26.3.12

دعوى ضد الدولة... لانصاف الأم

جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
24-3-2012

أكثر من أربعمئة ملف لأولاد أم لبنانية متزوجة من أجنبي، وأشخاص مكتومي القيد وحالات تحمل جنسيات «قيد الدرس» جمعتها «جمعية المبادرة الفردية لحقوق الإنسان» ووثّقتها، تحضيراً لرفع دعوى جماعية قضائية ضد الدولة اللبنانية.
ويُفترض أن تجد الحالات هذه، «طريقها إلى القضاء بعد نحو شهر بحيث تُحضر الجمعية التوكيلات من أصحاب الملفات، من أجل إنصاف الأم اللبنانية، التي تعتبر مواطنة كاملة ولها حق منح الجنسية لأولادها وزوجها بالتوازي مع حق الرجل»، وفق رئيس الجمعية مصطفى الشعار.
كثيرة هي القصص التي تروي عذابات المرأة اللبنانية ومعاناة أولادها الأجانب، بين هؤلاء حنان وهي سيدة في الرابعة والستين من العمر، تزوجت بأجنبي، وهي اليوم أرملة ولها شاب في الخامسة والعشرين يعاني من شلل وقد أصيب أخيراً بجلطة في الرأس. لا تملك حنان أي ضمان أو تأمين صحي لابنها، مما اضطرها إلى العمل في تنظيف الحمامات.
وأم إبراهيم السيدة اللبــنانية التي تزوجت بسوري منذ 19 سنة وتركها زوجها بعد سنة، بقي ابنها غير مسجل حتى اللحظة ولا يحمل أي أوراق ثبوتية. ومها التي تزوجت من سوري ولها منه ثمانية أولاد، لا يملكون أوراقاً ثبوتية، وتعاني لتعليمهم واعالتهم.
ويشير الشعار إلى أن «موضوع منح الجنسية للأم اللبنانية لا يهم الأمهات الفقيرات اللواتي لا يستطعن إعالة أولادهن فحسب، بل أيضاً أمهات ميسورات يعملن جاهدات، وفي الوقت عينه لا يعرفن مستقبل أولادهن في لبنان، بين هؤلاء قصة رندة، سيدة الأعمال اللبنانية وهي أرملة وأم لطفل عمره، أربعة عشر عاما والتي تدرك أنه في المستقبل القريب لن يستطيع ابنها التخصص في أي مهنة نقابية.
وتعتبر هذه الدعوى الجماعية الأولى من نوعها، ومن المفترض وفق الشعار أن «تشكل ضغطاً على القضاء، وأكثر تأثيراً من الدعاوى الفردية، علماً أن بعض الحالات لم نجمعها من لبنان فقط، بل تراسلنا مع أمهات وأسر تعيش خارج لبنان، إضافة إلى زيارتنا قرى نائية في لبنان لنجمع أكبر قدر من الملفات».
من جهة ثانية تنظم «جمعية المبادرة الفردية» اعتصاماً تحت عنوان «جنسيتي كرامتي» للمطالبة بحق المرأة بمنح جنسيتها لأولادها، وذلك عند الثانية عشرة من ظهر يوم غد أمام وزارة الداخلية. وتهدف الجمعية بشكل أساسي للمطالبة بالحقوق المنتهكة بشكل قانوني. وتعنى بحق المرأة في إعطاء زوجها وأولادها الجنسية وكذلك الحقوق المهدورة لأشخاص مكتومي القيد وقيد الدرس. من أهدافها المطالبة بتنفيذ البنود التي لم توقعها الدولة من معاهدة سيداو وتعتبر هذه المواد أساس المعاهدة، والحد من العنف الأسري ومحاربة التحرش الجنسي.

23.3.12

المجتمع المدني يستذكر عاليم الأثيوبية «المنتحرة»: شُبِّه لنا أنها انتحرت، إنما نحن قتلناها



جهينة خالدية

نُشر في جريدة السفير

23/3/2012

قتلت السيدة الأثيوبية عاليم ديسيسا نفسها في 14 الجاري، إنما يبدو الجزم بالانتحار الذي جاء في تقرير الطبيب الشرعي غير مقنع للمجتمع اللبناني والجمعيات الأهلية والجالية الأثيوبية في لبنان. هؤلاء لا يشككون في التقرير الطبي بقدر ما يشيرون إلى عنف وعنصرية مورسا على عاليم وساهما في دفعها إلى إنهاء حياتها. علما أنه حتى اللحظة لم تظهر أي نتائج للتحقيق وفق مديرة مركز الأجانب في «كاريتاس لبنان» نجلا شهدا لـ«السفير»، موضحة أن «كاريتاس» موكلة من القنصلية متابعة قضية عاليم واتخاذ الخطوات القانونية والقضائية اللازمة بعد صدور نتائج التحقيق».
من قتلها؟
التشكيك في مصير عاليم، عرّفت عنه «جمعية أمم للتوثيق» و«دار الجديد» وجمعية «هيا بنا» بملصق يكرر «شُبِّه لنا أنها انتحرت... نحن قتلناها»، هو وفق مدير «أمم» لقمان سليم تذكير بأن هذه الجريمة لا يمكن أن تمر وكأنها لم تحصل، كما يتم العمل على تحضير نشاط خاص في قضية عاليم لأننا لا نكتفي بالبيانات المدرسية التي يكتفي بها حتى في ظل جريمة».
وهو أيضا ما عبّرت عنه «حركة مناهضة العنصرية» التي تنظم الخميس المقبل (29 الجاري) وقفة احتجاجية أمام وزارة العمل، مطالبين بحماية العمال الأجانب في لبنان. ويؤكد علي فخري من الحركة على أن «عدم حماية عاليم أدى بطريقة ما إلى موتها، وهذه الحماية من مسؤولية الدولة التي عليها وضع القوانين اللازمة التي تنظم دور الكفيل ومكاتب استقدام العاملات الأجنبيات وطريقة تعاملهم مع العمال والعاملات».
«النحن» الاتهامية توجه إلى مجتمع قاس لا يتوانى في عنصريته، ولا يخشى التصعيد في مستوياتها، و«النحن» هذه توجه إلى نظام بأكمله منذ لحظة استقدام العاملة الأجنبية من الخارج، إلى وصولها إلى مطار بيروت، إلى الانتظارات في مكاتب الاستقدام، وصولاً إلى العمل لساعات طويلة متواصلة في المنازل وحرمانها من الاتصال مع عائلتها أو ضربها أو إهانتها، إلى ما هنالك من الأفعال والانتهاكات التي ترتكبها «النحن» وتودي بطريقة أو بأخرى لأن يقرر الإنسان المتلقي لهذا التعذيب، وضع حد حياته.
قد تكون قصة عاليم مختلفة، لاسيما أن التقارير تشير إلى معاناتها من «أزمة نفسية حادة»، إنما تبقى المشكلة أن طرق التعامل مع العاملات الأجنبيات في المنازل اللواتي لا يعانين أي مشكلة صحيّة يشوبها خلل عميق، فكيف بالحال إذا بعاملة تعاني من وضع خاص (في حال ثبت ذلك).

لم ينسين

وقد يكون لعاليم وضع خاص، إلا أنها عُنِّفت وهزّت المجتمع اللبناني الذي عاد لينشغل بهمومه اليومية الصغيرة والكبيرة ونسي، إنما هؤلاء العاملات الأثيوبيات اللواتي ينتحبن ويبكين هنا في القداس الذي أقامه «مركز كاريتاس للأجانب» لراحة نفس عاليم، لم ينسين. يتمايلن مع الصلاة والتراتيل الحزينة، يضئن الشموع ويغبن في أفكارهن بعيداً إلى بلاد هجروها ليعودوا إليها ببعض المال لا جثثاً هامدة».
تقول هروتي آلباتشو، الأثيوبية العاملة في الخدمة المنزلية في لبنان منذ 13 عاماً إن «عاليم وجّهت رسالة إلى كل العالم، وبفعل الموت حكت له عن العذاب الذي تتعرض له العاملات في الخدمة المنزلية منذ اللحظة التي تدوس فيها أقدامهن التراب اللبنانية». تدرك آلباتشو أن هناك تحسينات طفيفة في المعاملة وفي غرفة الاستقبال في المطار، إنما هذا لا يخفف غضبها، «فنحن نُضرب لأننا لا نفهم لغتكم، ولا نتقن الأعمال المنزلية كما تفعلون، ولا نطبخ المأكولات اللبنانية، ولأننا نتأفف لعملنا لساعات طويلة في بيت مخدومنا ثم في بيت ابنته وبعدها في بيت ابنه ولاحقا شركته».
تشكك الناشطة والمترجمة الأثيوبية كوبيت بركات، التي زارت عاليم في مركز المعالجة في «مستشفى دير الصليب» قبل وفاتها بأيام قليلة، «في أن تكون عاليم قد قتلت نفسها». تقول: «كنت حاضرة في أثناء مقابلة الطبيب لها، وسألها عن تاريخ عائلتها والأمراض فيها وحقق معها في امكان إيذائها نفسها بأي طريقة، وكانت ترد بالنفي مؤكدة أنها لا تفكر في الانتحار أبداً».
«كانت لعاليم أحلام وطموحات، ومخططات للعمل إلا أن كل ما حصلت عليه هو الألم، وهي مثال الأم التي قدّمت التضحية الأكبر»،وفق رئيس لجنة مركز الأجانب في «كاريتاس لبنان» كمال سيوفي.
وتوجه رئيس «كاريتاس لبنان» الأب سيمون فضول إلى الدولة اللبنانية والسفارات والجهات المعنية لضرورة تنظيم عمل العمال الأجانب في لبنان ووضع قانون يحترم حقوقهم ويحدد واجباتهم. ووجه نداء إلى «أصحاب مكاتب استقدام الخدم بضرورة احترام هؤلاء العمّال»، معتبراً أن «لا شك في أن هناك بُعداً ربحياً لهذا العمل، إنما هؤلاء بشر ولهم حقوق ومشاعر ولا يمكن لهذا العمل أن يكون كتجارة الرقيق». وذكر بأن «في لبنان أسراً وأفراداً ينصفون العمّال ويجدون الطريقة الأمثل لمعاملتهم، إنما هناك في المقابل عنصرية من البعض الآخر».
«ما حصل لعاليم، لم يكن حادثة أولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة»، هذا ما يخشاه الأب يوناس ديستا. ويقول: «لا بد أن يتوقف هذا النزيف، إذ لا يمكن أن نكون في القرن الواحد والعشرين ولا يملك بشر حريتهم، ولا يملكون الحق في أن يحتفظوا بجوازات سفرهم وحرية تنقلهم. هذا ظلم ولنا الحق في رفع الصوت والاعتصام ضده».

15.3.12

يرسم الربيع العربي وقضية فلسطين ويبحث عن جذوره اللبنانية: كارلوس لطوف: لا أرسم نضال بلد وأغض عن بلد آخر




















جهينة خالدية


نٌُشر في جريدة السفير

الخميس 15-3-2012

لم يزر رسام الكاريكاتير البرازيلي كارلوس لطوف يوما، أيّا من الدول العربية التي اندلعت فيها ثورات شعبية. لم يرَ في حياته مصر أو ليبيا أو البحرين أو تونس أو سوريا أو اليمن، لكنه «كان» هناك بعشرات من رسوماته التي نزلت قبله إلى الساحات والميادين ورُفعت في الاعتصامات والاحتجاجات الشعبية.


يتمتع لطوف بقدرة لافتة على تصوير عمق الحدث الذي يرسم عنه، ويبدو كأنه في وسط الساحات والميادين، ويُظهر الحوار معه ما يحمله من مخزون ثقافي وقراءة سياسية للشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي.
تحكي المقابلة التي أجرتها «السفير» مع لطوف في الحمراء في بيروت، عن رسام في بداية الأربعينيات من عمره، امتهن الرسم منذ العام 1989، وحوله العمل في صحف اتحاد التجار اليساريين إلى يساري يرسم الكاريكاتير السياسي ويقاتل على طريقته لعدالة اجتماعية ولقضايا حقوقية.
لطوف الذي عشق القضية الفلسطينية رسم لأجلها عشرات الرسوم، وانتقد حروبا واتفاقيات سياسية دولية عقدت لمصالح اقتصادية. وتابع «الربيع العربي» بأحداثه اليومية وبرسومات لامست جوهر الاحتجاجات الشعبية، على الرغم من أنه يعرف أن «الربيع العربي ليس واحداً في كل البلدان العربية».
يزور لطوف لبنان مشاركاً في «أسبوع الفصل العنصري ومقاومة الاستعمار» الذي يُنظمه «النادي الثقافي الفلسطيني» في الجامعة الأميركية في بيروت وكانت له مساء الأربعاء محاضرة فيها عن «الفن والمقاومة». ويحكي عن «دور الكاريكاتير في نشر الوعي حول الأحداث السياسية، والكشف عن ديكتاتوريات وحروب تُرتكب لمصالح سياسية اقتصادية بحتة، وتشكيله أداة نقدية حادة ومباشرة».
هو الذي تناول كلّ هذه القضايا عبر إنتاج غزير قد يصل إلى خمس رسومات في اليوم الواحد، من دون أن ينطق بكلمة. بل كان قلمه وأفكاره تنجز ما لديه ليقوله مباشرة على الورق وبسرعة البرق تنتشر في فضاء الإنترنت ومنه إلى الساحات متخطية كل المسافات بين البلدان وأي ضوابط أو حواجز تتعلق بسياسات النشر وأجندات وسائل الإعلام التقليدية. وهو الذي سجن ثلاث مرات «بسبب رسومي حول عنف رجال الشرطة في البرازيل».

جدي نجيب

هي المرة الثانية التي يزور لطوف فيها لبنان، ولديه هنا أحلام ومشاريع كثيرة، بينها البحث عن جذوره اللبنانية الأصل انطلاقا من النزر القليل الذي يملكه من المعلومات حول أقرباء جده لأمه نجيب لطوف الذي هاجر إلى البرازيل منذ سنين طويلة وتزوج بجدته البرازيلية ولا يذكر إلا رسائل كانت تتلقاها أمه من قريبة اسمها جورجيت. وإلى أن يتسنى له أن يلتقط طرف أي خيط في هذا «المشروع» يمشي في شوارع العاصمة بيروت متأملاً ناسها ومبانيها وأرصفتها وسياراتها أو يزور مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت، حيث من المفترض أن يرسم يوم الجمعة على أحد جدرانه.
يقول لطوف «ليس صعباً أن يلاحظ المرء أن الحرب ما زالت هنا، في شوارع بيروت، وفي بعض مبانيها، وفي سرديات وأحاديث ناسها. الآن بت أفهم أكثر ما يقوله أصدقائي عن كون الحرب لم تنته، وعن «الهدنة» الطويلة أو التهدئة التي يعيشها اللبنانيون بين حرب مضت وأخرى مقبلة». يحكي جملته هذه، متذكرا «ناجي العلي ورسومه عن فلسطين والقضية الفلسطينية الذي أعجبت بأعماله كثيرا».

أنا... فلسطيني

هنا في أحد مقاهي العاصمة، يروي لطوف علاقته بالعالم العربي التي بدأت من فلسطين التي زارها في العام 1999، حيث تنقل بين مختلف المدن. يقول إنه بعدها أنجز سلسلة من الرسومات دفعت منظمات وأفرادا يهودا وإسرائيليين إلى انتقاد أعماله واتهامه بالمعاداة للسامية، وكانت هناك تحركات لمقاضاته على سلسلة رسوماته «كلنا فلسطينيون»، التي تصور أفرادا من شعوب مضطهدة في العام يكررون «أنا فلسطيني» وبين هؤلاء التبتيون في الصين والسود في جنوب إفريقيا والفيتناميون واليهود في غيتو وارسو.
لا يبذل الرجل جهداً كبيراً لدفاع عن نفسه أو لشرح موقفه السياسي «لا لبس بالنسبة لي بين العدو والصديق، أنا أقف أمام القضية الفلسطينية على أنها «القضية»، هي الأساس وهي الأكثر تعقيداً في العالم، ولأجلها أرسم. علما بأن كل ما ينشره لطوف خارج صحف الاتحاد، عبر الانترنت والمدونات بشكل مجاني ويحق لمن يريد استخدامه شرط ذكر المصدر.

لكل بلد ربيعه

قد لا يكون هناك أي رئيس في العالم «زمط» من رسومات لطوف الساخرة، وقد لا تكون هناك قضية عالمية رئيسية إلا وتجسدت في رسومات لطوف، من فلسطين إلى احتلال أميركا للعراق وأفغانستان إلى الثورات العربية إلى اليسار إلى قمع الحريات والعنف إلى النفط وسياسات الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي..
إلا أن الانتفاضات والثورات في العالم العربي نالت القسم الأكبر من أعماله في السنتين الأخيرتين، وحازت رواجا منقطع النظير، ودفعت أعماله المتضامنة مع الثورة المصرية والمتطرقة إلى أحداثها بشكل يومي ونتائجها إلى اعتقاد البعض بأن أصوله مصرية. يقول لطوف إنه «ما كان بإمكانه أن يكون بعيداً عن هذه الانتفاضات على الرغم من أنه بات مع مرور الوقت يعرف أن «الربيع العربي ليس واحدا في البلدان التي يزهر فيها، إذ لكل بلد ربيعه، ولكل بلد خصوصيته، ولكل بلد خصومه وحلفاؤه». من هنا يضيف لطوف انه «من الصحيح أن الشعوب توحدت وراء هدف واحد وهو الحرية أساساً، ومن ثم الديموقراطية وإسقاط الأنظمة الفاسدة، إنما هذا لا يعني أن باقي العالم العربي والعالم تفاعل وتعامل مع كل ثورة بالطريقة عينها، بل قارن كلا منها وفق الأجندات السياسية الإقليمية والعالمية، والمصالح الاقتصادية في كل بلد. إذ بالنسبة للبعض لا ثورة في البحرين واليمن وبالنسبة للبعض الآخر لا ثورة في سوريا». تبقى المشكلة برأي لطوف هي «خطف الغرب والأميركيين للثورات العربية، والتدخل فيها وفقا لمصالحهم، بحيث رأينا قراءة واحدة للأحداث، فعلى سبيل المثال هناك حكم ديكتاتوري في سوريا وهذا أمر لا لبس فيه، وهناك دماء تسفك، إنما يتم التركيز على هذه النقطة فقط من دون قراءة لواقع المعارضة وعلاقاتها الملتبسة بالغرب».
تخطى لطوف هذه القراءات المجتزأة للثورات، «فعبرت عن غضبي المطلق برسوماتي وكنت من خلالها أكرس الكاريكاتير كنموذج ثوري أيضا أغذيه بمتابعتي الدائمة ولحظة بلحظة للأحداث على الأرض عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقراءة يومية لصحف عالمية ومحلية». ويعود لطوف ليوضح «بالمقابل ما كان بالإمكان أن انجاز رسم للعدالة والإنسانية في بلد وغض الطرف عنها في بلد آخر، لهذا رسم عن الجرائم التي تُرتكب من السلطة بحق الأبرياء من الشعب السوري، ورسم قمع المعارضة في البحرين، تماما كما تعامل مع ثورات الشعوب في مصر وليبيا وتونس، إنما في المقابل يتعامل الإعلام العالمي والعربي مع رسومي كل بحسب أجندته، إذ تنشر قنوات وصحف رسوما عن مصر لأنها تخدم «قضيتها»، فيما تحجب تلك عن سوريا أو البحرين على سبيل المثال لا الحصر».

جهينة خالدية

13.3.12

"بدنا نعرف" يروي حرباً أصبحت من الماضي لكن لا مفر من روايتها


جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
13-13-2012

لا رواية واحدة للحرب ولا رواية واحدة للتاريخ. الماضي اللبناني، ما زال حاضرا بثقله، وبهواجسه و«أبطاله». وعنف الماضي، لم «ُيفرّغ» ولم «يُناقش» ولم يُرو بالكثافة التي يمكن أن تنشر وعياً عاما حول عواقبه.
من هذا «النقص» ومن هذه الحاجة الملحة ولد مشروع «بدنا نعرف» المتمثل بموقع الكتروني يعرض عشرات الروايات عن الحرب. روايات ينقلها نحو أربعين طالبا من اثنتي عشرة مدرسة في بيروت الكبرى، عبر تقنية التاريخ الشفوي، ليكوّنوا أرشيفاً من السرديات المرتكزة على التجارب الإنسانية أثناء الحرب.
أنشأ الموقع، الذي انطلق العمل عليه في نهاية العام 2010، المركز الدولي للعدالة الانتقالية و«أمم» للتوثيق والأبحاث، وجامعة القديس يوسف (وحدة الذاكرة في مركز دراسات العالم العربي المعاصر). ولا يقتصرالمشروع على الموقع الالكتروني، بل هو جزء من مشروع أكبر حول «حوار الأجيال حول الحياة اليومية للحرب الأهلية» الذي يموله الاتحاد الأوروبي وسفارة سويسرا في لبنان. ويمكن لمن يتصفح الموقع ويغرق في قراءة الشهادات المدرجة فيه أن يقدر حجم الجهد المبذول على مدى أقل من سنتين من العمل المتواصل. ويساعد تقسيم الموقع وتصميمه على معرفة مراحل المشروع كافة، والجهات المشاركة فيه، والأهم الاطلاع على مقتطفات من شهادات المواطنين عن يوميات الحرب. كذلك تتصدر صفحته الأولى مقاطع «فيديو» تنقل آراء المنظمين والأساتذة والطلاب بالمشروع، وتأثيره عليهم أثناء إجراء المقابلات وتفريغها، وما تركته التجربة من أثر في نفوسهم، ومن كره متزايد للحرب.
خرق جدار الصمت
أبصر المشروع - الموقع النور يوم السبت الماضي، وهو برأي المنظمين «طرقة على جدار الصمت المطبق»، وبحسب مقدمة الموقع: «ربما هي «طرقة» خافتة، لكن خفوتها لا يقلل من كونها طرقة». فالموقع يفتح الباب أمام جيل الراشدين «للتفكر في «الإرث» الذي يودون تركه لأولادهم، كما يفتح الباب أمام الجيل الأفتى ليتعرف إلى الماضي من خلال تجربة أشخاص حميمين، وللمباشرة بتصور المستقبل خارج أسوار الأفكار المسبقة». وتوضح المقدمة أن «العمل انطلق من أعوام الحروب التي اندلعت في لبنان على مدى أكثر من 15 سنة، بما فيها الحروب والصراعات المدمرة مع إسرائيل، وسلسلة من الاغتيالات المسددة، فضلاً عن صدامات داخلية لا تُعدّ ولا تُحصى».
وتلفت مديرة برنامج لبنان في «المركز الدولي للعدالة الانتقالية» كارمن أبو جودة إلى أنه «يُراد للموقع أن يكون حيوياً وأن يستمر في جمع القصص والتجارب المتعلقة بالحياة خلال فترات الحرب، لهذا سيستكمل جمع الشهادات، ويمكن أن يكون برنامجا نموذجيا يمكن تطبيقه في كل مدارس لبنان بالتعاون مع وزارة التربية». وتكشف ابو جودة أنه تم إعداد فيلم وثائقي عن المشروع من اخراج كارول منصور، ويوضع أيضاً في تصرف اساتذة المدارس لاستخدامه كأداة تعليمية وتربوية». ومن جهة ثانية «يتم العمل الآن مع طلاب الجامعات لجمع معلومات حول مفقودين خلال الحرب اللبنانية، وكذلك يتم التعاون مع مركز «الجنى» مع طلاب وشباب فلسطينيين ليجمعوا شهادات حول معاناة الفلسطينيين في لبنان خلال الحرب عينها».
وتشرح أبو جودة أنه «خلال العمل على موقع «بدنا نعرف»، عمل الطلاب تحت إشراف أساتذتهم، بعد أن خضع كل من المعلمين والطلاب لدورات تدريبية حول التاريخ الشفوي. ومن ثم أجرى الطلاب أكثر من مئة مقابلة مسجلة صوتيا مع أشخاص من البيئة المحيطة حول التجارب الاجتماعية والانسانية خلال الحرب الأهلية، وهذه الشهادات تم تفريغها كتابيا،ً ثم جعلت المادة المكتوبة مفتوحة للاستخدام من قبل كل من يهمه الأمر». وتلفت أبو جودة إلى أن المشروع يهدف أساساً إلى «تسهيل الحوار والتفاعل بين الأجيال اللبنانية في مناخ مأمون، وإلى زيادة وعي الشباب حول موضوع العنف السياسي وما ترتّب عليه من عواقب، ونشر ما كان من أثر للحرب على الذين عاصروها، وأرشفة كل هذه الروايات، ويوميات الحرب».


الموقع الإلكتروني «بدنا نعرف» على العنوان

www.badnanaaref.org


العيش "على أمل عودتهم

في الحرب، وبعدها، هناك من عاش على أمل وحيد لا ثاني له: أن تنتهي الحرب عندما يكبرون وأن يعود اليهم من فُقد أو قتل في الحرب. بين هؤلاء الطفل الذي كان في عمر التسعة أشهر عندما فقد سبعة عشر فرداً من عائلته، من بينهم والده الذي اختطف، بينما قتل أخوه جراء رصاصة في رأسه، وهو في طريقه لتعبئة الماء لعائلته، عندها كان يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً".


لم يكن هذا الطفل، يعي ما يجري، إلا أن ذكرياته لهذه الفترة مبنية على روايات والدته التي فقدت زوجها وطفلها وكان عليها أن تعيل أحد عشر ولداً في ظروف الحرب القاسية. وازداد الوضع سوءًا، بعدما فقد أختين توفيتا بسبب انتشار الأمراض وعدم توفر الرعاية الصحية اللازمة إثر إصابتهما بالحصبة الألمانية.
شهادة الشاب عن الحرب، تروي ما روته أمه له عندما "تمت مهاجمة المخيم، وقد فصلوا النساء عن الرجال، وتم نقل النساء بواسطة شاحنات إلى مناطق أخرى. كانت والدته وشقيقاته على متن إحدى هذه الشاحنات. فقدت والدته وعيها الكامل بعد خسارة زوجها فضلاً عن معاناتها النفسية بسبب الحرب والفقر. في ظل هذه الظروف، كانت على وشك رمي شقيقته المريضة من الشاحنة كي توفر عليها عذاب المرض والحياة القاسية".
يقول الشاب إن "أمه عاشت على أمل رجوع والده، ولم تتقبل اختفاءه يوما وما زالت تبحث عنه حتى اليوم رغم تضارب المعلومات عن مكان وجوده، وما إذا كان لا يزال على قيد الحياة. كما بقيت جدته تبكي على ابنها المفقود حتى يوم مماتها".

10.3.12

المرأة في السلطتين التنفيذية والاشتراعية: بديلة وموقتة يُطاح بها

جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
السبت 10-3-2012
تطول لائحة العقبات والذرائع التي توضع أمام مشاريع قوانين تنصف المرأة. وتكثر المنافذ التي يطل منها أمراء الطوائف، لمنع تكريس العدالة الاجتماعية، وللحدّ من وصول المرأة إلى السلطة التنفيذية والاشتراعية، وليقولوا لها: اقبعي حيث أنت كمواطنة درجة ثانية.

يُقدم النظام اللبناني من دون تأنيب ضمير، ومن دون تردد، على ظلم المرأة وتهميش تحركاتها المطلبية، وإدانة قضاء يحاول أن ينصفها بالنص القانوني وبرسالة العدالة. الأفعال يُذكر بها في ندوات في شأن انتهاكات ترتكب يومياً في حق المرأة، وباسم القانون، وهو ما عُرض في ندوة «غياب المرأة عن السلطتين التنفيذية والاشتراعية»، في «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، بمشاركة القاضي جوني قزي والدكتورة ماري ناصيف الدبس.

الطائفة أولا

«فلترشحها طائفتها للانتخابات، وأنا على أتم الاستعداد لضمها إلى لائحتنا الانتخابية»، الجملة هذه، قالها «مسؤول أساسي» في الدولة اللبنانية في شأن ضم رئيسة «المجلس النسائي اللبناني» آنذاك ليندا مطر إلى لائحته في انتخابات العام 1996، وكانت مطر مرشحة منفردة لأحد المقاعد النيابية في بيروت.
تُذكر الدكتورة الدبس بهذا المثال في مقدمة مداخلتها لتوضح كيف يقوم النظام اللبناني المولود في كنف الاستعمار بإعادة انتاج نفسه من خلال وجوه محددة من الآباء والأبناء والأحفاد، ليس للمرأة البرجوازية - مع استثناءات طفيفة - موقع ضمن إطارها». وتعتبر أن «المرأة، في عرف أمراء الطوائف والمنصّبين على عروشها، هامشية لا دور لها خارج بعض المواقع الاقتصادية والاجتماعية والإدارية غير المؤثرة في القرار».
لكن، كيف حافظ هذا النظام على نفسه وسط ضمانات كرست استمراره؟ تشير الدبس إلى أن «النظام قام بعدد من التنازلات الجوهرية لتكريس انقسام المجتمع إلى دويلات طائفية يعيش فيها رعايا، لا مواطنون. وقدم ضمانات تحت عنوان: تأمين مبدأ الانسجام بين الدين والدولة في مجالات ثلاثة تشكل وحدة مترابطة هي: الأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني».
وعلى الرغم من كل هذه المخالفات، ألم تصل المرأة إلى السلطتين التنفيذية والاشتراعية؟ تجيب الدبس بأنه «من اللافت أن غالبية النساء اللواتي وصلن إلى السلطتين التنفيذية والاشتراعية منذ ستينيات القرن الماضي لم يكنّ سوى بديلات موقتات سرعان ما أطيح بالعديد منهن ليتسلم البديل الأصيل السلطة».
القاضي.. إنسان
يصعب أن تُنسى أنسنة القاضي جوني قزي للنصوص القانونية، فهو الذي أصدر الحكم في حق اللبنانية سميرة سويدان المتزوجة من أجنبي، منح جنسيتها إلى أولادها، ليُطعن في القرار لاحقاً.
هنا، يذّكر قزي، بأنه «لا يمكن التعامل مع النصوص القانونية كما هي، ولوا كانت هناك حاجة إلى دور القاضي كإنسان، لكانت المحاكم سُلمت إلى رجال آليين». ويؤكد قزي حق الأم اللبنانية منح أولادها جنسيتها، و«حق المرأة الأجنبية منح الجنسية اللبنانية إلى أولادها الأجانب من رجل أجنبي، بعد زواجها برجل لبناني». ويشرح قزي المادة الرابعة من قانون الجنسية، التي
تنص على أن «المرأة الأجنبية التي كانت متزوجة برجل أجنبي ولها منه أولاد قاصرون أجانب، ثم تزوجت برجل لبناني بعد وفاة زوجها الأجنبي ومرور عام على وفاته، لها حق تجنيس أولادها الأجانب القاصرين». وتوقف قزي أمام هذا النص ليقول إنه «ما دام النص اعطى هذا الحق إلى المرأة الأجنبية، فمن الأولى إعطاء المرأة اللبنانية الجنسية اللبنانية إلى أودلاها، وبهذا الاستنتاج لا أكون أخرج عن النص القانوني أو أضيف إليه، بل أكون أفسره، إذ لا أجد نصاً قانونياً يمنع المرأة اللبنانية اعطاء الجنسية إلى أولادها، وانطلاقا من مبدأ أنه لا مشترع في العالم يميز الأجنبي على حساب المواطن، ومن أن الصمت الاشتراعي الذي توسله المشترع، توسله في هذه الحالة، يأتي من أن المشترع اعتبر أن لا لزوم لأن ينصف المرأة، لأنه حكماً لديها هذا الحق».
تابع: «وفي المادة الثانية يقول القانون إن الولد غير الشرعي الذي تثبت بنوته وهو قاصر يتخذ التابعية اللبنانية إذا كان أحد والديه لبنانياً». وفي هذه الحالة يساوي القانون للمرة الأولى والوحيدة بين المرأة والرجل لجهة حقهما في منح الجنسية إلى أولادهما، إنما في الوقت عينه يكون يشرع للأم أن تعطي الجنسية إلى ولدها فحسب إذا كان غير شرعي!». ويروي واقعة جرت عندما كان رئيساً للمحكمة الابتدائية في جديدة المتن وإبان إصداره حكم الجنسية، حيث زارته مواطنة لبنانية متزوجة مدنياً من رجل أميركي ولها منه ولدان لتقول له: «أشكرك لأنك بهذا الحكم أعدت لي كرامتي، إنما في واقع الأمر في حالتي لم احتج إلى حكمك لأسجل أولادي، إذ عدت إلى لبنان ولم أصرح عن زواجي المدني في أميركا وسجلت ولدي على اعتبارهما ولدين غير شرعيين وأعطيتهما الجنسية اللبنانية».

ينتقد قزي التغيير الذي يجرى مشروع قانون حماية المرأة من العنف الأسري: «فتحت حجة حماية الأسرة كلها تغير عنوان القانون، وبات حماية العائلة من العنف الأسري». يضيف «عندما عملنا على وضع مشروع القانون، كنا نستهدف الفرد المهدد في الأسرة وهو المرأة، لا الرجل المحمي في مجتمع ذكوري، علما بأن ذكورية المجتمع لا تأتي من رجاله فحسب، بل إن بعض النساء أكثر ذكورية من الرجال. أما الطفل فله قانون الأحداث يحميه». أعطونا عنواناً براقاً للقانون، في حين أنني كنت ممن كتبوا القانون، ولم يسألني أحد يوماً من اللجنة المعنية مناقشته، عن أسباب كتابة القانون».