21.6.12

«17000»: صور وأمتعة بقيت أما أصحابها.. ففقدوا


 جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
21-6-2012

صغيرة جداً تلك الصور الشمسية باللونين الأسود والأبيض. أصغر من أن يتبين المرء هوية الأشخاص في الصورة، أو يرصد ملامحهم. صورهم متراصة هنا في التجهيز الفني للمصورة رين محفوظ، أما هم ففقدوا وأختطفوا.
أصحاب الصور هم من سبعة عشر ألف مفقود ومخطوف خلال الحرب الأهلية، يتجاورون في جدارية عملاقة تملأ واجهة من أصل ثلاث يحتلها تجهيز محفوظ عند الواجهة الزجاجية لقاعة وزارة السياحة في الحمرا. أصحاب الصور، ليسوا هنا، ولا تُعرف كل أسمائهم والمؤكد أنه لا يعرف أحد مصائرهم، لكن كل شيء آخر حاضر: ثيابهم، الشوق اليهم، عائلتهم، حكايتهم، وانتظارهم.
«تُفرش» الوجوه أمامنا وأمام المارة كأنها موجودة وغير موجودة، وكأنها واقع ثقيل. هم واقع وليسوا فقط ديكورا، هم ألم وليسوا صوراً فحسب. هذه رسالة محفوظ الأولى.
رسالة توجهها في مكان ذي رمزية بالغة، فالمار أو السائح الذي اعتاد أن يتعرف خلف هذه الواجهات الى معالم لبنان السياحية الطبيعية من قلاع بعلبك وعنجر وجبيل والزي اللبناني التقليدي، ها هو يتعرف إلى قضية غير طبيعية، تكاد الجهات الرسمية تتعامل معها كمعلم سياحي «تتفرج» عليه من بعيد! من هنا، تضع محفوظ تجهيزها الفني كجزء من تاريخ لبنان، الذي لا يجب أن يُفتخر به، ولا يتحول إلى فرجة أو رقم أو مجرد صور.
معرض «17000»، الذي تنظمه «جمعية معاً من أجل المخطوفين»، هو جزء من مشروع الجمعية لتعزيز الوعي في أوساط الشباب في شأن قضية المخفيين قسراً والمفقودين في لبنان، وقد اختتم المعرض يوم أمس بزيارة لأهالي المخطوفين، الذين تنقلوا بين الواجهات الثلاثة يفتشون عن أنفسهم بين الصور وذكرياتهم بين الأمتعة المتراكمة.
داخل القاعة الزجاجة، لا يظهر التجهيز الفني لرين محفوظ. الواجهات تعرض للخارج فحسب، للمارة، وللجميع. أما في الداخل فيعرض فيلم شارك فيه 30 شاباً قاموا بإجراء المقابلات مع أقارب الأشخاص المخفيين وبحثوا عن قصصهم في مجتمع ومحيط عمدا على مرّ السنوات إلى نسيانها أو تناسيها. وفي داخل القاعة أيضاً، يجتمع الأهالي وأمهات المخطوفين الذين يبدون هنا كجزء أساسي من التجهيز، أو كأنه اكتمل بأكثر العناصر حيويّة.

أغراضهم فقط... هنا

ماذا نفعل بأغراض من رحلوا وثيابهم؟ هو السؤال الذي يفرض نفسه أمام الواجهة اليُمنى لتجهيز محفوظ. خلف الواجهة سد منيع صلب ومحشو بالذكريات. سد مؤلف من تلك الحقائب البلاستيكية الشفافة التي تُستخدم عادة لحفظ الملاءات وأغطية الأسرّة، وهنا تملأه الفنانة بعشرات القطع من الثياب والأغراض هي الشيء الوحيد الذي بقي للأهل من أحباء رحلوا وما أخبروا. ثياب ربما تغيرت موضتها، ولم تعد مقاساتها تناسب أصحابها. ثياب يومية عادية لا فولكلورية، لأشخاص كانوا يحظون بحياة عادية طبيعية، قبل أن يقرر أحد ما أن يخفيهم في مكان ما!
تلح الأسئلة مجدداً، كلما راقب المرء الأغراض المكدسة: متى يحين وقت التخلي عن شيء يعود إلى شخص فقدناه؟ كيف نوضب هذه الأغراض؟ متى نزيحها من أمام ناظرينا؟ كيف تصبح هي الشيء الوحيد الذي يربطنا بأشخاص كانوا وربما مازالوا أحياء؟ كيف نحيي من خلالها الأمل ونجتر الذكريات ونكررها ونعيدها حتى يعودوا.
في الواجهة الوسطى ترفع محفوظ مجموعة من الصور لتفاصيل في الجرافات. وأمامها كتبت «كل واحد منن إلو قصة، بس ما قدرنا نعرف كل القصص». فالجرافات التي تصورها محفوظ هي الآلة والوسيلة التي رفعت حقيقة في يوم من الأيام وهي التي أخفت حقيقة في أيام أخرى. «هي الآلات التي حفرت المقابر الجماعية التي تراكمت فيها جثث مخطوفين، وهي عينها التي طمرت أشخاصاً كانوا في حياتنا ولم يتسن حتى معرفة هوياتهم»، تقول لـ«السفير». الجرافة، هي أيضاً التي تهدم زمناً وإرثاً، والتي تطمر ألماً لا يطمر. وهي وفق محفوظ التي تسعى لـ«إخفاء ذاكرة لا تُنسى بمجرد أن أصبحت تحت التراب، وهناك من فوق التراب ما زال ينتظر».

ليست هناك تعليقات: