9.7.12

موسم سياحي ميّت يلغي عشرات آلاف الوظائف: العمـل الموسمـي مهـدّد والطـلاب والشبـاب أولـى ضحـايـاه

جهينة خالدية 
نُشر في جريدة السفير
9-7-2012 
لبنان يغلي، بمشاكله واشتباكاته وحساسياته وطائفياته.. لبنان يغلي، إنما لبنان أيضا يغرق في نوع من الجمود المميت. الشوارع المزدحمة، وأبواق السيارات التي لا تتوقف عن «النعيق»، والكل الذي يبدو على عجلة من أمره، يسابق الزمن بين عملين أو أكثر، موعدين أو أكثر، فكرتين أو أكثر، هميّن أو أكثر.
في نهاية الشهر، يجري الجميع حساباته ليتبين أنه يسابق اللاشيء. يعمل لينتج وينتج ليصرف وعندما ينقص مدخوله عن مصروفه، يستدين ليسد حاجاته وكمالياته، ثم يسعى جاهدا ليعمل أكثر ويسد قروضه. هذه دائرة تأسر الأغلبية اللبنانية لا سيما الطبقة المتوسطة (العليا والدنيا).
وبطبيعة الحال أي كسر في إحدى حلقات هذه الدارة، يُعطل استمرارية الفرد وسط هذا «النظام». ويكون المتضرر الأول هو شباب وطلاب يخرجون من الحياة الدراسية إلى الحياة العملية في خطوة أساسية للاستقلال التام عن عائلاتهم أو ربما حتى كداعمين أساسين لها في ظل غياب رب العائلة. ويشكل الشباب والطلاب غالبية ما يعرف بالعمال الموسميين، الذين يعملون في وظائف غير ثاتبة في مواسم محددة بينها مسم الاصطياف أساسا إضافة إلى الأعياد.
إذاً هناك نوع من النظام الذي ينمو على أطراف اللانظام. نظام ابتكره الشباب أنفسهم وفق حاجاتهم في ظل عدم وجود أي نظام تعليمي متكامل يكفل أو يسهل إنهاء تعليمهم الجامعي. هؤلاء اعتادوا على مدى السنوات على العمل بشكل موسمي أو مرحلي طوال فترة تعلمهم، ذلك كحاجة أساسية لتأمين مصروفهم أو الأقساط الجامعية الباهظة، أو كليهما معاً.
إنما كيف يحقق هؤلاء الاستمرارية في ظل ظروف استثنائية «تضرب» أساسا الموسم السياحي وتعطله وتشله بشكل كبير؟
الأزمة هذه توقع الشباب في عجز مستديم، يراكم ديونهم، أو يضعهم في ظروف استثنائية تجبرهم على تأخير دراستهم، وربما تسجل استعاضتهم عن الدراسة بالعمل فقط. ويمكن القول إن من يتأثر بالعمل الموسمي ليس فقط الطلاب الجامعيين بل الاقتصاد برمته، لا سيما أن «العمل الموسمي يقوم على عشرين ألف وظيفة في قطاعات سياحية وتجارية مختلفة»، بحسب ما يشير الأمين العام لـ «اتحادات النقابات السياحية»، جان بيروتي. إنما في ظل تردي وضع السياحة هذا العام بسبب الأوضاع الإقليمية المتوترة، بات «هناك سبعة عشر ألف وظيفة موسمية ليست متاحة هذا الفصل، ما يترك فقط ثلاثة آلاف عامل وجدوا لأنفسهم وظائف». ويعود بيروتي ليشير إلى أن «هذه الأرقام ليست مستغربة إذا ما ذكرنا أن هناك أكثر من 62 ألف حالة إلغاء طيران إلى لبنان، متأثرة بالحظر الذي فرضته دول الخليج على مواطنيها السفر إلى لبنان». أرقام تثير الرعب، من دون أن تكون هناك أي خطة إنقاذية تعتمدها الجهات المسؤولة. من هنا يكرر بيروتي أن «الانعدام شبه الكلي في الحركة السياحية، ليس وليد هذا العام، بل يسجل بوتيرة متصاعدة ومتراكمة منذ العام الماضي، وها نحن نصل إلى حدود الكارثة».
«الضربة» التي تطال قطاع السياحة في لبنان وبالتالي الاقتصاد اللبناني، إذ يشكل هذا القطاع ما نسبته ستة عشر في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، تقضم أساساً من نسبة إشغال المؤسسات السياحية في المناطق، وبالتالي تؤثر بشكل مباشر على الشباب في الأطراف وخارج العاصمة، الذين يستغلون الصيف لتحصيل دخل بات ضروريا، لا كماليا وإضافيا. وبرأي بيروتي «تتأثر مناطق محددة في لبنان كثيراً بالأوضاع الإقليمية، إذ كانت تعتمد على السائح الذي يأتي عبر البر، لا سيما السائح الأردني، إذ كان يقصد لبنان أكثر من عشرين ألف سائح أردني، ينعشون المؤسسات السياحية على طول طريق الشام الدولي في البقاع، إضافة إلى مناطق مثل جونية والمعاملتين وغيرهما وهو ما بات شبه معدوم اليوم، إذ يتركز السياح الحاليون الذين يقصدون لبنان في العاصمة، واصلين إليها عبر الجو». وهذا الخنق للأطراف ولمؤسساتها السياحية الصغيرة والمتوسطة سيؤدي بحسب بيروتي إلى «نزوح أكبر إلى بيروت، ويهدد مؤسسات الأطراف بالإفلاس».
هكذا تحولت تحذيرات البحرين وقطر والإمارات، لرعاياها بعدم زيارة لبنان، إلى «حصار اقتصادي»، كما سبق لوزير السياحة فادي عبود أن وصفها. وفي واقع الأمر كان يمكن للبنان أن يستفيد من جمود السياحة في بعض البلدان التي اندلعت فيها الثورات، إلا أن أهل البلد وسياسييه أغرقوا الموسم السياحي قبل أن ينطلق باشتباكات وخطابات طائفية وإشكالات ومعارك انطلقت من طرابلس إلى الطريق الجديدة إلى كاراكاس. ذلك إضافة إلى إغلاق طريق المطار مرات متكررة لاحتجاجات مطلبية أهمها الكهرباء وقضية المخطوفين اللبنانين في حلب. وهنا يلفت بيروتي إلى أن «آلاف السياح والحجوزات تُلغى مع كل إغلاق لطريق المطار، وهذا الإلغاء تتأثر به مؤسسات اقتصادية مختلفة في كل المناطق اللبنانية».
ويعود بيروتي ليوضح أن «الأزمة لها بعض الحلول التي لا بد للحكومة من أن تشرع في تنفيذها الآن ومن دون أي تأخير، بينها جدولة أسعار مخفضة على تذاكر السفر، والإعلان عن حسومات تصل إلى الخمسين في المئة». ومن المفترض بهذه الخطوة بحسب بيروتي أن «تشجع اللبنانيين المغتربين على زيارة بلدهم، ويمكن لهؤلاء أن يشكلوا نوعا من العملية الإنقاذية للموسم السياحي وللقطاع برمته إذ من المفترض أن تكون هذه الحسوم حافزا ليقصدوا لبنان ويصرفوا في مطاعمه ومسابحه والتسوق من محاله التجارية».

«لا دراسة في الخريف»

الـدوامة هـذه الـتي يحللهـا المختـصون، يعيـشها الشبـاب والعـمال الموسميون على أرض الواقـع ويختـبرون مرارتهـا منـذ بدايـة الموسـم السـياحي الذي لم يبدأ في واقع الأمر.
قاسم، طالب «إدارة الأعمال» في واحدة من الجامعات الخاصة في بيروت، واحد من الشباب الذين عانوا الأمرين هذا الموسم في إيجاد وظيفة موسمية تمكنه من ادخار بعض الدخل المادي ليساعد والده في تسديد القسط الجامعي. في الأعوام الثلاثة المنصرمة عمل قاسم في أحد المسابح «الراقية» في شمال لبنان، حيث استطاع أن يدخر أكثر من ثلاثة آلاف دولار آخر الموسم شكلت دفعة أولى من تكلفة الفصل الدراسي الأول الذي يكلف خمسة آلاف دولار. المبلغ الذي يجمعه قاسم «ليس مزحة» كما يقول، إذ «يشكل توفره الشرط الأساسي لإكمال تعليمه الجامعي، ويسعى لتوفير المبلغ المتبقي في عمل جزئي في الشتاء إضافة إلى بعض المساعدة من العائلة». أما هذا العام، فرفضت إدارة المسبح إعادة توظيفه، وذلك لأن عدد الزبائن يسجل انخفاضا ما استدعى من الإدارة تخفيض عدد الموظفين إلى أكثر من النصف.
قبل ثلاثة أشهر على انطلاق العام الدراسي الجديد، يقول الشاب «إنه يواجه مشكلة مادية صعبة، حلها الوحيد تأجيل الدراسة إلى فصل الربيع في محاولة لجمع بقـية المبلغ المطلوب للقسط الجامعي في فترة ستة أشهر».
سمر كذلك تواجه نفس التحدي الذي يعيشه قاسم، حتى إنها تصف مشكلتها بـ «المستديمة»، إذ تحتاج الشابة العشرينية إلى العمل الموسمي لمصاريفها الشخصية وللمساهمة في مصاريف المنزل وإعالة العائلة. فسمر طالبة في كلية السياحة في الجامعة اللبنانية، وهي في واقع الأمر تستطيع تحمل رسم التسجيل المقبول إنما تحتاج الفتاة إلى دخل لا يقل عن 800 ألف ليرة شهرياً توزع على نقلياتها والمساهمة في إيجار المنزل ومصروفه الذي تقطنه هي وأمها (تعمل خياطة) وأخوين في المرحلة الابتدائية، لا سيما في ظل غياب الوالد الذي توفي منذ عامين. تعمل سمر في فصل الشتاء مدرسة متخصصة لتلامذة في بيوتهم، أما في فصل الصيف فاعتادت على العمل في واحد من سلسلة المطاعم العالمية، التي تدفع مقابل عدد ساعات العمل، وتقول إن «العمل لأكثر من خمسين ساعة في الأسبوع لا يجعل قيمة ما تتقاضاه أكثر من مئة وعشرين دولار أسبوعيا، أي نحو 450 دولار في الشهر الواحد. توضح سمر أنها راهنت في العام الحالي على ادخار مبلغ أكبر خلال الصيف ليكون داعما لها ولعائلتها في فصل الشتاء، وسعت جاهدة للبحث عن وظيفة موسمية ذات دخل أكبر من دون أن تنجح بذلك في ظل فائض الشباب الباحثين عن وظائف وتدني عدد الفرص المتاحة والشاغرة». ما تعيشه سمر وقاسم لم يعد حالة استثنائية، إذ يعاني آلاف الشباب اللبنانيين تأثيرات موسم سياحي قاس، إنما في الوقت عينه ترتفع صرخات أصحاب المؤسسات السياحية الذين من المفترض أن يجدوا وظائف لهؤلاء الشباب.
ناصر، وهو صاحب استراحة ومطعم في البقاع، عند طريق الشام الدولي، يجلس وحيداً في محله وهو يتأمل الطريق الدولي، الذي لطالما شهد حركة سياحية ناشطة، شبه مقفر، لا تشغله إلا السيارات لسكان محليين يتنقلون بين العاصمة ومحافظة البقاع. يقول الرجل الستيني الذي يعمل في هذا المجال منذ أكثر من أربعين عاماً، إن «طريق الشام الذي نغني له اليوم «ما في حدا لا تندهي ما في حدا»، لطالما كان مدخل السياحة إلى كل لبنان، لا سيما لسائحين من سوريا، الأردن والسعودية. أما اليوم وفي ظل الأزمة المتزايدة في سوريا، فتعيش معظم المؤسسات هنا أزمة خانقة تهدد كثيرا منها بالإفلاس». ويعود الرجل ليكرر «من أين أدفع راتب موظف واحد ونحن لا نستطيع أن ندخر لدفع إيجاراتنا ومصاريفنا الشهرية؟». ناصر الذي لطالما وظف موظفين في موسم الشتاء وأكثر من ستة موظفين في موسم الصيف السياحي، يقول إنه اليوم «يعجز عن توظيف نفسه».

ليست هناك تعليقات: