13.4.12

نيسـان يـوم عـادي فـي بلـد العجائـب: تحوّلت المناسبة فولكلوراً سطحياً مملاً- جمعيات توثق ذاكرة الحرب وأخرى تستجدي أمراءها



جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
13-4-2012

يحل الثالث عشر من نيسان، ذكرى بداية الحرب الأهلية (1975)، كأنها ذكرى مضجرة، تكرار لمناسبة لم تجر الإفادة منها، فلا المحاسبة تمت، ولا المسامحة حصلت، ولا تنقية الذاكرة انطلقت، ولا عملية البناء جرت.. مثلما يجب أن تكون.
ما زالت الأمور كلها عالقة، عند أبواب أمراء الحرب أنفسهم الذين يديرون الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، أو لنقل الذين فشلوا في إدارة الشؤون تلك، من دون أن يضجروا من وقوفهم الدائم والمتكرر على المنابر نفسها، وعند خطابات من دون فعل.
تنتج كل حرب انتظاماً جديداً عاماً، إلا حرب لبنان، فقد أنتجت فقدان الانتظام العام، وكل حرب تؤدي إلى نشر قيم جديدة، إلا حرب لبنان، فقد أدت إلى فقدان القيم السابقة، ونشرت الفوضى المستمرة، في جميع شؤون الحياة، وانشغل الجميع في البحث عن موقع خاص وعام، بمساندة خارجية ومن دونها، فعم الفراغ. لا ملف المفقودين والمخطوفين وجد صيغة للحل، ولا الإدارات وجدت من هو جدير بالإدارة، ولا المدارس وجدت من يكتب تاريخ بلاده لتلاذمتها، ولا الخزانة وجدت من يبحث عن موارد لها، بدل السحب منها، ولا الأحزاب وجدت طريقاً للتجدد.
ما بعد الحرب، وطن يعيش أبناؤه عصرهم وعلمهم ولغاتهم في المهاجر، وطن تحرر من الاحتلال الإسرائيلي ومن السيطرة السورية، من دون أن يستفيد، ويا للعجب حتى من التحرير. زادت نقمة شعبه على الطبقة السياسية، لكنه تماهى بها في نشر الفوضى، وفي الفساد. وربما يدرك أن كل تجاربه الصعبة لا بد أن تؤدي إلى كسر الحلقات المقفلة التي يعيش فيها.

«البوسطة» تختصر حرباً برمّتها. تختصر الشهداء والقتلى والقتلة والمظلومين والأحقاد وذاكرة الحرب وآلالامها وإرثها. «البوسطة» «أعجوبة» تفعل كل شيء ولا تفعل شيئاً. هي ترميز وبات ترميزاً سطحياً وباهتاً لثقل ماض لم يعالج، لم يُغفر له ولم ينته.

بعد هذه الأعوام ما زال معظم المجتمع المدني يلجأ إلى البوسطة والسياسيين ورجال الدين والمسيرات وشعارات الوحدة بين المسلم والمسيحي ليحكي عن حربه. أما آن لهذه البوسطة أن تهترئ؟ ماذا يُنتظر من المجتمع المدني لمقاربة حربنا الأهلية؟

تصنف «الأمم المتحدة» الهيئات المدنية غير الحكومية كالقوة الثالثة في العالم بعد الحكومات والقوى السياسية، وهي بمعنى آخر صلة الوصل بين الدول وشعوبها، ودورها منوط بالدفاع عن حقوق الإنسان، بالمشاركة، بالمناصرة والحشد.
في لبنان، يعتبر قطاع الهيئات الأهلية من الأكبر حجماً في العالم مقارنة مع عدد سكانه، ومن القطاعات الفاعلة على الصعيدين الخيري والخدماتي، وقدمت جمعيات أهلية نماذج لنضالها في قضايا حقوقية، نسائية، إنسانية لا بد أن تصب في نهاية المطاف في تغيير نوعي في المساواة وتغيير في الدستور وقوانين الأحوال الشخصية. إنما كل ذلك لا يعني ذلك بالضرورة أن المجتمع الأهلي نجح في تغيير جذري في قضايا سياسية حقوقية وعمل في تفصيل ذاكرة الحرب والضغط باتجاه محاسبة المسؤولين عنها. ويتوقف البعض عند دخول المجتمع المدني اللبناني في الدائرة المفرغة بين ماضي الحرب، والنظام السياسي الطائفي القائم الذي يتزعمه أمراء الحرب أنفسهم. بهذا المعنى، يعجز عن التغيير الفعلي ويفشل في معظمه في ابتكار أدوات ومشاريع تكسر هذه الحلقة، أو تتغلب عليها.
من هنا، تكون ذكرى الحرب الأهلية نموذجاً بارزاً لنشاط بعض الجمعيات وعملها المجتهد للإضاءة على هذه الحرب، ومن جهة ثانية تغرق جمعيات أخرى في سطحية المعالجة، وتدور في فلك قوى سياسية طائفية تُلزمها بدعم وجودها لا بمحاسبتها على ماضيها الثقيل.
كثيرة هي النشاطات التي تقام في هذه الذكرى، إذاً، كيف يعالج المجتمع المدني ذكرى الحرب الأهلية؟ وهل يسقط في تعميم صور «كليشيه» متجنبا الخوض في عمق معالجتها؟ وهل تعتبر المنظمات الأهلية أداة للتغيير أم أن دورها ينحصر في الدعم والمناصرة والتمكين؟

أقسموا ألا تقتلونا!
ما إن يحل يوم الثالث عشر من نيسان من كل عام، حتى ينهمر سيل البيانات الشاجبة لها، والداعية إلى العيش المشترك، وعدم تكرار الحرب، وذكرها من دون إعادتها. وترافق هذه البيانات دعوات بالجملة لمسيرات واعتصامات وتظاهرات وصولاً إلى «استنطاق» الزعماء أنفسهم بمدونات سلوك لنبذ العنف. ويمثل هذا بمعنى آخر، استجداءهم لئلا يقتلونا مجدداً، وترجيهم ألا يطيفونا ويستزلمونا ويجوعونا ويحزبونا ويؤدلجونا ويجيشونا لحربهم التالية التي سيتسببون فيها بقتلنا وقتل أولادنا وأمهاتنا وعائلتنا.

قد تكون مشاهد توحد الزعماء ورجال الطوائف تضفي «موزاييك» لامعا على المشهد اللبناني، وتبث بعض «الطمأنينة» في نفوس البعض، إنما هي في الوقت عينه تحصر نبذ العنف بالقول لا بالفعل، وتسطح معنى حل النزاعات وإنهاء الحرب وتنسف فكرة محاسبة مرتكبيها منعا لإعادة تكرارها. والأهم من ذلك أن الأدعية الجماعية والمشهدية الجامعة هذه، لا يمكن أن تصمد ثانية واحدة أمام رصاصتين تطلقان في الشارع في إشكال ذي خلفية طائفية، سياسية، مذهبية.
تتحول الذكرى إلى «مهرجان، وهيجان ونوع من الفولكلور السنوي، في رأي رئيس «جمعية أمم للتوثيق والأبحاث» لقمان سليم، الذي يعتبر أنه ما إن يحلّ هذا اليوم حتى تنفجر المواقف الجياشة التي تؤكد مجددا أن الذكرى موسمية ونحن نتعامل معها باستخفاف حيناً وباستعلاء أحيانا أخرى، إذ يعبّر اللبناني عن قناعته بأن كل تجاربه مختلفة، بما في ذلك حربه. من هنا، لا اعتراف علنياً وعاماً بالأخطاء، بل تتحول الحرب إلى مصدر للقوة وللشرعية في أحيان كثيرة.
يقول سليم إنه «لا يمكن المجتمع المدني أن يعمل، قبل أن نفهم ماذا حصل في الحرب، وماذا حصل بعد انتهائها وما الذي يحدث اليوم؟ بمعنى آخر، الكل يعرف أن الحرب لم تنته، هي موجودة بيننا بكلامنا، بألفاظنا، بتعاملنا مع الآخر. ويمكن أن نلاحظ أن مكونات العنف موجودة أمامنا على الطاولة إنما عدم خروجه إلى العلن بحرب جديدة طويلة، دليل أن اللبناني نجح في تعتيق العنف وتكثيفه بالنفوس بشكل يبقى مكبوتاً لفترة وفي الوقت عينه يمكن قشةً أن تفجّره». انطلاقاً من هذا، يرى سليم أن دور المجتمع المدني أبعد من المناصرة وتكراره قولا بنبذ العنف، بل دوره تحليل الحرب وقراءة تركيبتها لمراقبة حاضرنا وكيفية التوعية على عدم تكرار التجربة. هكذا عملت «أمم» على مدى سنوات على توثيق الحرب، وتوثيق شهادات مقاتلين في الحرب ثم ناس خبروها وأرشفة يومياتها وإعطاء وجوه وإذا ما توافرت أسماء لمفقوديها، مدنيين أم مقاتلين كانوا».
لكن ما الغاية من «نبش» الماضي؟ يجيب سليم أن العمل البحثي هذا، يساعد في بناء ذاكرة الحرب، وبناء خطاب يمكن أن يؤثر على الرأي العام ومن ثم يحقق التغيير والتوعية.
لا ينكر سليم أهمية التمويل في عمل أي جمعية وصعوبة الحصول عليه لعمل بحثي، لهذا كانت «أمم» في الفترة الأولى «تُهرب» العمل البحثي تحت نشاطات تتوجه إلى الجمهور العريض، وكل هذا العمل لا يمكن أن يُثمر من دون أن تدخل ثقافتنا السياسية في رؤيتنا للتغيير، كما لا ينكر «أهمية الاطلاع على تجارب الآخرين في فهم تطور عملية الخروج من الحرب، لا سيما تجارب جنوب أفريقيا والأرجنتين وتشيلي واسبانيا وغيرها».

موّلني وخذ ما يدهش العالم؟

من جهة ثانية، تعمل جمعيات أخرى على تسيير تظاهرات رافضة لتكرار الحرب ونابذة للعنف، وبعضها يطوّر خطابه داعياً إلى محاسبة المسؤولين عن الحرب وعلى إعادة إنتاج النظام الطائفي الذي نعيش فيه. ويُعتبر «الائتلاف من أجل العدالة الاجتماعية»، المساواة والعلمانية إحدى هذه الجهات بحيث ينظم عند الثالثة من بعد ظهر بعد غد الأحد مسيرة في شوارع الشياح وعين الرمانة «كدعوة لبناء السلام»، كما يقول باسل صالح من الائتلاف، الذي يعتبر أن «الحرب لم تنته، ولن تنتهي إلا بإنهاء عدد من ملفاتها أهمها ملف المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الحرب». إنما كيف يمكن مسيرةً أن تحاسب مسؤولاً وتمنع من تكرار الحرب؟ يعتبر صالح أن منع تكرار الحرب لا يكون في نشاط واحد في يوم واحد في السنة فقط، بل في تنشيط أكثر من قضية طوال أيام السنة، لهذا تنشط جهات لدعم قانون مدني للأحوال الشخصية وشطب القيد الطائفي وتحقيق المساواة وغيرها، إنما في هذه المسيرة أنا أخلق حركة شعبية ضاغطة وأوعي أكبر عدد ممكن من الناس ونحن نركز على الناس وعلى الشارع لأن الضغط باتجاه مجلس النواب سيصطدم بحائط صلب، فما أطالب بتغييره في الدستور يؤثر مباشرة على مصالح النواب والوزراء الحاليين، وبالتالي لن يمنحني هؤلاء حبال مشانقهم».

لكن هل يواجه الائتلاف مشكلة في التمويل تمنعه من توسيع مشاريعه أبعد من التظاهر؟ يعرف صالح ان «الطريق طويلة، ولا يمكن أن تودي إلى نتائج ملموسة إلا بتوحيد الجهود والخطاب السياسي وبمنع السلطة الحاكمة بالالتفاف على قضايانا وتفتيتها فهي معركة سياسية ومعركة شاملة لا يمكن تقسيمها، إنما الائتلاف رفض التمويل لأنه يخفض مستوى مطالبنا ويجعلني زُلم الممول»
كذلك يعتبر رئيس جمعية «فرح العطاء» ملحم خلف أن «التمويل ليس ما يغير عملي، بل مروحة عمل المجتمع المدني بالدرجة الأولى لها حدود واضحة، أنا كمجتمع مدني أدعم التغيير الذي تقوم به الجهات الحاكمة، لا يمكن أن أحاكم وكأني في موقع السلطة. لا يمكن أن تُقلب الأدوار بين أصحاب القرار والمجتمع الأهلي، فمن المفترض على الطرف الأول أن يعمل ويخطط ويغير وعلى المجتمع المدني أن يساعد في التغيير أو يكون الرافعة (غير الوحيدة) وقوة الضغط للتنفيذ». لكن عندما يتم التطرق الى ذاكرة الحرب، هل أحتاج إلى عهود السياسيين ورجال الدين لأستخلص العبر من الحرب، أم نحتاج إلى محاسبتهم و«الانقلاب» عليهم؟ يجيب خلف أنه «في موضوع كالحرب يكون العمل على عدة مستويات، ولا بد من الخوض في العمق وفي مسألة من اشترك فيها ومحاسبة من قتل، إنما أيضا هناك مستوى أول لهذه المعالجة ويتعلق بنبذها وتنظيم نشاطات رمزية سليمة تؤكد على الوحدة الوطنية، وهذه النشاطات تتوجه بالدرجة الأولى إلى الأطفال، هؤلاء الذين يبهرهم الزعماء ويحفظون خطابهم كما هو، وبالتالي عندما أجمعهم في صورة واحدة وألزمهم بمدونة سلوك، أكون أنجح في التأثير على فئة عمرية محددة ستكون جيل المستقبل».

فاتنا أخذ العبر

يتوقف المحاضر في الاجتماع الاقتصادي ومدير قسم الموارد البشرية في «الجامعة اليسوعية» الدكتور ميشال عبس، عند معنى ذاكرة الحرب. يقول إن «هذه الذاكرة باتت بعيدة جدا، وما يعمل اليسر القليل من المجتمع المدني عليه اليوم من أرشفة الذاكرة وترتيبها لاستخلاص العبر والخروج بخطاب رافض لها، هو عمل متأخر بعض الشيء». كان كل هذا برأي عبس أن «يتم بعد الحرب مباشرة، إنما أدخل لبنان في مرحلة إعادة الإعمار ولم يُترك الحيز المناسب لجميعات المجتمع الأهلي لتعالج آثار الحرب، ولا يمكن العددَ الضخم من هذه الجمعيات التي نمت كالفطر أن تكون دليل عافية هذا القطاع، إذ كان قد نشأ القسم الأكبر منه ليستفيد ماديا ويجني الثروات من التمويل الداخلي والخارجي».
يشبه عبس معالجة بعض الجمعيات اليوم لذكرى الحرب، وكيفية مقاربتها هذه الأحداث كمسرحية، وهي برأيه «تكاد لا تختلف بنشاطاتها عن مسرحية زياد الرحباني بخصوص الكرامة والشعب العنيد التي تهزأ من جمع مسلم ومسيحي في مشهد واحد كنوع من الوحدة الوطنية، أما النشاطات الفعلية للجمعيات فتقدم هذا المشهد بكل حدية وكأنه حلّ لأزمات لبنان الطائفية والسياسية ولإرث الحرب». من هنا يقول عبس إنه «لا يمكن حصر معالجة الحرب بثنائية المسلم والمسيحي، فالنزاع والخلاف على أكثر من صعيد، بين سني وشيعي، ووطني وعميل وعامل ورأسمالي ويساري ويميني. وفي واقع الأمر يُعتبر الرد الفعلي على نهاية الحرب بالعمل الضاغط على قانون مدني للأحوال الشخصية، بتوحيد كتاب التاريخ، بتوحيد العطلة الرسمية للمدارس، بوضع قانون للوراثة بين الزيجات المختلطة، ببت ملف المفقودين.. وغيرها من الملفات المفتوحة، والتي يمكن أن تخرجنا من الحلقة المفرغة». ويعود عبس ليلفت الى أنه «لا يمكن أن يكون دور المجتمع المدني بارزا إذا لم تعترف به الدولة كأداة للتغيير وتؤمن له التمويل (الذي بطبيعة الحال سيفتح باب المحسوبيات والسرقة في لبنان)». لكن عبس يعتبر أنه «يصعب على أصحاب القرار أن يدعموا ويفعلوا مجتمعاً أهلياً مطلبه تغييرهم، لأنهم بهذه الطريقة يكونون يسلمون هذه الجمعيات أعناقهم».

ليست هناك تعليقات: