31.5.12

في بيت المخطوف علي ترمس: كيف يمضي الليل والنهار؟

جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
الخميس 31-5-2012
سؤالان تكررهما الطفلة رواز لكل زائر إلى بيت جدها اللبناني المخطوف في سوريا، علي ترمس: "وحدكم؟ ومن دون جدو؟". وحدها تتبين الطفلة الإجابة وهي تتأمل دفعات الضيوف المواسية لجدتها منى، وتروح تردد بصوت خافت: "بس اشتقت له، وبس اشتقت غني له لجدو".
قليلة الكلمات التي تُقال لمواساة الطفلة. أفراد العائلة يردون بصمت كثير وبالدعاء.
هكذا كلما تلقت زوجة المخطوف، منى محمد عباس، اتصالاً أو زيارة ردت: "إدعوا له، إدعوا له، إقرأو سورة الفتح، إقرأو سورة الفتح".
تضيف: "نريد الخبر، ونريد الخبر الصحيح، إيماننا بالله كبير، والإيمان يعيننا على الصبر، إنما انتظار المجهول يخطف النوم من عيوننا، ويغير كل حياتنا".
منذ ذلك اليوم، الأربعاء في الثالث والعشرين من أيار الجاري، والتوجس والانتظار والألم يكبر في بيت الحاج علي. الحال نفسها تعيشها عائلات المخطوفين العشرة الآخرين. والحال هذه هي ما دفع أغلبيتهم إلى تفضيل الصمت بعيدا من الإعلام، وخوفاً مما يسمونه "لعب بأعصابنا وقدرتنا على الاحتمال". في منزل الحاج علي، في حارة حريك، الانتظار طويل. وفي مقر حملة البدر في بئر العبد وحملة الصدر في حي السلم الانتظار أطول.
الكل هنا، في مقري الحملتين، يردد أخباراً يسمعونها في الإعلام أو من "مصادر" من دون أن تحمل الفرج بعد. أمام حملة الصدر اختلف المشهد في اليومين الماضيين قليلاً، حيث نظم الأهالي اعتصاماً وتجمعوا مرددين الدعاء ومناشدين الإفراج عن أبنائهم وآبائهم وأزواجهم المخطوفين.
ويعود الكل إلى صمت، يقولون إنه "أفضل في ظل هذه الأوضاع. لقد قلنا الكثير والآن علينا أن ننتظر"، وفق أخ أحد المخطوفين.
الحاجة منى، قالت إنها "تريد أن تحكي عن يوميات الانتظار، ويوميات بلا رب العائلة. إنما لا مكان الآن للكلام في احتمالات الإفراج عنهم، وعن الأطراف المشاركة في المفاوضات وعن عملية الخطف بحد ذاتها. الآن نحكي عن عودتهم سالمين آمنين إلى بيوتهم، رحمة لعائلات قد يقتلها الانتظار".
أن لا تعرف عائلة المخطوف مصير الوالد هو"كالموت البطيء، ويزيد ذلك ألماً حرب الشائعات والتسريبات والبيانات المتضاربة التي تنزل فوق رؤوسنا كوابل الرصاص. إرحمونا وقدروا معاناتنا"، تقول الزوجة منى.
كيف تكمل عائلة بلا أب حياتها في هذا الظرف؟ كيف يمضي النهار وكيف يمضي الليل؟ هي أسئلة تسألها بنات المخطوف الثلاث لأنفسهن، "على أمل أن يكون بابا علي بيننا يوم غد". تقول صفاء الإبنة البكر (23 عاماً) ووالدة الحفيدة الوحيدة رواز، "لم ننس حتى اللحظة الليلة التي وعدنا فيها بعودة المخطوفين، وبكل الاستعدادات المعنوية التي عشناها على مدى ساعات، لنعيش بعدها بإحباط قاسٍ، ثم أخذنا نعلم أنفسنا ألا نصدق كل البيانات المسربة عبر الإعلام".
أما الأخت الأصغر مروى ابنة الواحد والعشرين عاماً، فتشير إلى أن هذه "المأساة جعلتنا نعيش عن قرب آلام كل عائلة فقد أو خطف أي فرد منها، وفهمنا أن يعيش الإنسان من دون أن يعرف مصير أقرب الناس إليه، قد يكون من أقسى الامتحانات التي يمرّ بها الإنسان". هو ما تكرره الوالدة أيضاً، مواسية ابنتها بالآية القرآنية "لا يصيبكم إلا ما كتب الله لكم". تضيف: "منذ حصلت عملية الخطف وتأخر الإفراج المنتظر عنهم في اليوم التالي، سلمنا أمرنا لله وما زلنا".
غير بعيد من غرفة المعيشة، يجلس إبراهيم إبن الإثني عشر عاماً وهو الأصغر للعائلة، في الرواق. يسترق السمع لأحاديث عن والده، يقلب في دفاتره وكتبه، باذلا جهداً في التركيز على دراسته، إنما بين الفينة والأخرى يعود إلى تلك الحقيبة الخضراء التي تجمع صوراً كثيرة للوالد مع العائلة، واحدة في نزهة في مسقط رأسهم في طلوسة قضاء مرجعيون، أخرى في عيد الفطر، ثالثة في مناسبة عيد زواج والديه، رابعة مع الحفيدة الصغيرة، خامسة له منفردا مع والده.
يبقى فرد أخير في عائلة الحاج علي ترمس يقضي انتظاره على نحو أخير. هي الإبنة الأصغر فدك الزهراء ابنة الستة عشر عاماً التي تدرس "التصميم التخطيطي" في أحد المعاهد. كان هذا قبل اختطاف والدها. أما اليوم ففدك تقضي قسما كبيراً من يومها في دكان السمانة الذي يملكه والدها في منطقة حي السلم حيث تحرص على الاهتمام بباب رزق العائلة بمساعدة عمها ودعمه.
جهينة خالدية

ليست هناك تعليقات: