16.1.12

كرامات النساء تُنتهك مرتين.. بالاغتصاب وبقانون يُبرّئ المجرم!








نُشر في جريدة السفير
16-1-2012


جهينة خالدية





"المجموعة النسوية" تتظاهر ضد العنف الأسري والجنسي:




يغسل المطر المدينة، وغبارها وأوساخها، ولا يغسل الظلم وما ينتجه من ألم. لا يمسح أفعالاً جرمية تُرتكب كل يوم بحماية قانونية. لا يتنصر لمن توجّع، ولا يردع من يسبب الوجع. لا ينقي ذاكرة ريما، ولا يوقف ارتجافها.


الفتاة التي نسيت أن تفتح مظلتها ومشت سابحة في المطر، بين المشاركين في مسيرة «لا للاغتصاب» التي نظمتها «المجموعة النسوية» يوم السبت، وانطلقت ظهراً من أمام وزارة الداخلية، باتجاه ساحة رياض الصلح.


وصلت إلى مسمع ريما هتافات شابات وشبان مطالبين بقوانين تجرم العنف الأسري والجنسي، وتعديل المادة 522 من قانون العقوبات، مكررين «يا دار الافتاء / نسوية، ويا بطركية / نسوية، مَنها شرعية / نسوية، يتحكم فيي / نسوية، ويعنّف فيي / نسوية، مَنها شرعية / نسوية، يغصبني عليها / نسوية، ويقللي حقه / نسوية، وأنا حقي وينه؟ / نسوية، وين الشرعية؟ / نسوية، بالهجمية؟ / نسوية».


ريما، مشت إلى جانبهم، ولم تهتف بأعلى صوتها، ففي داخلها كانت أصوات عالية فوضوية تضج، ترتفع، وتؤلمها. ريما، بدمع قليل وعينين حمراوين، بكت. لم تفعل الكثير، فقط مشت حتى وصلت مع المسيرة إلى ساحة الرياض الصلح. هناك، وجدت لنفسها زاوية صغيرة عند الرصيف، وكررت، هامسةً، جملة واحدة: أنا اغتصبت. أنا اغتصبت. أنا اغتصبت.


«مرقيها واستري ع عيلتك»


في موقعٍ غير بعيد عن الشابة العشرينية، كانت اللافتات تعلن أنه «لا يعوّل على دولة لا تجرّم كل أنواع الاغتصاب»، فتقول ريما: «لكل هذا، أنا لم أحك. لمن أحكي؟ لأمي لتندب حياتها، وتبكي لأنها لم تعرف كيف تحميني؟ لأبي، ليخيفني خوفاً من العار؟ لأخي الذي إما يقتلني، أو يقتله! في كل هذه الحالات، القانون غير موجود. في كل هذه الحالات، أدرك أني إن ذهبت إلى المخفر، أو القاضي، أو الطبيب الشرعي، فسيّان، القانون يوفر للمجرم مخارج مختلفة «للفلفة» القصة، بل ويتهم الفتاة بأنها أغرته!». تقول: «أدرك أن ما بيدي حيلة إلا الصمت والتعايش مع ذاكرتي المشوهة، تماماً كفتيات كثيرات تعذبن واشتكين وكان جواب القاضي لهن: مشيلنا ياها، مرقيها واستري على عيلتك».


تقول ريما، الناشطة الاجتماعية والمدرّسة، إنها بذلت جهوداً كبيرة، للتعايش مع الماضي وللتغلب عليه، ونجحت إلى حد كبير في ذلك، «ولكني ما زلت أخشى من مجتمع ذكوري، نساؤه ذكوريات أكثر من رجاله. أمهات وأخوات وزوجات نزلن إلى الشارع طلباً لعدم إقرار قانون يجرّم الاغتصاب الزوجي. هذا عار لن يعرفن معناه إلا إذا ذقن طعمه بأنفسهن. هؤلاء يربين أولادهن على إخضاع زوجاتهن في المستقبل، ويعلمن بناتهن على الطاعة العمياء. في وقت ما، ستفهم هؤلاء معنى أن تعيش المرأة مع جسد متألم. مع كرامة منتهكة مرتين، مرة بفعل الاغتصاب، ومرة بتستر المجتمع والقانون على الجرم».


«قوانين رجعية.. ما بدنا»


قصة ريما عمرها سبع سنوات، تكررت بأشكال مختلفة مع نساء كثيرات، إن حاضرات في تلك التظاهرة، أو خارجها. هن أيضاً أبقين آلمهن سراً، ومنهن من خرجن ليعتصمن راسمات ابتسامات أمل ورضى، لوجود شباب ورجال وأطفال من انتماءات وخلفيات واهتمامات مختلفة، وفتيات من جنسيات أجنبية وعربية. ولكن، يبقى خوفهن الأكبر من صمت المجتمع بمعظمه، والسياسيين بأغلبيتهم. والصمت هذا، يضحي غضباً عندما يقرر كثيرون من رجال الدولة، انتقاد تلك المطالب والتحركات، وتشويهها، وتصويرها على أنها «مهددة للأسرة» و«تؤدي لتفككها»، متجاهلين أن 117 دولة في العالم تجرم التحرش الجنسي في أماكن العمل، ولبنان ليس واحداً منها، وأن 79 دولة في العالم تجرم «الاغتصاب الزوجي»، و125 دولة في العالم تجرم العنف الأسري، ولبنان ليس منها، وأن المادة 503 من قانون العقوبات اللبناني تعتبر أن «من أكره غير زوجه بالتهديد والعنف على الجماع عوقب بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الأقل، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتم الخامسة عشرة من عمره»، من دون أن تتطرق إلى الاغتصاب الزوجي.


وهنا، تعود «المجموعة النسوية» لتتوجه إلى أعضاء اللجنة النيابية الفرعية التي تدرس مشروع القانون (النواب سمير الجسر، وجيلبيرت زوين، وعلي عمار، وغسان مخيبر، وميشال الحلو، ونبيل نقولا، وشانت جنجنيان، وعماد الحوت) مطالبة إياهم «بوقف تشويهه وإفراغه من مضمونه». كما طالبت المراجع الدينية، وخصوصاً دار الإفتاء التي أعلنت صراحة عن رفضها لمشروع القانون، بـ«التوقف عن الضغط من أجل منع إقراره»، كما توجّهت إلى البلديات ومراكز الدرك مطالبة إياها «بأخذ شكاوى الاغتصاب على محمل الجدّ».


ولا ضير من التذكير هنا بتصريح وزير العدل شكيب قرطباوي الذي خرج به أول أمس ليؤكد «عدم معارضته للمبادئ الأساسية لمشروع القانون، إنما ينبه إلى خطورة بعض الأحكام التي تضمنها المشروع في شكله الأساسي، والتي وإن رمت أساسا الى خير المجتمع وإنصاف المرأة فقد تتحول الى وسيلة لإلحاق الأذى بالعائلة التي تعتبر الحلقة الأقوى التي تحمي المجتمع اللبناني من التفكك»، واعتبر قرطباوي أن «ما ورد في مشروع القانون حول «الاغتصاب الزوجي» قد يؤدي إلى تحويل الموضوع الى مطية سهلة تؤدي مع الوقت الى تفكيك الأسرة بأسرع مما نتصور».


ويأتي الرد بالهتافات: «قوانين رجعية / ما بدنا، حكومة ذكورية / ما بدنا، باسم الدين / ما بدنا، باسم التقاليد / ما بدنا، باسم الأسرة / ما بدنا، انو ناكل قتلة / ما بدنا، انو يغتصبونا / ما بدنا، باسم الحق / ما بدنا، وباسم الدين / ما بدنا، باسم التقاليد / ما بدنا». لا تشوّهوا الشريعة ليست الفتيات والنساء «المتحررات» وحدهن اللواتي يطالبن بتجريم العنف الأسري والاغتصاب، وإن كان توصيف «متحرر» بحد ذاته منحاز وحكمي.. فنوال، السيدة الثلاثينية الملتزمة دينياً، اختارت التعبير عن قناعاتها بجلباب أسود يغطي مجمل رأسها وجسدها. هي هنا، في التظاهرة، لتقول إن «مناصرة هذه القضية تنطلق بداية من أن نقول لا لتشويه الشريعة. من أن نعرف ديننا جيداً، ونقول لا لكل من يحاول أن يؤول النصوص الدينية والأحاديث النبوية. لنقول إن عدم تجريم الاغتصاب والتعامل معه وكأنه فعل يتشارك فيها الطرفان، هو ممارسة اجتماعية، سياسية، وثقافية مغلوطة وغير مسموحة وانتهاك صريح وواضح لحقوق الإنسان».


نوال، التي تقول إنها «أعرف الشريعة جيداً، وعلى اطلاع على التفسيرات الدينية»، تسجل خوفها الأساسي من كثير من رجال الدين المتحجرين، «الذي يحرسون على تأويل النصوص الدينية لمصلحتهم الخاصة وحماية لسلطتهم لا حماية للمرأة ولا المجتمع. هم بهذا يكرسون سطوتهم لا عدالتهم. ووحده الاعتصام ورفع الصوت عاليا يمكننا من الدفع باتجاه قانون يحمينا. هذا حق وليس مطلباً مرفّهاً». ريما ونوال ومئات غيرهما نزلن إلى الشارع، صرخن، وهتفن، وطالبن بالحق، وهن يعرفن أن مطلبهن لن يتحقق اليوم ولا غداً، وأن ذكوريي لبنان سيحرصون على تشويه مطلبهن، ممارسين انفتاحاً سطحياً، يبقى متخلفاً متحجراً في صلبه. ولكنهن يدركن أيضاً أنهن صاحبات اليوم، أو أمهات الغد، بيولوجياً كما رمزياً، وأمامهن مسؤولية تنشئة مجتمع على احترام الجنس الآخر والتعامل معه بمواطنة كاملة غير منقوصة. التنشئة هذه، هي الحرب بحد ذاتها.

ليست هناك تعليقات: