31.5.12

تاريخ لبنان في سيارة: «مار سيدس» هادي زكاك عابرة حروب وطوائف






جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
الخميس 31-5-2012
يُعرّف المخرج هادي زكاك فيلمه «مار سيدس» بـ«قصة سيارة وعائلة وبلد». الفيلم الذي قدم عرضه الأول في لبنان يوم الاثنين في سينما صوفيل، هو قصة كل ذلك بالفعل، وشاهد بكل دقة وبطريقة ساخرة على تاريخ وطن. هو فيلم جديد يضعنا في مواجهة ذاكرتنا الحية غير البعيدة.
«مار سيدس» الذي تبدأ عروضه التجارية مساء غد، يتمحور حول سيارة من طراز مرسيدس بونتون 180، وصلت لبنان عام 1960، و«تلبننت» في المجتمع اللبناني. السيارة بحسب زكاك كانت وما زالت شاهدة على خمسين عاماً من تاريخ البلد.
عالج الفيلم الذاكرة اللبنانية الجماعية والفردية من زاوية مبتكرة، بحيث ندخل تدريجا إلى علاقة أطراف مختلفة، وإلى حروبهم وحتى اجتماعياتهم من دون أن نسمع سرداً «بشرياً» مباشرا، من هنا كانت السيارة هي التي تروي، لا مواطن لبناني يسرد الحرب من زاويته.
تتحول المرسيدس إلى شاهد على تاريخ يتجاهله البشر أنفسهم. وتتحول من شيء مادي «نجح» في تخطي الطائفية والحروب التي ارتكبت باسمها.
كانت «مرسيدس» جامعة لكل الطوائف وعابرة لها في آن، فهي كما الناس توقفت عند الحواجز إنما تخطت «تفصيل» الهويات! على أن هذا العبور لـ«بطلة» الفيلم لا يعني خروجها من لعبة الطائفية والمنطق اللبناني البحت، فهي تلبننت لدرجة باتت لها طائفة خاصة بها: «طائفة مرسيدس». هنا تخرج رسالة زكاك الأكثر سخرية ليبدي موقفه من مجتمع مدجن لا يرى أفراده ذواتهم إلا داخل علب الطوائف، وكذلك يتورط مع هؤلاء الأفراد كل ما يحيط بهم من أشياء مادية.
يصور زكاك حياة المرسيدس «المدعبلة» (كما راجت تسميتها)، التي عاشت الحرب وشهدت عليها وكدحت فيها. كانت موجودة دائما وخاضعة للحروب تماما كالبشر. وبنظرة أخرى يمكن القول إن هذه السيارة تحولت إلى شريكة في كل شيء، أقلت الناس، ونقلت أمتعة التهجير، وأسلحة المقاتلين وحاربت وإياهم و«جرّت» وعذبت الجثث، ونقلت الضحايا إلى المستشفيات وهبط عليها ركام المنازل والقذائف فدمرها، ورفعت صور الزعماء وشعاراتهم الانتخابية، وصولا إلى حياتها النخبوية المجيدة كسيارة رئاسية لامعة. ويعتمد المخرج في كل ذلك على أرشيف ممتع وداعم لقصته عن «زمن المجد» اللبناني، ثم الحرب اللبنانية وسنوات إعادة الإعمار والاجتياح الإسرائيلي والتحرير واستشهاد الرئيس رفيق الحريري، وصولا إلى السنوات الأخيرة. الأرشيف في الفيلم هو عن لبنان وعن ناسه الذين تعاطوا كلهم «مرسيدس» من دون أن يتفقوا على ذلك.
يقدم فيلم «مار سيدس» وكاميرا مديرة التصوير مورييل أبو الروس معاينات بصرية فنية لافتة، تُجمد تفاصيل السيارة وما تحويه من تفاصيل صغيرة: من العين الزرقاء الحامية من الحسد، إلى شعارات دينية، إلى كتب سماوية، إلى أوشحة سياسية وحزبية (غيفارا والحزب الشيوعي)، إلى سيارات تجمع كل هذه التناقضات في آن. وفي هذا المشهد تحديدا ندخل إلى العقل اللبناني، والموروث الاجتماعي والثقافة السياسية المتضاربة. وعندها تتحول السيارة إلى بيت، داخل جدرانه أسرار وخبايا تكشف بمجرد فتح الباب.
من هنا تبدو أبو الروس، والمخرج زكاك طبعا، كأنهما يرويان بصمت ذاكرة حياة وروايات متشابهة، عبر رمز واحد لا يتكلم. كذلك يصنع زكاك بتعاونه الناجح مع المؤلف الموسيقي المميز إميل عواد مشهدية ناطقة، مقدما موسيقى هي قيمة مضافة وبارزة في العمل.
أما في ما يتعلق بالنص الذي ألفه زكاك نفسه، فلم يكن نصا ساخراً وسرديا حيادياً أبداً، بل كان «متورطا» يعكس رأيا سياسيا ناقداً للحرب وأشكال الفوضى التي وقعت رحاها على أرض هذا الوطن، إذ «تحولت بيروت في السبعينيات إلى استديو طبيعي لتصوير أفلام الحرب»! كما يقول زكاك.
الفيلم حاز عدداً من الجوائز أبرزها «جائزة لجنة تحكيم الاتحاد الدولي لنقّاد السينما» في «مهرجان دبي الدولي للأفلام «2011، وجائزة «مهرجان الجزيرة الدولي الثامن للأفلام التسجيلية» - 2012.

جهينة خالدية

ليست هناك تعليقات: