25.7.12

المياه الصيداوية عكرة.. أمزجة غير صافية ويوميات متوجسة

  تغيّر في نسيج عاصمة الجنوب المعتدل.. يرافقه اهتزاز اقتصادي واجتماعي


(تصوير: علي لمع)


تحقيق: جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
25-7-2012


في سوق الخضار، عند المرفأ، في شارع رياض الصلح، في الأسواق القديمة، في ساحة النجمة وفي المحال التجارية عند الأوتوستراد الشرقي لمدينة صيدا.. هنا في هذه الأماكن مجتمعة وفي كل منها منفردة، هموم صيداوية لا تحتمل.
 الهمّ الصيدواي الاقتصادي، الاجتماعي والسياسي "يشتعل"، إنما داخل النفوس. لم تخرج المدينة عن هدوئها بعد. ولم يخرج الناس ليفجروا ما يعتمل في صدورهم. وما زال من غير الواضح كيف ستعبر المدينة عن أحمالها الثقيلة ومشاكلها التي لا تنتهي من المياه والكهرباء، وقضيتها الأعظم التي تمت المتاجرة فيها في كل انتخابات "جبل النفايات". 

الناس في صيدا ليسوا على سجيتهم. هم الذين يعرفون بشخصية معممة لهم ترسم الصيداوي المحافظ والمعتدل في آن، العروبي المولود من مدارس القوى الوطنية اللبنانية والأبعد عن الخطاب المذهبي، والأكثر وعياً لسموم جبنة الطائفية. 



الناس هنا اختلفوا، بأحاديثهم، وعملهم وحياتهم وحتى في تفاصيل كثيرة تدور في نهارات صيداوية تسعى دوماً لتجاوز قطوع تلو الآخر. الخلفية السياسية للصيداوي العروبي، المرتبط بالقضية الفلسطينية ما زالت عينها، كأنها واحدة من الثوابت التي لا يمسها التغيير السياسي العام. إنما التغيير الفعلي هو في النسيج الاجتماعي لأهل المدينة. تغير في طبيعته، وفي طبقاته وفي تفككه أو ترابطه وفي تفاعله مع التنوع الطائفي والمذهبي المتشكل من أغلبية سنية وحصة للطائفة الشيعية لطالما شكلت رابطاً وثيقاً مع العمق الجنوبي إضافة إلى المسيحيين (شرق صيدا) وحتى أقليات من اليهود. ولا يمكن إغفال اللاجئين الفلسطينيين المنخرطين اجتماعياً بنسبة لا تقل عن ثلاثين في المئة في المجتمع الصيداوي، كما يشكل مخيم عين الحلوة تحديداً ربطاً عضوياً بالمدينة وأحد شروط أمنها أو عدمه.
التنوع، لطالما كان نقطة قوة لهذه المدينة وساهم في جعلها نموذجاً في ممارسة الحياد الإيجابي والنأي بالنفس عن الانقسامات في لبنان، إنما التنوع عينه يختل توازنه أحيانا ويتحول إلى مجموعة من الأوراق التي يمكن خلطها لقلب رأس المدينة على عقبها، ووضعها في عين الحدث. منذ العام 2005، سنة استشهاد ابنها الرئيس رفيق الحريري، زاد تعاطف أهل صيدا بشكل كبير مع "الحريرية الصيدواية"، من دون أن تفقد المدينة ارتباطها الحيوي بالعمق الجنوبي. وهذا ما ثبُت في العام 2006 خلال الحرب على لبنان، حيث احتضنت صيدا، كما دوماً، أهالي الجنوب النازحين. إنما حمل الثامن من أيار 2008 مدخلاً لتحويل التعاطف والاعتدال إلى اصطفاف مذهبي، قابله اصطفاف مذهبي آخر لا يقل حدة. تلا ذلك أزمات وأحداث صبت أساساً في المرمى السني وتمثلت في أحداث سياسية وانتخابية، وإسقاط للثنائية الصيداوية المتمثلة بـ"سعد - حريري"، ليحل مكانها "سنيورة - حريري"، بعد دخول الرئيس فؤاد السنيورة معركة الانتخابات النيابية، وخروج آل سعد من البرلمان اللبناني للمرة الأولى منذ أكثر من 22 عاماً. لكن كل ذلك، لا يتمثل الآن في المخاوف الصيداوية الآنية. هذه عنوانها الأول والأخير: الشيخ أحمد الأسير.
من هنا تُرسم البانوراما الصيداوية ما قبل الأسير والظروف التي أدت إلى تطور حركته، وحياة المدينة في ظل وجوده وفي ظل اعتصامه "من أجل إسقاط السلاح خارج الدولة"، وما قد يحصل بعده أو كيفية هضمه ومدى إمكانية تذويبه في التركيبة المتشابكة للمدينة. الداخل إلى صيدا من طريقها البحري، وسط زحمة سير فرضها إغلاق الأوتوستراد الشرقي بسبب اعتصام الآسير، يدرك أن المدينة تسعى جاهدة لمتابعة حياتها ووتيرة عمل مؤسساتها التربوية والمالية والصحية والتجارية، متجاهلة ما لا يمكن تجاهله. كيف هي المدينة؟ الجواب عينه يأتي سريعا: مسمومة. المدينة مسمومة.

تحقيق: جهينة خالدية

يختار أهل المدينة ذلك التوصيف ليصفوا حركة غير طبيعية. إذ تدخل صيدا في الدارة التي يعيش فيها كل لبنان: "حركة بلا بركة". جمود يتأثر به تجار الأوتوستراد الشرقي تحديدا ("أوتوستراد نزيه البزري") بشكل مباشر وفج، إضافة إلى الأسواق داخل المدينة بشكل غير مباشر. إنما كيفما التفت في صيدا، يحضر الحديث عن الأسير. ويتكرر في أحيان كثيرة أن "مطالبه لا تعتبر مستهجنة من قبل الغالبية.. إنما المشكلة في آلية المطالبة". ويحكي كثر أن الرجل، كصاحب دعوة كان مقبولاً أكثر من المجتمع المحافظ، الذي نما فيه التوجه الديني أكثر فأكثر كما كل المنطقة، مع "فشل" المشروع القومي العربي، والمشروع العلماني، ومشروع اليسار، والنكسات العربية المتكررة. إنما "الحالة الأسيرية" ابتعدت أكثر فأكثر عن المجتمع الصيداوي مع انخراطها المتزايد في السياسة وفي التحريض المذهبي.

أسواق للعرض فقط
في خيمة اعتصام الشيخ الأسير (تصوير: جهينة خالدية)

الازدحام النهاري يشغل السوق الرئيسي، وساحة النجمة وسوق الخضار، إنما المتأمل جيدا لتلك الأسواق يلحظ أن الناس لا يشترون أكثر من حاجاتهم الأساسية. هنا مجموعة صبايا يتجولن في الشارع لأكثر من ساعة، في محاولة ليستفدن من بعض الحسومات التي بدأت باكراً، ليخترن في نهاية المطاف أن يتمهلن في مشروع "الشوبينغ" لانخفاض في قدراتهن الشرائية. هكذا يبدو السوق وكأنه للعرض فقط، من دون طلب. الكل أمام الواجهات، بمن فيهم أصحاب المحال أنفسهم، الذي يجلسون على كراسيهم عند الرصيف، بانتظار زبون، وبانتظار الكهرباء، وبانتظار الفرج.
عند مدخل سوق "الكندرجييّ"، يرتفع صوت فيروز من مذياع رقمي حديث في زاوية أحد المتاجر القديمة "لا تندهي ما في حدا، ما في حدا". يستمتع المارة والتجار على حد سواء بالأغنية، لمواءمتها وواقع فج يعيشونه. تجدهم "يرنمونها" بصوت خافت مقطعين دردشاتهم بين طرفي الزقاق الضيق. هنا أحمد كيّلو، الحرفيّ الثمانيني الذي لم يغادر صنعته منذ أكثر من ستين سنة، ويبدو منهمكاً في إنهاء التاج النحاسي للنرجيلة. وهنا الإسكافيّ عاطف كرجية، ينتظر الرزق ليعيل أولاده الأربعة. ما الذي تغير؟ يكرر كرجية السؤال كمن يستمهل الوقت ليفكر، ويردد "كل شيء تغير، الناس كانت أحنّ على بعضها. كانت تساعد، كانت تهتم، كانت تعطف". والآن؟ "اليوم، إلى الوراء، إلى الوراء".
إذا كان هناك من مكان يجب أن تُغنى فيه أغنية "ما في حدا"، فهي عند الأتوستراد الشرقي لمدينة صيدا. هنا، إن قال تاجر أنه "يكش ذبان"، فإن هذا الفعل يُنفذ بحذافيره. وسط هذا الانقطاع الذي يعيشه التجار، لا يمكن أن يُسأل التاجر عن نسبة تراجع المبيع والحركة الشرائية، لأن الجواب الذي يكاد يلامس المئة في المئة واضح كعين الشمس. إنما السؤال الفعلي هو عن الخسائر التي يتكبدها التاجر لمجرد فتح أبواب متجره (حسب نوعه وحجمه)، وتكلفة استهلاك الكهرباء و/ أو الوقود والتهوئة ورواتب الموظفين، والإيجارات وتواريخ صلاحية المواد الغذائية أو تلك الأولية.
الخسائر بحسب صاحب حلويات "الغوندولين" هيثم الجويدي تصل إلى ألفي دولار يومياً، إضافة إلى خسائر معنوية ستظهر أكثر في المستقبل، إذ نعكس صورة غريبة عن صيدا، المدينة التجارية المعتدلة. ويشير الجويدي إلى "وجود مئة وستين موظفاً لديه يعتاشون من هذه المؤسسة وهناك أعداد مماثلة في مؤسسات أخرى، وقد يصل عدد العائلات التي تعتاش من مؤسسات الأوتوستراد ومحيطه إلى ألف عائلة. ألف عائلة يدفعها الشيخ أحمد الأسير إلى التسول".
كيف يمكن للوضع الاقتصادي أن يؤثر على النسيج الاجتماعي لأهل المنطقة؟ يوضح الجويدي أن "صيدا بأغلبيتها من التجار، أي الهمّ المعيشي من أولوياتهم، لهذا كان الاعتدال من سماتهم واستطاعوا التواصل مع الآخر، إنما تغيير بنية هذا المجتمع ومصدر رزقه ومستواه الاجتماعي يدفعه إلى تطرف أكبر. والصيداوي يخاف من التطرف". على الرغم من أن محلات الجويدي تقع في الشارع التالي القريب من الأوتوستراد إلا أن الضرر طاله بشكل كبير أيضا، لا سيما أن "الحركة التجارية في كل المدينة تضررت بنسبة ثمانين في المئة" بحسب رئيس "غرفة التجارة" محمد صالح، مشيراً إلى أن الغرفة التي تضم كبار تجار المدينة، ويبلغ عددهم نحو ألف وخمسمئة تاجر يشكلون أكثر من أربعين في المئة من حجم السوق ويضاف إلى هؤلاء ألف وخمسمئة تاجر أيضا خارج الغرفة، وتعتمد مؤسسات هؤلاء جميعهم على المناطق المحيطة بصيدا". ويلفت صالح إلى أن هذه المؤسسات تعتمد بنسبة تسعين في المئة على مناطق الجنوب وجزين والوجود الفلسطيني، وبنسبة عشرة في المئة فقط على أهالي صيدا، الذين يبلغ عددهم مئة وثمانين ألف نسمة فقط، بينما في مخيم عين الحلوة وحده هناك نحو خمسة وسبعين ألف نسمة وفي جزين مئتا ألف نسمة، إضافة إلى مليون نسمة في الجنوب، يعتبرون صيدا خزاناً وسوقاً لهم. من هنا يمكن تقدير حجم الخسائر التي يتكبدها السوق الصيداوي في ظل إغلاق الأوتوستراد الشرقي، الذي إضافة إلى أنه قطع منفذاً أساسياً للمدينة، أثار الرعب في نفوس الجوار".
بدوره يلفت رئيس "جمعية تجار صيدا وضواحيها" علي الشريف إلى أن"المؤسسات الموجودة على البوليفار الشرقي والتي يبلغ عددها أكثر من 85 مؤسسة تضررت بشكل فادح، إنما الضرر طال صيدا بشكل عام وتجارها الذين يبلغون أكثر من ألف وأربعمئة تاجر. والمسؤول الأول والأخير هي الدولة التي لم تحمهم، لهذا تتم الآن مناقشة رفع قضية على الدولة". ويرد الشريف الاتهامات للجمعية بالصمت، وعدم التحرك لإنهاء الاعتصام، لكون أقرباء لرئيسها يناصرون الأسير، بالقول إن "الجمعية في موقع المسؤولية، وعادة ما نعمل بالاتصالات والمفاوضات لا فقط في التصريحات، أما فيما يتعلق بالعلاقة بالأسير فمن كان من الأقارب في الاعتصام قد تركه منذ أيام قليلة، وفي مطلق الأحوال لا علاقة لهذا بعملنا، فأنا نفسي كنت أحضر دروساً عند الأسير، إنما قبل تغيره وتحركه.
خالد الزيباوي، صاحب محل ألعاب ضخم على الأوتوستراد الشرقي، يقول: "إن الغالبية ضد هيمنة السلاح، إنما نحن لا نوافق على قطع الأرزاق ولا حتى قطع العلاقات مع أهلنا في الجنوب، بغض النظر عن المواقف السياسة. هؤلاء أهلنا". وغير بعيد عن متجر الألعاب يقع غاليري نعمة فقيه، الرجل الآتي من منطقة خيزران في الجنوب، اختار أن يفتتح تجارته على الأتوستراد منذ نحو سبع سنوات، متوجها "بالدرجة الأولى إلى الزبون الجنوبي" كما يقول . واليوم يبحث فقيه "عن حلول بديلة، بينها الانتقال بالعمل إلى خارج صيدا، بعدما اضطررت إلى تسريح أربعة موظفين والإبقاء على واحد فقط". يستهجن فقيه "عدم اعتراض أهل المدينة على الاعتصام الذي يضر بالدرجة الأولى أهل صيدا، ولو كان موجها لأهل الجنوب ويسعى إلى الضغط عليهم لكان أقيم عند نقطة "الحسبة" النقطة الأخيرة التي تفصل تماما ما بين صيدا وباقي مناطق الجنوب، أما الاعتصام عند الأوتستراد فلم يؤدّ إلا إلى تحرك الحركة التجارية في الجنوب لدرجة يكاد أهل الجنوب يشكرون الأسير على ذلك". ويرد فقيه على "من يعتبر أن الاعتصام تعبير عن رأي واحد من أبناء صيدا، على غرار ما حصل في اعتصام المعارضة في وسط بيروت"، ويقول "إنه لا يمكن لفرد ومجموعته أن يقطعوا شرياناً حيوياً على منطقة بأسرها، في حين كان اعتصام المعارضة يعبر عن رأي نصف اللبنانيين!".
وتعتبر "حلويات البابا" من المؤسسات الضخمة عند الأوتوستراد، والتي تعيش الأزمة كما المؤسسات المجاورة. ويلفت رئيس مجلس إداراتها عوني البابا (وهو شريك مع أخويه بشير وجميل البابا) إلى أن المؤسسة تعتمد بشكل أساسي على هذين الفصلين من العام، وعلى شهر رمضان تحديداً، وتعتمد على المواطن المتوجه إلى الجنوب بشكل كبير". ويوضح البابا أن الفرع الرئيسي هذا يضم 250 موظفاً، وتبلغ مصاريفه اليومية ستة آلاف دولار، أما الخسائر فتتعدى النصف مليون دولار".!. والمفارقة في حال "حلويات البابا"، أن إثنين من أولاد جميل البابا، هما من مناصري الأسير، بل إن الإبنة دينا البابا تجلس في الصفوف النسائية الأمامية إلى جانب زوجته أمل الأسير. وعند سؤالها عن الضرر الذي يلحقه الاعتصام بمؤسسة عائلتها، تشير إلى أنه "لا شك أن الضرر حاصل، إنما هو ضرر قليل مقارنة مع كرامتنا التي تنتهكها هيمنة السلاح، وأنا سبق أن عملت في المحل، وأعرف أن الضرر جزئي!". الكلام عن الضرر الجزئي بالنسبة لحسن البساط وهو صاحب محل ثياب عند الأوتوستراد، غير مقبول أبدا. يقول الرجل "أقل ما يقال عن الحركة اليوم: ميتة. الحركة ميتة". ويضيف "نحن لا ننتظر تعويضاً من أحد، نحن تجار ومن حقنا العمل وكسب الرزق من عرق الجبين".

المجتمع الأهلي صمام الأمان
تواجه صيدا إذاً أزمة، من المفترض أن يحميها منها المجتمع المدني، الذي يبدو متربعاً على الاعتدال الصيداوي، وعلى التوزان الصيداوي المهدد بفعل ازدياد معدلات المذهبية، وحتى الطبقية المستشرية في المدينة، قضت على طبقتها الوسطى بشكل كبير. أضف إلى ذلك أن التطرف نما من صلب المدينة، ويتحول إلى تحرك سياسي مفاجئ. والمخاوف لا ترتبط بحالة الأسير فقط، إنما "في اختلال يحصل في التنوع الطائفي والمذهبي في المجتمع الصيداوي"، كما يشير المرشح السابق لرئاسة المجلس البلدي عبد الرحمن الأنصاري. الخسارات صارت متتالية، "الأرمن، ثم المسحيون ثم اليهود وكذلك خسرنا اليهود". يقول الأنصاري، مشيراً إلى أن "البنية الاجتماعية الصيداوية تتجه إلى البنية من الطائفة الواحدة، وذلك قضى بشكل كبير على التنوع الذي كانت تتميز فيه المدينة، ويخل بالتوازن بشكل مخيف". ويوضح أن "صيدا خسرت عائلات مسيحية عريقة، ونخبوية، مثل آبيلا، ونحاس، ودبانة، ونمور، والبرشا، وفرح، والفاخوري، وعودة. أبناؤها من الأطباء والمهندسين والصيادلة والمتمولين". كل ذلك بحسب الأنصاري "يؤثر على الاعتدال الصيداوي، وما عادت شخصية ابن صيدا كما كانت معروفة بمرونتها واعتدالها، بات هناك تعصب وتمايز يخيف الأغلبية الصامتة المعتدلة، وباتت المذهبية هي معيار كل شيء، حتى بعض الفلسطينيين أو القوميين تغيرت بوصلتهم من فلسطين باتجاه المذهب فقط، كما بات هناك جهات أصولية تستجدي الدم". "كانت الحياة حلوة"، يقول الأنصاري.. أما اليوم "فالحال التي وصلنا إليها.. مخزية".
عند الكلام عن الأسير وحركته وتطورها التصاعدي من حركة دينية إلى حركة دينية – سياسية - مذهبية يذهب أهل صيدا مباشرة إلى البيئة التي "سمحت بولادته ونموه وتطرفه" كما يقول واحد من فعاليات المنطقة البارزة، مشيراً إلى أن "الأسير لم يأت من خارج هذه المنطقة، بل هو من قلب المدينة واستطاع بخطاب مذهبي أن يجذب الفئات المستضعفة وغالباً الأكثر فقراً". ويعتبر المصدر أن "خطورة ما تواجهه صيدا ليس فقط إمام مسجد له أربعمئة من الأتباع، بل إن المشكلة أن أتباعه من كل العائلات الصيداوية ويكاد لا يكون هناك عائلة إلا انتسب فرد من أفرادها إلى تحركه، وبات عدائياً اتجاه الآخر المختلف عنه. من هنا يمكن القول إن جمهور الأسير لم يأت فقط من المحافظين بل استطاع أن يجذب شباناً من تيار المستقبل وحتى من اليسار".
إنما هناك من ما زال يعول على طبيعة "ابن صيدا"، ويجزم أن "السوس لم ينخر بعد في عظام النسيج الاجتماعي للمنطقة"، كما يشير رئيس "تجمع الجمعيات الأهلية في صيدا" ماجد حمدتو، لافتاً إلى أن "النسيج الصيداوي ما زال مكوناً من شرائح هادئة، محافظة، ملتزمة غير متزمتة، معتدلة ومتقبلة للآخر والتنوع في المدينة. وهذا النسيج هو صمام الأمان لمدينة بهذا الاختلاط". وبالتالي بحسب حمدتو "في اللحظة التي يتفكك فيها هذا النسيج، يدق ناقوس الخطر". هنا تقول سحر جلال الدين (ابنة مفتي صيدا الشيخ الراحل محمد سليم جلال الدين) ورئيسة "جمعية أهلنا" إلى أن "كره الآخر، لم يكن يوماً من سمات أهل المدينة، ولا اعتادت أمهات صيدا أن تنشئن أولادهن على رفض الآخر، أو على العدائية. بل إن المرأة الصيادوية واعية ومنتجة، وأكثر من 75 إمرأة في جمعيتنا أعلن عائلتهن، أو ساهمن في إعالتها، وتأمين رسوم التعليم المدرسي ثم الجامعي لأولادهن. هي أمثلة لنقول إن المجتمع الصيداوي يبني نفسه على العلم وعلى الاعتدال".

بدوره يشير الناشط رشيد حمدّتو إلى أن "الخوف هو من تغير وجه المدينة، هي مدينة مسلمة إنما ليس متطرفة. والخوف ليس من الأسير، بل من ظاهرة انفلات الدولة. كنا نتعرض للضرب مراراً وتكراراً في اعتصامات لا تقطع أرزاق الناس وربما لا علاقة لها بالوضع الداخلي اللبناني". والخوف هذا برأي عضو اللجنة المركزية في "التنظيم الشعبي الناصري" خليل متبولي "بدأ بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، حيث انطلقت النعرات الطائفية، ومنذ ذلك الوقت يعمل على تشويه المزيج المميز للمدينة. واليوم يمكن القول إن عروبة صيدا تهتز". هنا يعود الفعالية الصيداوية عدنان الزيباوي، ليشير إلى أن "المدينة انخرطت مبكرا في القضية الفلسطينية، ولعوامل جغرافية وقومية وديموغرافية، كان الارتباط الوثيق بفلسطين". ويشير البزري إلى أنه "في حينها كان المناخ القومي طاغياً على أي مناخ طائفي أو مذهبي في المدينة، وما كنا نسمع بتمييز بين سني أو شيعي، بل إن أهل المدينة كانوا يخطئون في أي مدافن يدفن إبناؤهم من المذاهب المختلفة، وذلك لتقارب وثيق بين الناس". ولطالما تميز أهل المدينة "بعملهم في التجارة، كونها مدينة ساحلية على البحر المتوسط، امتدت فيها عمليات التبادل التجاري باتجاه الساحل الفلسطيني، تماما كبيروت. وبهذا انكب الناس على أعمالهم وأرزاقهم، ولم تلبّ المدينة يوما الاستفزاز المذهبي". ويرى الزيباوي أن "التمذهب الحاصل اليوم في صيدا، ليس إلا جزءا من الموجة التي تدخل على المنطقة كلها، باتجاه الأصوليات، سنية كانت أم شيعية، أو حتى من طوائف أخرى".
في السوق القديم (تصوير: جهينة خالدية)
حـاجـات إنمـائيـة ملحـة













تعاني صيدا من وضع إنمائي محرج. المدينة الكبرى التي تضم أكثر من 275 ألف نسمة (ضمنهم 125 ألف نسمة في صيدا الإدارية)، يعيش أكثر من نصفهم تحت خط الفقر. وتعيش صيدا بحسب رئيس بلدية صيدا السابق عبد الرحمن البزري، «انعدام مظاهر الإنماء العام في صيدا، فمرفأ صيدا من الأكثر تخلفاً في لبنان، علماً أنه مرفأ تجاري وسياحي. أما طرقاتها فتحت كلها طولياً وكأنه من المقصود أن تكون ممراً لا مقراً، في حين أن في صيدا حركة سكانية وامتداداً باتجاه الشرق، إضافة إلى الحركة التجارية الفاعلة مع الجنوب». وذلك إضافة إلى «مشكلة النفايات الذي لا تؤثر بيئياً فقط على المدينة إنما أيضاً اقتصادياً، إذ أن أكثر من نصف الشاطئ الذي يمتدّ سبعة كيلومترات معطل بفعل سوء إدارة النفايات في صيدا».
أما في ما يتعلق بالمياه وانقطاعها المستمر، فيشير البزري إلى «أنها لمفارقة أن تتعود صيدا على المياه، إنما المياه منقطعة في المنازل والمؤسسات بسبب تقنين قاس للكهرباء وبسبب عدم مدها بأي مشاريع من الخارج». أما في ما يتعلق بالأسواق التجارية، فلم نلحظ اهتمام الدولة التي شاركت في بناء أسواق بيروت وطرابلس، ولم يصرف لإعادة تأهيل وترميم أسواق صيدا إلا فتات الميزانيات المتبقية من بيروت وطرابلس، علماً أن المشروع لم ينطلق حتى اللحظة». أما اجتماعياً، فيلفت البزري إلى أن «الأوضاع الاجتماعية الصعبة في المدينة، لا سيما مع وجود ما يتعدى الثلاثين في المئة من نسيج المدينة الاجتماعي من اللاجئين الفلسطينيين الموجودين في صيدا، أو في محيطها، ويبلغ عددهم نحو مئة وثلاثين ألف نسمة محرومين من حقوقهم المدنية ويحاصرون حياتياً (منع التملك وصعوبة التنقل)، ما أدّى إلى تراجع المستوى المعيشي في المدينة، وتجميد أي مبادرات أو مشاريع يمكن أن يقوم بها الفلسطيني (المتمول أو المغترب) في المدينة». وبرأي البزري، «خلاصة هذا الوضع الإنمائي الصعب يجعل صيدا صاحبة مخزون معنوي عال، إنما مخزون مادي ضعيف. ولطالما كانت صيدا تعتبر نفسها مميزة، لأن ملفاتها مميزة، من النسيج الفلسطيني الذي مازالت بوصلته فلسطين بسبب رغبته وبسبب الحضانة الصيداوية له، رغم تعرضه للإغراءات والضغوط ليتحول إلى بوصلة داخلية مرة أخرى». ويعتبر البرزي أن صيدا والمخيم يشكلان «حاضنتين متكاملتين، يؤثر تفكك إحداهما مباشرة على نسيج الأخرى»، مذكراً بأن «صيدا لطالما كانت حاضنة لمفهوم المقاومة كائناً من كانت الجهة التي رفعت لواءها، يسارية، ناصرية، سنية، شيعية أو فلسطينية». ويلفت إلى «أن المجتمع الصيداوي حريص على مزيجه الداخلي وعلى تجنيبه أي خلل». قوى أساسية في الساحة اللبنانية والصيداوية زكت الخطاب المذهبي والطائفي في المدينة، ورفعت منسوبه لجذب جمهور معتدل نسبياً. وجواباً عما إذا سقطت حصانة المجتمع الصيداوي؟ يجيب البزري: «صيدا ليست بجزيرة، وهي تتأثر بكل ما يجري في لبنان، كانهيار الدولة لمصلحة المذاهب وضعف المؤسسات الدينية الرسمية. وفي صيدا نموذج لاختراق الخطاب المذهبي، حتى لو كانت من المجتمعات الأكثر تحصيناً، لا سيما أن للحصانة حداً ومقومات لها، فتتراجع أمام الاستثمار الداخلي والخارجي لضغط مذهبي».
المصدر: جهينة خالدية- جريدة السفير

ليست هناك تعليقات: