6.12.11

الزواج لا يجعل المرأة «ملك» الرجل!







تحت شعار «بنفس العيلة ونفس البيت، في شي بسمنة وفي شي بزيت»:
«مسرحية شارع» من صبرا إلى الحمرا.. الزواج لا يجعل المرأة «ملك» الرجل!




نُشر في جريدة السفير

الثلاثاء 6-12-2011
جهينة خالدية



يقول الصوت: «المرا متل السجادة، بتتنضف بالخبيط ومعمولة للدعوسة.. يومها، دعوسني، ودعوسني وضربني، ووجعني، وحرقني، وقتلني. كان عمري 27 سنة لما متت».


الصوت يأتي من الماضي، لإمرأة عُنّفت حتى الموت، ويطل كقصة شعبية تُروى في الحاضر، كرمز عن عنف يمارس يومياً ضد النساء، ولا قانون ينهيه.


تلك التي عُنفت هي واحدة من نساء كثيرات يتم تعنيفهن من دون أن يجدن قانوناً أو مجتمعاً أو عادات تحميهن. نساءٌ هنّ جزء من حكايات العرس الشعبي الممسرح تحت عنوان: «بنفس العيلة ونفس البيت، في شي بسمنة وفي شي بزيت»، الذي يقدمه الممثلون من جمعية «زقاق» مايا زبيب، ولمياء أبي عازار، وعمر أبي عازار، وهاشم عدنان، وجنيد سري الدين، في إطار نشاطات منظّمة «كفى عنف واستغلال»، ضمن حملة الستة عشر يوماً لمناهضة العنف ضدّ المرأة.


لا تؤدّى القصة الأليمة في فضاء ثقافي لجمهور مختار، «نخبوي». القصة تذهب إلى «عقر» الدار المحافظ، إن أمكن القول، هنا في وسط سوق صبرا، وتحديداً في سوق «اللحّامين».. وعلى بُعد أمتار قليلة من الساحة التي نفذت فيها إحدى الجمعيات اعتصاماً ضد قانون حماية النساء من العنف الأسري!


هنا، وسط السوق المزدحم، يُرفع الصوت راوياً الآلام المتواترة عبر السنوات: «كان عمري 16 سنة أول مرة ضربني لأنو نسيت اشتري بصل، كنت كل يوم إبكي وما حدا يسمعني.. كان عمري 17 سنة أول مرة طفى السيجارة بجسمي.. كان عمري 19 سنة لما اغتصبني زوجي وقالتلي خالتي اسكتي بلا فضايح».. أمام الممثلين ومن حولهم وخلفهم، يتجمهر الناس، رجالاً وشباناً ونساء، وشابات وأطفالاً، مذهولين. ثوان طويلة مرّت من دون أن ينبس أحد بكلمة.


ظل وقع الجملة الأخيرة ثقيلاً على الكل.سرعان ما ينتهي الصمت، لتعلو الأصوات الشاجبة لهذا الكم من العنف، ويأتي صوت إمرأة ستينية ليكرر: «كل هيدا صحيح، كل هيدي عم بيصير، وعم بيصير أكثر».. وتعلو أصوات أخرى منددة بجوهر النص المسرحي الذي يرفع الصوت بأسئلة ملحّة: «أليس على القانون أن يتغلّب على الثقافة الشعبية ويرتقي لحماية المضطهدين؟ لماذا لا يُجرّم كل عنف أسري؟ لماذا لا تتم حماية النساء داخل الأسرة؟ لماذا لا يلزم الكل بالتبليغ عن حوادث العنف؟ أليس إكراه الزوجة بالعنف والتهديد على الجماع جريمة؟ أليس تعذيب الاناث بأعمال شرسة جريمة؟ أليس القتل.. جريمة؟».


هنا، تتفاوت ردود أفعال الجمهور، لا سيما الذكور منهم، هازئين من المطالبة بقانون يحمي النساء، فتسمع رجل يترك بسطة الخضار خاصته ليقول رأيه ويرحل بعدها: «الدين والشرعية تحمي نساءنا، لا القانون»، ويضيف جاره: «لا يحق للقانون أن يتدخل بين رجل وزوجته، هي على «ذمته» وما يحصل داخل البيت لا يخص احداً». ويأتي الرد خجولاً من شابة ثلاثينية: «شو بس يتجوزها بيشتريها أو بيملكها؟».ينتهي العرض الصباحي في صبرا، مقدماً نموذجاً واضحاً عن عدم دراية الكثير من الناس بجدوى قانون حماية النساء من العنف، وليؤكد أن كثراً يرفضونه خوفاً من انتقاص سلطة الرجل المطلقة على المرأة، من دون مراعاة انسانيتها بالدرجة الأولى.


ومن صبرا إلى شارع الحمراء، حيث قُدم العرض مرة ثانية لجمهور مختلف نسبياً، من دون أن يكون بالضرورة أكثر اطلاعاً على القانون أو على حالات التعنيف ضد النساء. هنا، تجد شابات وشباناً يقفون مذهولين من قصص الضرب والاغتصاب واستخدام الزوجات في أعمال الدعارة والتسول وصولاً الى قتلهن.. ورد الفعل نفسه يسري بين سيدات يشاهدن العرس الشعبي، من دون أن يتماهين تماماً مع الحاجة الماسة للقانون. فتجد احداهن تهمس: «هيدي مسرحية، حقيقية، بس بالحقيقة أي مرا بتسترجي تنزل تشتكي على المخفر؟ أي مرا بتسترجي تنزل على المحكمة الشرعية؟ هيدي مسرحية بس، مسرحية».


ولكن النص الذي تستنكره السيدة لم يأت من فراغ، فمايا الشامي من «كفى» تقول إن «كل كلمة كتبها فريق «زقاق» جاءت من حالات حقيقية حصلت وتحصل في لبنان، ومن شهادات لمعنفات وضحايا العنف الأسري، وغايتنا الأساسية تعريف الجمهور المختلف على الواقع المخفي خلف الجدران، وعلى عنف ينمو ويكبر ويتستر خلف التقاليد والذهنيات المحافظة التي تعتبر المرأة ملك الرجل، مهما كانت الظروف.. تطبيقا للمثل الشائع: المرا لبيتها وجوزها وولادها».وهنا، تشير الممثلة مايا زبيب إلى أن «الرسالة الأهم التي نوصلها من العرس الشعبي هي أن نقول إن القانون لا علاقة له بالحب، القانون حاجة ماسة لئلا يجعل حلم كثيرات بالحياة، مجرد كابوس غير محتمل».


جهينة خالدية

ليست هناك تعليقات: