطنية، وليس لمصالح على حصص طائفية مؤقتة، لذلك من الطبيعي أن نجيّر ثقلنا في كلية ادارة الأعمال لصالح التيار الوطني الحر". ويؤكد "ليس من المفترض لوجودنا في الجامعة أن يستفز أحداً، لا سيما أننا نتصرف مثل أي طالب يسعى لتحصيله العلمي، ولا نعيّر الآخر وفق عقائده الخاصة". جهينة خالدية