8.12.11

استطلاعات الرأي:أرقام مأجورة وطائفية وسياسية تكرّس مجتمع اللامعرفة «عن معرفة وإصرار»

نُشر في جريدة السفير
8-12-2011
جهينة خالدية

ندوة لإيزومار حول «وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية»:أرقام مأجورة وطائفية وسياسية تكرّس مجتمع اللامعرفة «عن معرفة وإصرار»


تجمع علاقة وثيقة ما بين «وسائل الاعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية». علاقة محورها الأساسي هو الرقم، ودلالته، ومؤشراته، ومصدره، ومدى دقته. وانطلاقاً من ذلك تحديداً، تصبح العلاقة مربكة، حساسة، وغالباً ما تكون غير مستقيمة؛ ذلك لأن الرقم في لبنان، بالمواصفات العلمية المفترضة، يكاد يكون منقرضاً، ولأن الرقم، أياً كان مصدره، مشكوك فيه كما بالغاية من إشهاره. فكيف إذا ما كان يصدر عن استطلاعات رأي متهمة أنها مسيسة، أو مسوّقة لجهات دون أخرى، وتحتاج إلى تنظيم أو «تطهير» ينقي الصورة العامة ويكرس ثقافة الرقم؟




من هنا، يمكن فتح باب النقاش واسعاً على الدور الذي يؤديه الطرفان: الإعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية، والحاجة الملحة للاصلاح داخل مؤسسات استطلاع الرأي، وهو نقاش وجد لنفسه متنفساً في الندوة التي نظمتها «المنظمة العالمية لاستطلاعات الرأي والدراسات التسويقية - ايزومار» أمس الأول في فندق «فنيسيا»، بمشاركة وزير الداخلية والبلديات السابق زياد بارود، والمدير العام للمنظمة فين روبين، والمديرة الأميركية السابقة للدراسات الاستقصائية في شبكة «سي بي أس» كاثلين فرانكوفيتش، ومدير «شركة الدولية للمعلومات» جواد عدرا، والمستشار الاعلامي ومؤسس ومدير شركة S2C (لبنان) رمزي نجار.




ندوة لإيزومار حول «وسائل الإعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية»:أرقام مأجورة وطائفية وسياسية تكرّس مجتمع اللامعرفة «عن معرفة وإصرار»




«أسلحة دمار شامل».. وحمام زاجل




يبدأ الكلام عن «دور الاعلام واستطلاعات الرأي في العملية الانتخابية»، بالانطلاق من تعريف دور كل من هاتين الوسيلتين في نشر المعلومة - الرقم، والطريقة التي يمكن لكل منهما التعامل مع المعلومة، والسياق الذي يجب أن تختاره لتظهيرها، وصولاً إلى قدرة تأثير كل منهما، وهو ما تطرق إليه المدير العام لشركة «آراء للبحوث والاستشارات» وممثل «إيزومار» في لبنان طارق عمار، لافتاً إلى «أهمية البعد الإضافي الذي يأخذه استطلاع الرأي عندما يتم نشره، إذ يُعتبر الاستطلاع قوة فاعلة في تغيير المجتمعات، بحيث يعطي الناس الفرصة لإسماع صوتهم، ذلك أن استطلاع الرأي يعكس آراء الناس وأولوياتها أفضل مما يفعل صندوق الاقتراع الخاضع لقوانين وممارسات إنتخابية بعيدة عن تطلعات الناخبين». وذكر أن «قياس الرأي العام بشكل دقيق والتعاون مع وسائل الاعلام لتزويد المواطنين بمفاهيم واضحة، تصل في صلب مهام «ايزومار» الى أن تحترم تقنيات البحث واعداد التقارير القواعد العامة وأخلاقيات المهنة».




واعتبر بارود أن «أهمية اللقاء تكمن في أنه علمي وبحثي وتطويري وتبادلي ويحمل المعنيين، بالشأن الانتخابي مثلاً، إلى التوقف عند إحدى أدوات التواصل المتمثلة في استطلاعات الرأي، كواحد من «أسلحة الدمار الشامل» حيث يُساء استعمالها، وكواحدة من سرب الحمام الزاجل، حيث يُحسن الركون إليها وإشهارها».ولفت بارود «السفير» إلى أن «شركات الاستطلاعات الرأي في لبنان تحتاج إلى بعض التنظيم لتكتسب مصداقية أكبر في عملها، لا سيما أن كثير منها يتميز في مهنية عالية في العمل، من هنا، يكون من مصلحة الشركات مجتمعة أن تنظم نفسها وتقفل «الدكاكين» الصغيرة في سبيل تمهين شركات استطلاع الرأي في لبنان».




وذكّر بارود بأن «الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب (برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس - 2006) تنبهت لأهمية استطلاعات الرأي في الانتخابات، فسعت إلى تنظيمها، ووضعت نصا استعاده قانون الانتخاب الحالي (25/2008) في المادة 74، التي أكدت على ضرورة ذكر الجهة التي أجرت الاستطلاع، والجهة التي طلبت الاستطلاعات ودفعت كلفته، وتواريخ اجراء الاستطلاع ميدانياً، وحجم العينة المستطلع رأيها وطريقة اختيارها وتوزيعها، والتقنية المتبعة في الاستطلاع، والنص الحرفي للأسئلة المطروحة، وأخيراً، حدود تفسير النتائج ونسبة هامش الخطأ فيها عند الاقتضاء، وغيرها من الشروط التي تنظم هذا المجال، وتضمن أن تكون هذه الوسيلة علمية غير منحازة».من هنا، رأى بارود أن «هذه التجربة هي تجربة رائدة وجديدة وتحمل على الاعتقاد أن التنظيم ممكن، تشريعياً وفعلياً، من دون أي انتقاص من حرية التعبير ودور الإعلام. وهي تجربة ينبغي أن يُبنى عليها، فإذا نجحت يمكن الدخول إلى دائرة إقرار هيئة مستقلة للانتخابات». وكرر أن «هذه التجربة تفرض أيضاً الشراكة الكاملة بين الدولة ووسائل الاعلام والمرشحين والمجتمع المدني على حد سواء، من دون أن ننسى دور المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع الذي لا بد من إخراجه من حدود صفته الاستشارية إلى رحاب سلطة القرار، ودور وزارة الاعلام التي لا بد من أن تسلك درب نظيراتها في دول غلبت فيها الحالة الديموقراطية على الدور «التوجيهي» لوزارة من زمن آخر». وتوقف بارود عند «دور المجتمع المدني وهيئاته التي أدخلت على المشهد الانتخابي، منذ العام 1996 على الأقل، مفاهيم جديدة، بل حالة مطلبية أنتجت شيئا من مطالب لا تزال مستمرة»




«في اللامعرفة، استمرارية النظام»




لكن، ما مدى دقة استطلاعات الرأي في لبنان؟ وهو السؤال الذي توقف عنده عدرا، معتبرا أنه «في لبنان، لعدة أسباب، ليس لدينا عمليات استطلاع رأي حقيقة. فلا الرأي العام هو عام، ولا الاستطلاع هو استطلاع. الرأي العام مخصصّ عشائرياً وطائفياً، ومعروض في بزار الولاءات السياسية والمالية. والشركات العاملة مجبرة أو مخيرة، أصبــحت مسوّقة للزعامات والأحزاب».




ورأى عدرا «أننا قررنا في لبنان، أننا لا نريد أن نعرف عدد السكان فيه ولا عدد المهاجرين منه، ولا عدد المرضى بالسرطان، ولا عدد الذي قضوا نتيجة حوادث عمل أو أمراض ناتجة عن العمل». ويعود عدرا ليؤكد ان «هذا القرار ليس وليد الصدفة، بل جاء عن سابق تصور وتصميم، وهو ينطلق من أن معرفة خطر المعرفة على النظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي القائم أكدت أن في عدم المعرفة استمرارية لهذا النظام، وبالتالي لا نريد أن نعرف. وبالتالي، نحن مجتمع اللامعرفة عن معرفة وإصرار».بدورها، تطرقت فرانكوفيتش إلى تجربة الانتخابات الرئاسية الأميركية وتأثير استطلاعات الرأي فيها، مؤكدة أن «شركات استطلاع الرأي في أميركا، كثيرة ومؤثرة جداً، ذلك لأنها تقدم مادة خبرية ضرورية وأساسية جداً لوسائل الاعلام والتي تحاول عبرها أن تلخص الرأي العام لتشرح البرامج الحكومية ومدى تقبل الناس لها، رأي الناس بالمرشحين للانتخابات، علماً بأنه يمكن للإعلام أن يعتمد على خبراء أيضا لشرح هذه المواضيع، انما تبقى استطلاعات الرأي مؤثرة أكثر بكثير لأنها تقدم معلومات دقيقة، وتحدد اتجاهات الجمهور، وتصبح نوع من المادة الموضوعية بين يدي الإعلام»




.«انجراف الإعلام عن الهدفية»




لكن الدقة تحديداً هي ما يبدو مفتقداً في الإعلام اللبناني، اذ رأى نجار أن «الإعلام اللبناني على الرغم من تميّزه عن الاعلام العربي، يعاني من أزمة انحراف عن الهدفية، وتجاهل الرسالة، وهتك مبدأ السلطة الرابعة، وحرمان المواطن من حقه في أن يكون المراقب والمسائل وليس مجرد المشاهد أو الضحية أو الرهينة. شركات استطلاعات الرأي الحالية ليست صحية ولا قيمة مضافة لها، بل على العكس هي مستغلة ومضللة وأحياناً مأجورة».




وتحدث نجار عن «العلاقة العضوية بين الاعلام كسلطة والسلطات الثلاث»، مشيراً إلى أن «الاعلام هو بيت القصيد وآلية لتغيير، وتأكيد المواطن لذاته ولوجوده ولانتمائه بقدر ما هي تأكيد لواجبه وأهمية صوته، إذ ان الصوت هو المواطن».ولفت نجار إلى أن «الاعلام الانتخابي هو اعلام بروباغندي، إذ لا فرق بينه وبين الإعلان التجاري «الإباحي»، ويمكن اعتبار هذا النوع من الفعل كجريمة، إذ ان تغيير مسحوق للغسيل قد يتطلب علبة واحدة، أما تغيير النائب المنتخب فثمنه أربع سنوات ويكلف الكثير من الأضرار والأذى والتشريع الخاطئ أو غياب التشريع.. والأمثلة على ذلك انتخابات 2009 في لبنان، انتخابات مصر الحالية، الانتخابات التونسية وانتخابات العراق الأخيرة».وأخيراً، تطرق فن روبن للتجربة الايرلندية، حيث «تم بناء الثقة باستطلاعات الرأي تدريجاً عبر إنشاء اتحاد لشركات الاستطلاع التي التزمت بمعايير الشفافية، وفتحت أبوابها للتدقيق الخارجي من دون المساس بسرية المعلومات الشخصية».

ليست هناك تعليقات: