13.3.12

"بدنا نعرف" يروي حرباً أصبحت من الماضي لكن لا مفر من روايتها


جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
13-13-2012

لا رواية واحدة للحرب ولا رواية واحدة للتاريخ. الماضي اللبناني، ما زال حاضرا بثقله، وبهواجسه و«أبطاله». وعنف الماضي، لم «ُيفرّغ» ولم «يُناقش» ولم يُرو بالكثافة التي يمكن أن تنشر وعياً عاما حول عواقبه.
من هذا «النقص» ومن هذه الحاجة الملحة ولد مشروع «بدنا نعرف» المتمثل بموقع الكتروني يعرض عشرات الروايات عن الحرب. روايات ينقلها نحو أربعين طالبا من اثنتي عشرة مدرسة في بيروت الكبرى، عبر تقنية التاريخ الشفوي، ليكوّنوا أرشيفاً من السرديات المرتكزة على التجارب الإنسانية أثناء الحرب.
أنشأ الموقع، الذي انطلق العمل عليه في نهاية العام 2010، المركز الدولي للعدالة الانتقالية و«أمم» للتوثيق والأبحاث، وجامعة القديس يوسف (وحدة الذاكرة في مركز دراسات العالم العربي المعاصر). ولا يقتصرالمشروع على الموقع الالكتروني، بل هو جزء من مشروع أكبر حول «حوار الأجيال حول الحياة اليومية للحرب الأهلية» الذي يموله الاتحاد الأوروبي وسفارة سويسرا في لبنان. ويمكن لمن يتصفح الموقع ويغرق في قراءة الشهادات المدرجة فيه أن يقدر حجم الجهد المبذول على مدى أقل من سنتين من العمل المتواصل. ويساعد تقسيم الموقع وتصميمه على معرفة مراحل المشروع كافة، والجهات المشاركة فيه، والأهم الاطلاع على مقتطفات من شهادات المواطنين عن يوميات الحرب. كذلك تتصدر صفحته الأولى مقاطع «فيديو» تنقل آراء المنظمين والأساتذة والطلاب بالمشروع، وتأثيره عليهم أثناء إجراء المقابلات وتفريغها، وما تركته التجربة من أثر في نفوسهم، ومن كره متزايد للحرب.
خرق جدار الصمت
أبصر المشروع - الموقع النور يوم السبت الماضي، وهو برأي المنظمين «طرقة على جدار الصمت المطبق»، وبحسب مقدمة الموقع: «ربما هي «طرقة» خافتة، لكن خفوتها لا يقلل من كونها طرقة». فالموقع يفتح الباب أمام جيل الراشدين «للتفكر في «الإرث» الذي يودون تركه لأولادهم، كما يفتح الباب أمام الجيل الأفتى ليتعرف إلى الماضي من خلال تجربة أشخاص حميمين، وللمباشرة بتصور المستقبل خارج أسوار الأفكار المسبقة». وتوضح المقدمة أن «العمل انطلق من أعوام الحروب التي اندلعت في لبنان على مدى أكثر من 15 سنة، بما فيها الحروب والصراعات المدمرة مع إسرائيل، وسلسلة من الاغتيالات المسددة، فضلاً عن صدامات داخلية لا تُعدّ ولا تُحصى».
وتلفت مديرة برنامج لبنان في «المركز الدولي للعدالة الانتقالية» كارمن أبو جودة إلى أنه «يُراد للموقع أن يكون حيوياً وأن يستمر في جمع القصص والتجارب المتعلقة بالحياة خلال فترات الحرب، لهذا سيستكمل جمع الشهادات، ويمكن أن يكون برنامجا نموذجيا يمكن تطبيقه في كل مدارس لبنان بالتعاون مع وزارة التربية». وتكشف ابو جودة أنه تم إعداد فيلم وثائقي عن المشروع من اخراج كارول منصور، ويوضع أيضاً في تصرف اساتذة المدارس لاستخدامه كأداة تعليمية وتربوية». ومن جهة ثانية «يتم العمل الآن مع طلاب الجامعات لجمع معلومات حول مفقودين خلال الحرب اللبنانية، وكذلك يتم التعاون مع مركز «الجنى» مع طلاب وشباب فلسطينيين ليجمعوا شهادات حول معاناة الفلسطينيين في لبنان خلال الحرب عينها».
وتشرح أبو جودة أنه «خلال العمل على موقع «بدنا نعرف»، عمل الطلاب تحت إشراف أساتذتهم، بعد أن خضع كل من المعلمين والطلاب لدورات تدريبية حول التاريخ الشفوي. ومن ثم أجرى الطلاب أكثر من مئة مقابلة مسجلة صوتيا مع أشخاص من البيئة المحيطة حول التجارب الاجتماعية والانسانية خلال الحرب الأهلية، وهذه الشهادات تم تفريغها كتابيا،ً ثم جعلت المادة المكتوبة مفتوحة للاستخدام من قبل كل من يهمه الأمر». وتلفت أبو جودة إلى أن المشروع يهدف أساساً إلى «تسهيل الحوار والتفاعل بين الأجيال اللبنانية في مناخ مأمون، وإلى زيادة وعي الشباب حول موضوع العنف السياسي وما ترتّب عليه من عواقب، ونشر ما كان من أثر للحرب على الذين عاصروها، وأرشفة كل هذه الروايات، ويوميات الحرب».


الموقع الإلكتروني «بدنا نعرف» على العنوان

www.badnanaaref.org


العيش "على أمل عودتهم

في الحرب، وبعدها، هناك من عاش على أمل وحيد لا ثاني له: أن تنتهي الحرب عندما يكبرون وأن يعود اليهم من فُقد أو قتل في الحرب. بين هؤلاء الطفل الذي كان في عمر التسعة أشهر عندما فقد سبعة عشر فرداً من عائلته، من بينهم والده الذي اختطف، بينما قتل أخوه جراء رصاصة في رأسه، وهو في طريقه لتعبئة الماء لعائلته، عندها كان يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً".


لم يكن هذا الطفل، يعي ما يجري، إلا أن ذكرياته لهذه الفترة مبنية على روايات والدته التي فقدت زوجها وطفلها وكان عليها أن تعيل أحد عشر ولداً في ظروف الحرب القاسية. وازداد الوضع سوءًا، بعدما فقد أختين توفيتا بسبب انتشار الأمراض وعدم توفر الرعاية الصحية اللازمة إثر إصابتهما بالحصبة الألمانية.
شهادة الشاب عن الحرب، تروي ما روته أمه له عندما "تمت مهاجمة المخيم، وقد فصلوا النساء عن الرجال، وتم نقل النساء بواسطة شاحنات إلى مناطق أخرى. كانت والدته وشقيقاته على متن إحدى هذه الشاحنات. فقدت والدته وعيها الكامل بعد خسارة زوجها فضلاً عن معاناتها النفسية بسبب الحرب والفقر. في ظل هذه الظروف، كانت على وشك رمي شقيقته المريضة من الشاحنة كي توفر عليها عذاب المرض والحياة القاسية".
يقول الشاب إن "أمه عاشت على أمل رجوع والده، ولم تتقبل اختفاءه يوما وما زالت تبحث عنه حتى اليوم رغم تضارب المعلومات عن مكان وجوده، وما إذا كان لا يزال على قيد الحياة. كما بقيت جدته تبكي على ابنها المفقود حتى يوم مماتها".

ليست هناك تعليقات: