1.6.12

أمهات مفقودي الحرب: المخطوفون في حلب أبناؤنا

جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
1-6-2012

ماري، سميرة، زينب، فاطمة، ماجدة، لمياء، وأخريات، هن أمهات وأخوات وزوجات لمخطوفين لبنانيين منذ عشرات الأعوام.
هؤلاء بكين، تألمن، عددن الأيام، حفظن الأمل، ترجين، "قبلن الأيادي"، دفعن الأموال ليعود لهن أزواجهن وأولادهن وإخوانهن... وانتظرن.
هؤلاء هن من يعرفن تماما، معنى "المصير المجهول"، ومعنى الصبر. ومنهن كانت يوم أمس تحية ووقفة تضامن في "مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب" مع عائلات اللبنانيين المخطوفين أخيراً في سوريا، تحت عنوان "لا نريد مخطوفين جددا". ذكّرت المتضامنات بأن "عشر سنوات، عشرين سنة، مرت ونحن على أرصفة الانتظار وفي الاعتصامات، والندوات، نصرخ ونبحث عن أحبة هم سبب وجودنا، هم نبضات قلوبنا، هم الحياة بالنسبة إلينا"، وفق عضو المركز منى مرمل. وكررت أن "هذه الجريمة أثرت فينا، وأثارت لدينا ذكرى اختطاف أبنائنا، وأحيت مشاعر الحزن والأسى التي كان قد حولها إيماننا طيلة هذه الأعوام إلى استسلام لمشيئة القدر، وإلى أمل لم يفارقنا بعودتهم من جديد". أيقظت عملية الخطف الأخيرة "الماضي الذي تعيشه الأمهات"، وفق مرمل، "الماضي بكل ما يحمل من صدمة الخطف، والبكاء والحزن والمأساة التي عشناها حينها، حتى شعرنا وكأن أبناءنا وأزواجنا قد خطفوا مرة ثانية". جاءت الأمهات إلى المركز مع صور لا تفارقهن، ليعلنَّ أن "المخطوف في كل بلدان العالم واحد والخاطف واحد والمخطوف واحد والخطف جريمة ضد الإنسانية، تنتهك الحق في الحياة، والحق في الكرامة الإنسانية جريمة لا يمكن تبريرها أياً كان الخاطف أو المخطوف أو مكان الخطف". حضرت ماري غاوي لتذكر أن ابنها خُطف في يوم لا تنسى تاريخه "30-12-1980، اختطف واختفى"، تقول السيدة التي أصابها الحزن بجلطة لم تتعافَ منها بعد. "دفعت آلاف الدولارات لسياسيين وعسكريين سوريين في لبنان ولم أنجح في الوصول إلى أي خبر عن ابني. بل أذكر جيداً أنني زرت الرئيس نبيه بري بعد الخطف بمدة وتلقى وعدا عبر الهاتف أن يفرج عن ابني يوم الاثنين، وحتى اللحظة لا أعرف أي اثنين من أي أسبوع من أي شهر من أي سنة كان يقصد!". وصية والد تحمل سميرة حمادي وصية والدها بأمان، من دون أن تعرف كيف تحققها. والدها مات وهو يوصيها ألا تتوقف عن ملاحقة قضية خطف أخيها محمد علي حمادي. تقول: "أوصاني أبي بأخي، ونحن اليوم أمام عملية خطف جديدة، فنوصي أهاليهم بالصبر والصبر الكثير". السنوات الثقيلة التي مرت، تسميها سميرة حوا "سنوات القهر". تردد: "نحن انقهرنا. نحن مقهورون. كلهم بينسوا أما الأم فلا تنسى". اليوم، تكرر سميرة التي خطف ابنها محمد في العام 1984، "نتضامن مع عائلات الحجاج ولا نقول إن جروحنا فتحت. جروحنا لم تندمل يوماً". وهو ما تردده فاطمة مطر التي خُطف زوجها ديب مطر مضيفة: "فليتقوا الله. فليرحمونا". وتسأل فاطمة بشاشة التي خطف أخيها أحمد: "ماذا جاءهم من الخطف؟ لماذا يعذبوننا؟ لماذا لا يعيدونهم إلينا؟ ماتت أمي حزينة بعد اثني عشر عاماً على خطف أخي، واليوم مرت 32 سنة على اختفاء أحمد والجواب ما زال "لا نعرف. لا أثر". "لا نعرف شيئاً"، تقول لمياء سعادة. "كيف هو إبني متري؟ طيب؟ ميت؟ مسجون؟ في لبنان؟ في سوريا؟ ما بعرف"، تكرر. لكن الأم هذه تغذي نفسها بالذاكرة: "كل يوم أمرن نفسي على أن لا أنسى، أستعيد ملامحه وحركاته وجمله وطريقة لباسه وأكله وكلامه ومزاحه.. وكلما قرع الباب، أقول هذه كادت أن تشبه دقته.. لكن لا، ليس هو". جهينة خالدية

ليست هناك تعليقات: