15.3.12

يرسم الربيع العربي وقضية فلسطين ويبحث عن جذوره اللبنانية: كارلوس لطوف: لا أرسم نضال بلد وأغض عن بلد آخر




















جهينة خالدية


نٌُشر في جريدة السفير

الخميس 15-3-2012

لم يزر رسام الكاريكاتير البرازيلي كارلوس لطوف يوما، أيّا من الدول العربية التي اندلعت فيها ثورات شعبية. لم يرَ في حياته مصر أو ليبيا أو البحرين أو تونس أو سوريا أو اليمن، لكنه «كان» هناك بعشرات من رسوماته التي نزلت قبله إلى الساحات والميادين ورُفعت في الاعتصامات والاحتجاجات الشعبية.


يتمتع لطوف بقدرة لافتة على تصوير عمق الحدث الذي يرسم عنه، ويبدو كأنه في وسط الساحات والميادين، ويُظهر الحوار معه ما يحمله من مخزون ثقافي وقراءة سياسية للشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي.
تحكي المقابلة التي أجرتها «السفير» مع لطوف في الحمراء في بيروت، عن رسام في بداية الأربعينيات من عمره، امتهن الرسم منذ العام 1989، وحوله العمل في صحف اتحاد التجار اليساريين إلى يساري يرسم الكاريكاتير السياسي ويقاتل على طريقته لعدالة اجتماعية ولقضايا حقوقية.
لطوف الذي عشق القضية الفلسطينية رسم لأجلها عشرات الرسوم، وانتقد حروبا واتفاقيات سياسية دولية عقدت لمصالح اقتصادية. وتابع «الربيع العربي» بأحداثه اليومية وبرسومات لامست جوهر الاحتجاجات الشعبية، على الرغم من أنه يعرف أن «الربيع العربي ليس واحداً في كل البلدان العربية».
يزور لطوف لبنان مشاركاً في «أسبوع الفصل العنصري ومقاومة الاستعمار» الذي يُنظمه «النادي الثقافي الفلسطيني» في الجامعة الأميركية في بيروت وكانت له مساء الأربعاء محاضرة فيها عن «الفن والمقاومة». ويحكي عن «دور الكاريكاتير في نشر الوعي حول الأحداث السياسية، والكشف عن ديكتاتوريات وحروب تُرتكب لمصالح سياسية اقتصادية بحتة، وتشكيله أداة نقدية حادة ومباشرة».
هو الذي تناول كلّ هذه القضايا عبر إنتاج غزير قد يصل إلى خمس رسومات في اليوم الواحد، من دون أن ينطق بكلمة. بل كان قلمه وأفكاره تنجز ما لديه ليقوله مباشرة على الورق وبسرعة البرق تنتشر في فضاء الإنترنت ومنه إلى الساحات متخطية كل المسافات بين البلدان وأي ضوابط أو حواجز تتعلق بسياسات النشر وأجندات وسائل الإعلام التقليدية. وهو الذي سجن ثلاث مرات «بسبب رسومي حول عنف رجال الشرطة في البرازيل».

جدي نجيب

هي المرة الثانية التي يزور لطوف فيها لبنان، ولديه هنا أحلام ومشاريع كثيرة، بينها البحث عن جذوره اللبنانية الأصل انطلاقا من النزر القليل الذي يملكه من المعلومات حول أقرباء جده لأمه نجيب لطوف الذي هاجر إلى البرازيل منذ سنين طويلة وتزوج بجدته البرازيلية ولا يذكر إلا رسائل كانت تتلقاها أمه من قريبة اسمها جورجيت. وإلى أن يتسنى له أن يلتقط طرف أي خيط في هذا «المشروع» يمشي في شوارع العاصمة بيروت متأملاً ناسها ومبانيها وأرصفتها وسياراتها أو يزور مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين في بيروت، حيث من المفترض أن يرسم يوم الجمعة على أحد جدرانه.
يقول لطوف «ليس صعباً أن يلاحظ المرء أن الحرب ما زالت هنا، في شوارع بيروت، وفي بعض مبانيها، وفي سرديات وأحاديث ناسها. الآن بت أفهم أكثر ما يقوله أصدقائي عن كون الحرب لم تنته، وعن «الهدنة» الطويلة أو التهدئة التي يعيشها اللبنانيون بين حرب مضت وأخرى مقبلة». يحكي جملته هذه، متذكرا «ناجي العلي ورسومه عن فلسطين والقضية الفلسطينية الذي أعجبت بأعماله كثيرا».

أنا... فلسطيني

هنا في أحد مقاهي العاصمة، يروي لطوف علاقته بالعالم العربي التي بدأت من فلسطين التي زارها في العام 1999، حيث تنقل بين مختلف المدن. يقول إنه بعدها أنجز سلسلة من الرسومات دفعت منظمات وأفرادا يهودا وإسرائيليين إلى انتقاد أعماله واتهامه بالمعاداة للسامية، وكانت هناك تحركات لمقاضاته على سلسلة رسوماته «كلنا فلسطينيون»، التي تصور أفرادا من شعوب مضطهدة في العام يكررون «أنا فلسطيني» وبين هؤلاء التبتيون في الصين والسود في جنوب إفريقيا والفيتناميون واليهود في غيتو وارسو.
لا يبذل الرجل جهداً كبيراً لدفاع عن نفسه أو لشرح موقفه السياسي «لا لبس بالنسبة لي بين العدو والصديق، أنا أقف أمام القضية الفلسطينية على أنها «القضية»، هي الأساس وهي الأكثر تعقيداً في العالم، ولأجلها أرسم. علما بأن كل ما ينشره لطوف خارج صحف الاتحاد، عبر الانترنت والمدونات بشكل مجاني ويحق لمن يريد استخدامه شرط ذكر المصدر.

لكل بلد ربيعه

قد لا يكون هناك أي رئيس في العالم «زمط» من رسومات لطوف الساخرة، وقد لا تكون هناك قضية عالمية رئيسية إلا وتجسدت في رسومات لطوف، من فلسطين إلى احتلال أميركا للعراق وأفغانستان إلى الثورات العربية إلى اليسار إلى قمع الحريات والعنف إلى النفط وسياسات الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي..
إلا أن الانتفاضات والثورات في العالم العربي نالت القسم الأكبر من أعماله في السنتين الأخيرتين، وحازت رواجا منقطع النظير، ودفعت أعماله المتضامنة مع الثورة المصرية والمتطرقة إلى أحداثها بشكل يومي ونتائجها إلى اعتقاد البعض بأن أصوله مصرية. يقول لطوف إنه «ما كان بإمكانه أن يكون بعيداً عن هذه الانتفاضات على الرغم من أنه بات مع مرور الوقت يعرف أن «الربيع العربي ليس واحدا في البلدان التي يزهر فيها، إذ لكل بلد ربيعه، ولكل بلد خصوصيته، ولكل بلد خصومه وحلفاؤه». من هنا يضيف لطوف انه «من الصحيح أن الشعوب توحدت وراء هدف واحد وهو الحرية أساساً، ومن ثم الديموقراطية وإسقاط الأنظمة الفاسدة، إنما هذا لا يعني أن باقي العالم العربي والعالم تفاعل وتعامل مع كل ثورة بالطريقة عينها، بل قارن كلا منها وفق الأجندات السياسية الإقليمية والعالمية، والمصالح الاقتصادية في كل بلد. إذ بالنسبة للبعض لا ثورة في البحرين واليمن وبالنسبة للبعض الآخر لا ثورة في سوريا». تبقى المشكلة برأي لطوف هي «خطف الغرب والأميركيين للثورات العربية، والتدخل فيها وفقا لمصالحهم، بحيث رأينا قراءة واحدة للأحداث، فعلى سبيل المثال هناك حكم ديكتاتوري في سوريا وهذا أمر لا لبس فيه، وهناك دماء تسفك، إنما يتم التركيز على هذه النقطة فقط من دون قراءة لواقع المعارضة وعلاقاتها الملتبسة بالغرب».
تخطى لطوف هذه القراءات المجتزأة للثورات، «فعبرت عن غضبي المطلق برسوماتي وكنت من خلالها أكرس الكاريكاتير كنموذج ثوري أيضا أغذيه بمتابعتي الدائمة ولحظة بلحظة للأحداث على الأرض عبر مواقع التواصل الاجتماعي وقراءة يومية لصحف عالمية ومحلية». ويعود لطوف ليوضح «بالمقابل ما كان بالإمكان أن انجاز رسم للعدالة والإنسانية في بلد وغض الطرف عنها في بلد آخر، لهذا رسم عن الجرائم التي تُرتكب من السلطة بحق الأبرياء من الشعب السوري، ورسم قمع المعارضة في البحرين، تماما كما تعامل مع ثورات الشعوب في مصر وليبيا وتونس، إنما في المقابل يتعامل الإعلام العالمي والعربي مع رسومي كل بحسب أجندته، إذ تنشر قنوات وصحف رسوما عن مصر لأنها تخدم «قضيتها»، فيما تحجب تلك عن سوريا أو البحرين على سبيل المثال لا الحصر».

جهينة خالدية

هناك تعليق واحد:

Elmoro يقول...

لقاء ممتع، أحسدك يا جهينة على لقاء البطل لطوف :)