17.11.11

الأميركيـة تطلـق دراسـة حـول «وجـه الفقـر الإنسـاني فـي لبنـان»: حلقة مفرغة يغذيّها النظام الطائفي تكرس فقر أكثر من ثلث السكّان



نُشر في جريدة السفير



17-11-2011



جهينة خالدية
يُحكى عن الفقر في لبنان، وعن كون ربع سكانه من الفقراء، من دون أن تُقدم دلائل كثيرة على أشكال ذلك الفقر، وأنماطه أو نسبه الدقيقة. لذلك، سعت دراسة «وجه الفقر الإنساني في لبنان» التي تطلقها «الجامعة الأميركية في بيروت» اليوم، إلى محاولة معرفة الفقر وفهمه، وتقديم لمحة عن الفقر في لبنان، تشمل محاولة معرفة من هم هؤلاء الفقراء وأين يعيشون، وكيف يبدون وما هو واقعهم، والبحث عن قوى محرّكة تشرح أسبابَ الفقر في لبنان، قوى تعجز المؤشرات الاقتصادية عن شرحها بسهولة. والدراسة التي تُطلق عند السادسة من مساء اليوم من قاعة «أسمبلي هول» في الجامعة، بحضور وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، نفذتها «مؤسسة الرّؤية العالمية ـ لبنان» بالشراكة مع كل من «الجمعية اللبنانية للإنماء التربويّ والاجتماعي» و«دار المنهل». وهي تركزّ على ثمانية مجتمعات محلية مختلفة في لبنان، أربعة منها ريفية، وثلاثة مدينية، بالإضافة إلى مجتمع لاجئ. وفي سعيها للإجابة عن سبب عدم التوصّل إلى نتائج ملموسة في مكافحة الفقر في لبنان حتى الآن، تكشف الدراسة أن «ضمان الوصول إلى الخدمات والدّعم أو تحسين سبل العيش والدّخل لا تكفي وحدها للتصدّي للفقر» لأن «هيكلية المجتمع اللبناني الطائفية والمذهبية لا تسمح بحصول حراكٍ اجتماعيّ». وتؤكد الدراسة أن تحسين سبل العيش والوصول إلى الخدمات «تُعتبر تدخلات قيّمة، من شأنها أن تُبعدَ الفقر الشديد، غير أنها نادرًا ما تحسّن وضع الفقراء الاجتماعي والاقتصادي أو تسمح لهم بالخروج من دائرة الفقر». بالإضافة إلى ذلك، «ومع أنّ الفقراء يستطيعون الحصول على التعليم الأساسي، إلا أنهم يعجزون عن الخروج من الفقر المزمن، ويظلّون بالتالي ضعفاء». وتشير إلى أن الفقراء ينتمون إلى «مجتمعاتٍ مهمشةٍ، وهم معزولون إمّا جغرافيًا (في مناطق نائية من البلاد)، أو اجتماعيًا، في جيوب ضمن المناطق المدينية. وهكذا، يبقون ضعفاء، لا صوت لهم، لأنّ أصحاب النفوذ والسلطة يتجاهلونهم.» وعلى الرغم من ذلك، رأت الدراسة أن لبنان قدّم في الأعوام الخمسة عشر الماضية «أمثلة عن تحرّكاتٍ إجتماعية مكّنت الفقراء والمهمشين، وأدخلتهم صلب المجتمع اللبناني.» من هم الفقراء؟ تنطلق الدراسة من الرقم الذي أوردته دراسة «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» عن لبنان في العام 2008، وأظهرت أن «20.59 في المئة من السكان هم من الفقراء، بالإضافة إلى 7.79 في المئة يعيشون في فقر مدقع، بما يعني أن نسبة الفقراء الإجمالية تبلغ 28.58 في المئة من اللبنانيين». وخلصت دراسة الأمم المتحدة إلى أن «أكثر من ربع السكان يعيشون تحت خط الفقر، بينما يتجمع شديدو الفقر بعيدًا تحت خط الفقر»، علما بأن تلك الإحصاءات لم تشمل السكان الأجانب في لبنان على غرار اللاجئين الفلسطينيين والعمال المهاجرين. لذلك، فإن دراسة «وجه الفقر الإنساني» تجزم أنه «بالإضافة إلى وجود 28.54 في المئة من السكان يعيشون تحت خط الفقر الوطني، فإن ثمّة «فئات ضعيفة» إضافية يقدّر عددها بحوالي مليون نسمة، لا يحمل عدد كبير منهم الجنسية اللبنانية، يشكّلون 20 في المئة إضافية من إجمالي السكان. «ومع أنّ هؤلاء السكان ليسوا جميعا من الفقراء، إلا أن معظمهم عُرضة للأذى ويعيشون على حافة الفقر بموارد ضئيلة بغية الصمود لمواجهة حالات الطـّوارئ والصدمات». حلقة مفرغة هكذا، يعيش الفقراء في لبنان في حلقة مفرغة من دون أن يمتلكوا أي قدرة لتحسين أوضاعهم، لا سيما مع تشديد الدراسة على أن «طبيعة المجتمع اللبناني المقسّمة والطائفية، تجعل من إيجاد فرص العمل أمرا في غاية الصعوبة، حتى مع وجود إجازة جامعية لأن الفقراء ليسوا مدعومين وليس لديهم أي نفوذ في الأماكن المناسبة. فينتهي الأمر بالعدد القليل منهم الحائز شهادة جامعية بالتعليم في المدارس، أو بفتح مصالح صغيرة خاصة». وتشير إلى ان «منطقتي الوزّاني والجميجمة كافحتا للتعافي من صراعاتٍ متعدّدة من دون أن تقويا على ذلك لأنّ سكانهما ما زالوا يعيشون في جزءٍ غير آمنٍ من البلاد. أما مرح وبجعة في عكار، في شمالي لبنان، فتقعان في منطقة معزولة أهملتها حكومات كثيرة وقلّت فيها الموارد والاستثمارات». «أما الجماعات البدويّة في البقاع وجماعات الدومري المنتشرة في مناطق كثيرةٍ من البلاد، فلطالما واجهت مشاكل في الحصول على الجنسية وعانت من التمييز، الأمر الذي منعها من المشاركة في حياة المجتمع اللبناني.» وتؤكّد الدراسة أن «التهميش، سواء طال جماعة إثنية أو سكان منطقة جغرافية معينة، يعدّ سببًا للفقر ونتيجةً له في الوقت نفسه. فهؤلاء الأشخاص فقراء بسبب هويتهم، ومكان إقامتهم، ويبقون فقراء للأسباب ذاتها.» وتذكر الدراسة أن «عددًا كبيرًا من فقراء المدن وضواحيها في حي الغربي وكرم الزيتون وحي التنك (في بيروت)، هم من المهاجرين الذين نزحوا من مناطق أخرى، أو أتوا من بلد آخر. وهم يعيشون في مساكن فقيرة جدًّا غالبًا ما تقعُ على أراض غير صالحة للسّكن (على غرار المستنقع الذي يقع عليه حي التنك). وكثيرًا ما يكتظون على أرض ما من دون أي ضمانة لحقّ الملكيّة. ونتيجةً لذلك، يتهدّدهم باستمرار خطر الطـرد». أما بالعوامل المختلفة التي ساهمت في انتشار الفقر عبر البلاد، فتتمثل «بانعدام أي نوع من الأمان الإجتماعي لمساعدة الفقراء على مواجهة الصدمات والحالات الطارئة. أما شبكة الأمان الاجتماعي الأكثر شيوعًا، والتي لا يحظى بها الفقراء، فهي التحويلات الخارجية التي ترسلها أسر وأقارب من الخارج. وما يزيد الأمر سوءًا هو أنّ معظم الفقراء يعملون في القطاع غير النظامي وغالبًا ما تكون سبل عيشهم غير مضمونة أو غير مستقرّة بسبب الطقس والفصول (الشتاء) والصراعات والعنف. ونظرًا إلى عدم حصولهم على وظائف نظامية، لا يحقّ لهم الاستفادة من خطط الضمان الاجتماعي الوطني». هكذا، تجتمع نقاط الضعف كافة لتنتج حلقة مفرغة تزيد من ضعف الفقراء، وتضمن بقاءهم فقراء على مرّ الأجيال. وفي ما يتعلـّق بالسكان اللاجئين، فإن لبنان لم يوقّع على اتفاقيّة حقوق اللاجئين، ولذلك، لا يحظى معظم اللاجئين إلا بحماية محدودة وبفرص متفاوتة للحصول على الخدمات الأساسية، مما يُبقي مستقبلهم غير آمن ما لم يردّوا إلى أوطانهم أو يعاد توطينهم في بلدٍ ثالث. أما الباقون فيعيشون على حافة الفقر.» لا بيانات دقيقة إنما لماذا لم تتوفر أي بيانات دقيقة حول واقع الفقر في لبنان من قبل؟ تورد الدراسة أن الوضع التنموي معقّد في لبنان، ولا يمكن فهمه بسهولةٍ لأسباب متعدّدة منها تاريخ لبنان المتقلب، وهو ما منع بدء عملية جمع البيانات الأساسية إلا قبل فترة قصيرة من نهاية الحرب الأهلية سنة 1990. لذلك، لم تتوافر غالبية البيانات الأوّلية والأساسية التي تُقارن مع البيانات الحالية قبل أواسط ونهاية العقد الأخير من القرن الماضي. ومنذ ذلك الحين، حصلت محاولاتٌ عدّة لجمع البيانات في قطاعاتٍ مختلفة، غير أنّ بضع فجوات ما زالت موجودة». وتعتبر الدراسة أن «صوت الفقراء بقي العنصر الذي افتقدت إليه البحوث السابقة، التي لم تورد الطريقة التي يفهمون بها فقرهم ويختبرونه، لهذا سعت دراسة «وجه الفقر الانساني في لبنان» إلى «فهم القوى المحرّكة للفقر وإعطاء الفئات المتأثرة فرصة الإدلاء برأيها لوصف حقيقة معيشة الفقير، فدوّنت دراسات الحالات الإفرادية بطريقة تسمح للفقراء بالتعبير عن آرائهم، وتحديد واقعهم، وتوضيح نظرتهم الخاصة إلى أنفسهم، وأظهرت المقابلات بوضوح أنّ معظم الفقراء يفهمون وضعهم جيدًا. يفهمون الإطار الذي يعيشون فيه وهم قادرون على تقديم تواريخ وأوصاف دقيقة لأوضاعهم كما وأظهروا غالبًا حرصًا على استعراض الحلول الممكنة». «فقر متعدد الأبعاد» تعود الدراسة إلى نقطة البداية في تعريف «الفقر»، باعتباره «ظاهرة متعدّدة الأبعاد إذ أنها تعكس حقيقة أكبر من عدم كفاية الدّخل. ويحاول مؤشر الفقر المتعدّد الأبعاد (Multidimensional Poverty Index) التقاط تلك الحقائق عبر تحديد مجموعة من العناصر التي يحرم منها هذا الفرد في حياته ومنزله. وتشمل مؤشرات الفقر المتعدّد الأبعاد التعليم (عدد سنوات الدّراسة والتحاق الأطفال بالمدارس) والصحة (نسبة الوفيات عند الأطفال والتغذية) ومستوى المعيشة (توفر التيار الكهربائي ونوع الصرف الصحي والنفاذ إلى مياه الشفة وطبيعة الأرضية في المنازل ونوعيتها ونوع الوقود المستعمل في الطّبخ وعدد ممتلكات العائلة). عن أسباب الفقر تشرح الدراسة أنه «بعدما تعافى لبنان من ويلات الحرب الأهليـّة التي دامت خمسة عشر عامًا، شهد وضع البلاد الديموغرافي تغيراتٍ كبيرة، منها ظهور فئاتٍ ضعيفة جديدة في صفوف السكان. وتضم هذه الفئات اليوم جماعات البدو والدومري (المعروفة أيضًا بالغجر أو النور) والعمال المهاجرين (عمال المنازل الأجانب تحديدًا) واللاجئين والأطفال (أطفال اللاجئين والسجناء والعمال المهاجرين وأطفال الشوارع، الخ). ولا تعتبر عمالة الأطفال حقيقةً في المدن فحسب، بل في المناطق الريفية أيضًا (بخاصة في مناطق زراعة التبغ)، فضلاً عن الفقراء الريفيين التقليديين الذين يعيشون في جيوب في كل من الشمال والبقاع والجنوب». ومن أسباب استمرار الظاهرة «اهمال الحكومات المتعاقبة لتلك المناطق والمجتمعات المحلية، وذلك منذ وقت طويل جدًا. ويشملُ الفقراء الريفيون، لبنانيين نزحوا من المناطق الرّيفية إلى المدن وضواحيها ويعيشون في أحياء المدن الفقيرة ، نتيجة لانعدام الفرص وارتفاع تكاليف السكن.» مظاهر الفقر يتجلى الفقر بطرقٍ مختلفة، وتعتبر الدراسة أن «فقر الـذين لا يحملون الجنسية اللبنانية يكون بعدم حصولهم على الرعاية الصحية ولا التعليم، كما أنه ليس بوسعهم الدخول إلى النظام العام وغالبًا ما لا يمكنهم تحمل تكاليف النظام الخاص»، علما بأن «معظم الفقراء هم في القطاع غير النظامي، وبالتالي لا يملكون وظيفة ثابتة، وغالبًا ما يجدون أنفسهم من دون أيِّ دخل في خلال فصل الشتاء عندما يكون الطقس سيئًا أو في فترات الحرب والعنف.» «أما الذين يعيشون على مقربة من الحدود الجنوبية، فيشعرون دائمًا بعدم إستقرار لأنهم تشرّدوا مرّات عدّة بسبب الحرب والتهجير. وهكذا يخسرون سبل عيشهم من جهة، ويتكبدون أضرارًا جسيمةً في منازلهم وفي ممتلكاتهم من جهة أخرى.» بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يكون المستوى التعليميّ لدى الفقراء الذين يعملون في القطاع غير النظامي منخفضا جدًا. ولا تتمتـّع تلك الفئة إلا بمهاراتٍ مهنيةٍ قليلة في ظلِّ نقص فرص التدرّب لإكتساب المهارات أو غيابها. أما فقراء الرّيف، فهم لا يملكون أراض أو يملكون قطعًا صغيرة منها تكفي حاجاتهم الخاصّة، وبالكاد تدرّ عليهم أي دخل. في المقابل، فإن فقراء المدن يصادرون المنازل في أحياء المدن الفقيرة أو «يملكون» منازل فيها، على الرّغم من أنّ حيازة الأرض لا تكون مضمونة. وفي ما يتعلّق بنوعيـّة المنازل في الأرياف والمدن، فدائمًا ما تكون فقيرة ومكتظة. أما بالنسبة لتغذية الأطفال فهي رديئة، ويقدَّر أنّ نقص المغذيات الدّقيقة أكبر في صفوف الفقراء بسبب عاداتهم الغذائيّة السيئة. وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال وقف نمو (الذي يعني نقص التغذية المزمن) الذي لوحـِظ لدى جماعات البدو والمجتمعات المحلية في الجنوب. ويشبه عددٌ كبير من المشاكل الصحية التي يواجهها الراشدون تلك التي يواجهها السكان في البلدان المتطوّرة ومنها: ارتفاع معدّلات السكري وارتفاع ضغط الدّم والأمراض القلبية الوعائية. ولكن أسباب تلك الأمراض مردّها ارتفاع مستويات الإجهاد المزمن الذي تسببه تجارب العنف والصراعات المتكرّرة والتهجير والكفاح اليومي في وجه الفقر والتهميش. العمل والتعليم تعد سبل العيش الآمنة مفتاح ضمان إيجاد الفقراء لطريقة للخروج من فقرهم، تلك هي المسلمة التي تنطلق منها الدراسة لتشير إلى أن «معظم الفقراء يعملون في القطاع غير النظامي كصيادي سمك وعمال زراعيين وباعة متجولين وعمال بناء وفي المطاعم. وسبل العيش تلك كلها في الهواء الطلق (باستثناء المطاعم) وتعتمد على الطقس. وبالتالي، يعجز أيّ واحد من هؤلاء الأفراد على العمل أو على إيجاد وظيفة في خلال أشهر الشتاء أو أثناء العواصف. أما في ما يتعلق في مستويات التعليم، فترى الدراسة أنه «لا قدرة لدى العائلات الفقيرة على تكبّد نفقات التعليم الخاص واضطرارها إلى إرسال أولادها إلى المدارس الرسمية على الرغم من ظنّها أنها ذات مستوى ضعيف. ومع أنّ معظم الأولاد يلتحقون بالمدرسة الابتدائية حتى الصف الثالث أو الخامس، تبقى نسب التسرّب المدرسي أكبر في المجتمعات الأفقر». و«يتسرّب الأولاد من مدارسهم لرعاية أشقائهم الأصغر سنًا، بينما يعمل الوالدان أو حتى الأولاد أنفسهم، في القطاعات غير النظامية. وتنهي نسبة مئوية صغيرة المرحلة المتوسّطة إلى صف المتوسط الرابع (البريفيه). ويصل عدد قليل فقط إلى الجامعة لا سيما من سكان المناطق الرّيفية أو الفئات المهمّشة كالبدو وجماعات الدومري.» المناطق المدروسة شملت الدراسة ثمانية تجمعات، بينها المجتمعات الرّيفية كل من مرح وبجعة (في عكار)، والوزّاني (في مرجعيون)، والجميجمة (في بنت جبيل) وعرب الحروك (وهو مجتمع بدوي في البقاع). أما المجتمعات المدينية فهي حيّ الغربي (في بيروت)، وحيّ التـنك ( في منطقة الميناء، خارج طرابلس، شمال لبنان) وكرم الزيتون (الأشرفية - بيروت) بالاضافة إلى مجتمع لاجئ تمثل في مخيم البص وتجمع جلّ البحر (في صور).

ليست هناك تعليقات: