23.3.12

المجتمع المدني يستذكر عاليم الأثيوبية «المنتحرة»: شُبِّه لنا أنها انتحرت، إنما نحن قتلناها



جهينة خالدية

نُشر في جريدة السفير

23/3/2012

قتلت السيدة الأثيوبية عاليم ديسيسا نفسها في 14 الجاري، إنما يبدو الجزم بالانتحار الذي جاء في تقرير الطبيب الشرعي غير مقنع للمجتمع اللبناني والجمعيات الأهلية والجالية الأثيوبية في لبنان. هؤلاء لا يشككون في التقرير الطبي بقدر ما يشيرون إلى عنف وعنصرية مورسا على عاليم وساهما في دفعها إلى إنهاء حياتها. علما أنه حتى اللحظة لم تظهر أي نتائج للتحقيق وفق مديرة مركز الأجانب في «كاريتاس لبنان» نجلا شهدا لـ«السفير»، موضحة أن «كاريتاس» موكلة من القنصلية متابعة قضية عاليم واتخاذ الخطوات القانونية والقضائية اللازمة بعد صدور نتائج التحقيق».
من قتلها؟
التشكيك في مصير عاليم، عرّفت عنه «جمعية أمم للتوثيق» و«دار الجديد» وجمعية «هيا بنا» بملصق يكرر «شُبِّه لنا أنها انتحرت... نحن قتلناها»، هو وفق مدير «أمم» لقمان سليم تذكير بأن هذه الجريمة لا يمكن أن تمر وكأنها لم تحصل، كما يتم العمل على تحضير نشاط خاص في قضية عاليم لأننا لا نكتفي بالبيانات المدرسية التي يكتفي بها حتى في ظل جريمة».
وهو أيضا ما عبّرت عنه «حركة مناهضة العنصرية» التي تنظم الخميس المقبل (29 الجاري) وقفة احتجاجية أمام وزارة العمل، مطالبين بحماية العمال الأجانب في لبنان. ويؤكد علي فخري من الحركة على أن «عدم حماية عاليم أدى بطريقة ما إلى موتها، وهذه الحماية من مسؤولية الدولة التي عليها وضع القوانين اللازمة التي تنظم دور الكفيل ومكاتب استقدام العاملات الأجنبيات وطريقة تعاملهم مع العمال والعاملات».
«النحن» الاتهامية توجه إلى مجتمع قاس لا يتوانى في عنصريته، ولا يخشى التصعيد في مستوياتها، و«النحن» هذه توجه إلى نظام بأكمله منذ لحظة استقدام العاملة الأجنبية من الخارج، إلى وصولها إلى مطار بيروت، إلى الانتظارات في مكاتب الاستقدام، وصولاً إلى العمل لساعات طويلة متواصلة في المنازل وحرمانها من الاتصال مع عائلتها أو ضربها أو إهانتها، إلى ما هنالك من الأفعال والانتهاكات التي ترتكبها «النحن» وتودي بطريقة أو بأخرى لأن يقرر الإنسان المتلقي لهذا التعذيب، وضع حد حياته.
قد تكون قصة عاليم مختلفة، لاسيما أن التقارير تشير إلى معاناتها من «أزمة نفسية حادة»، إنما تبقى المشكلة أن طرق التعامل مع العاملات الأجنبيات في المنازل اللواتي لا يعانين أي مشكلة صحيّة يشوبها خلل عميق، فكيف بالحال إذا بعاملة تعاني من وضع خاص (في حال ثبت ذلك).

لم ينسين

وقد يكون لعاليم وضع خاص، إلا أنها عُنِّفت وهزّت المجتمع اللبناني الذي عاد لينشغل بهمومه اليومية الصغيرة والكبيرة ونسي، إنما هؤلاء العاملات الأثيوبيات اللواتي ينتحبن ويبكين هنا في القداس الذي أقامه «مركز كاريتاس للأجانب» لراحة نفس عاليم، لم ينسين. يتمايلن مع الصلاة والتراتيل الحزينة، يضئن الشموع ويغبن في أفكارهن بعيداً إلى بلاد هجروها ليعودوا إليها ببعض المال لا جثثاً هامدة».
تقول هروتي آلباتشو، الأثيوبية العاملة في الخدمة المنزلية في لبنان منذ 13 عاماً إن «عاليم وجّهت رسالة إلى كل العالم، وبفعل الموت حكت له عن العذاب الذي تتعرض له العاملات في الخدمة المنزلية منذ اللحظة التي تدوس فيها أقدامهن التراب اللبنانية». تدرك آلباتشو أن هناك تحسينات طفيفة في المعاملة وفي غرفة الاستقبال في المطار، إنما هذا لا يخفف غضبها، «فنحن نُضرب لأننا لا نفهم لغتكم، ولا نتقن الأعمال المنزلية كما تفعلون، ولا نطبخ المأكولات اللبنانية، ولأننا نتأفف لعملنا لساعات طويلة في بيت مخدومنا ثم في بيت ابنته وبعدها في بيت ابنه ولاحقا شركته».
تشكك الناشطة والمترجمة الأثيوبية كوبيت بركات، التي زارت عاليم في مركز المعالجة في «مستشفى دير الصليب» قبل وفاتها بأيام قليلة، «في أن تكون عاليم قد قتلت نفسها». تقول: «كنت حاضرة في أثناء مقابلة الطبيب لها، وسألها عن تاريخ عائلتها والأمراض فيها وحقق معها في امكان إيذائها نفسها بأي طريقة، وكانت ترد بالنفي مؤكدة أنها لا تفكر في الانتحار أبداً».
«كانت لعاليم أحلام وطموحات، ومخططات للعمل إلا أن كل ما حصلت عليه هو الألم، وهي مثال الأم التي قدّمت التضحية الأكبر»،وفق رئيس لجنة مركز الأجانب في «كاريتاس لبنان» كمال سيوفي.
وتوجه رئيس «كاريتاس لبنان» الأب سيمون فضول إلى الدولة اللبنانية والسفارات والجهات المعنية لضرورة تنظيم عمل العمال الأجانب في لبنان ووضع قانون يحترم حقوقهم ويحدد واجباتهم. ووجه نداء إلى «أصحاب مكاتب استقدام الخدم بضرورة احترام هؤلاء العمّال»، معتبراً أن «لا شك في أن هناك بُعداً ربحياً لهذا العمل، إنما هؤلاء بشر ولهم حقوق ومشاعر ولا يمكن لهذا العمل أن يكون كتجارة الرقيق». وذكر بأن «في لبنان أسراً وأفراداً ينصفون العمّال ويجدون الطريقة الأمثل لمعاملتهم، إنما هناك في المقابل عنصرية من البعض الآخر».
«ما حصل لعاليم، لم يكن حادثة أولى من نوعها، وقد لا تكون الأخيرة»، هذا ما يخشاه الأب يوناس ديستا. ويقول: «لا بد أن يتوقف هذا النزيف، إذ لا يمكن أن نكون في القرن الواحد والعشرين ولا يملك بشر حريتهم، ولا يملكون الحق في أن يحتفظوا بجوازات سفرهم وحرية تنقلهم. هذا ظلم ولنا الحق في رفع الصوت والاعتصام ضده».

ليست هناك تعليقات: