2.2.12

مستثمرون يستغلون مأساة فسوح: صرخة لحماية الأبنية التراثية في لبنان


جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
2-2-2012
في الليلة التي انهار فيها مبنى سعادة في منطقة فسوح، كانت الأغلبية الساحقة من اللبنانيين تبكي لهذه المأساة الإنسانية. وفي الليلة عينها، كان هناك بعض من المستثمرين «يهللون» بتوفير هذا الانهيار سبباً «مقنعا» ليحذفوا عدداً من المباني التراثية من لائحة الجرد العام التي تمنع هدمها، ويسعون إلى هدّمها متسلحين بحجة «بريئة»، هي: «السلامة العامة».
من هلل وفرح كان وما زال يستغل علنا الفاجعة الإنسانية، مستغفلا الرأي العام ومدعيّا أن بناء فسوح كان مبنى تراثياً عريقاً، وهبط فوق رؤوس سكانه لأنه لم يُسمح بهدمه في وقت سابق، ومروجين أن الامر عينه سيحصل لكل المباني التراثية المجمدة، وبالتالي يجب هدمها.
الحقيقة المرّة هذه، كانت السبب الأساس وراء اجتماع عُقد في «بيت شحادة»، في مار الياس، شارك فيه وزيرا الثقافة السابقان طارق متري وسليم وردة، بشرى عيتاني من بلدية بيروت، ريا الداعوق من جمعية «أبساد»، المهندسة المعمارية المتخصصة في مجال البيوت التراثية منى الحلاق، ورئيس جمعية «إنقاذ تراث بيروت» جورجيو طراف.
خلصت المداخلات إلى «حرقة قلب» أشخاص ناضل معظمهم ليحافظوا على مبنى هنا وآخر هناك، نجحوا أحيانا وأخفقوا في مرات كثيرة أمام جرافات المستثمرين وعلاقاتهم العامة الواسعة النطاق ورؤوس أموالهم الضخمة ومصالحهم المشتركة مع سياسيين متورطين بدورهم. الرزمة السابقة من المصالح والعلاقات استطاعت حتى اللحظة تجميد مشروع قانون حماية المباني التراثية الموجود منذ خمس سنوات في أدراج مجلس النواب، والذي من المفترض أن يوقف نزف تلك البيوت.
هي معركة مستعرة مع الوقت إذاً، وحتى اللحظة تبدو معركة خاسرة يسقط فيها كل فترة بيت «شهيد» من بين أيدي التراث اللبناني. الرقم الذي يتداوله المجتمعون في ضيافة ريما شحادة أمس، يقول إن الأبنية التراثية المدرجة في لائحة الجرد العام التي وضعتها وزارة الثقافة يصل عددها إلى 250 بيتاً، علما بأن هذه اللائحة كانت تضم في نسختها الأولى 1016 عقاراً، كانت جمعية «أبساد» لتشجيع المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان قد أحصتها في 1995 بتكليف من وزير الثقافة والتعليم العالي آنذاك ميشال إده، ثم اختُصرت إلى 520 ثم إلى 469، ليتبقّى منها 250 بيتاً بعد تقسيم البيوت إلى فئات A,B,C,D,E والتوصية بحماية الفئات الثلاث الأولى فقط. إنما السؤال الأبرز يكون، ماذا تبقى من تلك البيوت؟ هنا يلفت المهندس سيرج اليازجي رئيس مرصد «مجال» الجامعي ضمن معهد التنظيم المدني في الألبا - جامعة البلمند إلى أن المرصد كان قد أجرى في العام 2010 مسحاً جديداً للأبنية أثبت أن «البيوت التراثيّة التي دُمِّرت وصلت إلى 141 موصى بحمايتها في الفئات الخمس الآنفة الذكر»، علما بأن هناك احتمالاً كبيراً بأن يكون عدد البيوت التراثية قد تدنى من 250 بيتاً، بسبب التجاوزات الحاصلة».
انطلاقا من هذا الواقع، كرر المشاركون في اجتماع أمس كلاماً بات معروفا إنما أخطر ما فيه أنه يزداد حضوراً وشراسة ويؤكد مجدداً أن مصير الأبنية التراثية في لبنان في خطر محدق، أسبابه لا تخفى على أحد، وأبرز عدم وجود قانون لحمايتها إضافة إلى الخلط بين الحفاظ على التراث والحدّ من الاستثمار، وبالتالي ترويع المستثمرين كأن الخروج بتخطيط مديني يحافظ على نسيج متكامل في أحياء محددة من المدن، يعني منعاً باتاً بناء الأبراج، أو المباني الحديثة!
هنا، تكون العودة إلى ضمائر المستثمرين التي «صحت» فجأة، وأعلنت حرصها على السلامة العامة، وتسعى بكل طاقاتها إلى هدم بيوت تراثية و«كسر» نسيجها الاجتماعي المحيط بها، وهو ما يلفت إليه طراف سائلاً: «أين كانت ضمائر هؤلاء وهم يجرفون ويشوهون أروع مباني بيروت في جنح الظلام من دون أي ترخيص أو مبالاة للسلامة العامة، وهم من ينزع بأيديهم الجسور الخشبية وبعض أعمدة المنازل التراثية لتتصدع ويعلنوا لاحقا أنها خطر على السلامة العامة؟».
وتلفت حلاق إلى «عدم وجود أي نية سياسية لإقرار القانون. لهذا يجب أن تكون هناك مناصرة جماعية تجعل كل مواطن مسؤولاً، وفي حال تم وضع لائحة جرد جديدة لا بد من أن تكون اللجنة العاملة على وضعها، نزيهة في بلد تباع فيه الضمائر وشهادات الهدم والتقارير وغيرها».
وتوقفت الداعوق عند «الغياب الكامل للتخطيط، وإعطاء الرخص لبناء طبقات إضافية ورخص لورش بناء جديدة من دون أي تنظيم».
أين دور بلدية بيروت؟ تجيب عيتاني بأن «البلدية لا يمكن أن تستملك كل المباني التراثية، وقد سبق أن أعلنت أنها استملكت بيت السيدة فيروز وقصر بشارة الخوري». لكن حتى اللحظة لم يتم وقف تخريب هذين البيتين. تجيب عيتاني: «انَّ أوراق الاستملاك تستغرق وقتا طويلا!». وتشير إلى أن «البلدية لديها مستحقات أخرى عليها التكفل بها، بينها إنشاء الحدائق وشق الطرق وتوفير مواقف السيارات».
واعتبر متري أنه «لا غنى عن القانون الذي يحدد من المسؤول، إذ إن تحميل المسؤولية للجميع يعني إضاعة الهدف كأننا لا نحمّلها لأحد». ويقول: «لا يمكن لوزارة الثقافة أن تحمي البيوت التراثيّة كلها، لا سيما أنها عند رفضها تحرير بعض البيوت ورفضها إعطاء الموافقة لهدمها، كان أصحابها يرفعون دعوى على الوزارة عبر مجلس شورى الدولة ويربحونها، لأن القانون الحالي يغطيهم!».
ويذكر وردة أنه «في عهده تم تشكيل لجنة لاستكمال لائحة الجرد العام. وهذه اللجنة كانت تتكفل مراقبة عمليات هدم أي مبنى في لبنان، سواء أكان على لائحة الجرد العام أم لا، فتدرس وضعه ثم تعطي رأيها فيه. والآن نقول إن أي شركة ستقوم بمسح جديد للأبنية، عليها العودة إلى هذه اللجنة ولا يمكن تخطيها».
أمس، ارتفعت الصرخة لحماية الأبنية التراثية، لا سيما أن هناك من لا يتردد في استغلال مأساة إنسانية لأهداف تجارية. وقد كان الحاضرون مستعدّين للنقاش في مصير هذه الأبنية.. إنما كان يُنتظر من وزير الثقافة غابي ليون أن يشارك في رأيه وتجربته.