13.8.12

قصص تجار "طريق الشام": أشباح الماضي لا تغادر

تحقيق: جهينة خالدية
نشر في جريدة السفير
الإثنين 13- آب- 2012

«طريق الشام» في الخمسينيات من القرن الماضي،
قبل أن تغزوه المؤسسات التجارية (من أرشيف نعيم نصار)



لم يأت اسم الطريق من العدم. ولد من واقع تاريخي جعلها «طريق الشام الدولية»، إذ تشكل المعبر البري الرئيسي للبنان مع سوريا.
لم تبق الطريق مجرد ممر، بل نفحت فيها الروح على مر الأعوام، وخفتت فيها الحياة أحيانا، منذ الحكم العثماني والانتداب الفرنسي والاستقلال وصولاً إلى دخول الجيش السوري لبنان في العام 1976، ومن ثم خروجه في العام 2005 وحتى اليوم.
على مدى هذه الأيام، مروراً بهذه الأحداث، كانت الطريق تتغير، تتطور، وباتت للقرى وللمؤسسات على طرفيها حياة ثانية، تُخرج الناس من لباسهم القروي ومن أراضيهم الزراعية إلى مهن تجارية، ما كانوا يعرفون عنها الكثير.
التجوال في ماضي هذه الطريق وحاضرها، ليس عبر تاريخ سردي لأحداث أنعشتها وأخرى أربكت الحياة فيها، بل تنقل بين قصص كان يُخشى أن تُحكى، قصص «أرباب» الطريق.. تجاره.
هم الذين عايشوا الطريق واختبروا أزماتها. هم الذي حاول بعضهم إبعاد التجارة عن السياسة وعن الاشتباك أو الارتباط في العلاقات اللبنانية السورية التي كانت متجسدة لوجستياً ومعنوياً في محيطهم تماماً بين شتورة وعنجر والمصنع. ولم ينجحوا في مرات كثيرة.. إذ بقي تجار خط الشام هم أكثر من يدفع ثمن العلاقات المتأزمة بين البلدين.
لا يقول التجار كل شيء، يذكرون قليلاً من أسماء زوارهم من المخابرات السورية المتمركزة في البقاع أو السياسيين من آصف شوكت إلى عبد الحليم خدام وغازي كنعان ورستم غزالي وغيرهم. بعضهم يصفهم بـ«الأصدقاء»، وبعضهم الآخر يردد: «كانوا قوى الأمر الواقع، وكان علينا التعايش معهم».
وفي رواياتهم الأخرى التي يروونها مع طلبهم عدم ذكرهم أسماءهم، يحكون عن العلاقات الجيدة التي نسجوها مع السوريين «الواصلين»، والنخبة السورية والخدمات المتبادلة بينهم وبين رجال المخابرات. وبعضهم الآخر يروي عن «تشبيح» كانوا يعيشونه في ظل وجود المخابرات، وما كان يفرض عليهم من «خوات» وتسوق مجاني من محالهم تحت وطأة كلمة سحرية مكررة: «بقلك المعلم...».
إلا أن ذكريات تجار «طريق الشام»، لا تقتصر على الأعوام الممتدة من دخول الجيش السوري لبنان إلى حين انسحابه، بل ثمة بين التجار من يعود بنا إلى خمسينيات القرن الماضي مستذكراً زبائنه في عربات الخيل العائدة لشركة «ديلجينس» الشهيرة، وقبلها سنوات المجاعة والبحث عن سنابل القمح مشيا على الأقدام من البقاع إلى حوران.
في الأربعينيات كانت الطريق ضيقة، تنتشر على جانبيها أشجار الحور والزنزلخت، ولا يتجاوز عدد المؤسسات التجارية الاثنتين. وبات اليوم مفروشا بأربعة آلاف متجر واستراحة ومطعم تمتد من المصنع حتى ضهر البيدر، وموزعة في مناطق عدة بينها مجدل عنجر، برالياس، تعنايل، شتورة، شتوراما وصولاً إلى المريجات.
مناسبات حزينة وأخرى سعيدة أدت دوراً في ازدهار الطريق ومؤسساتها، بينها الحرب الأهلية التي بقي خط الشام بعيداً نسبياً عنها. لهذا نقل عدد من الشركات البارزة مستودعاتها إلى البقاع، وظلت «طريق الشام» مفتوحة بل نشيطة في تلك الفترة. أضف إلى ذلك مهرجانات بعلبك الدولية التي كان يتدفق إليها الناس من مختلف المناطق مارين باستراحات «طريق الشام»، لتذوق سندويش اللبنة ذهاباً والسحلب أياباً.
إنما في السنوات الماضية، ومع الأزمات التي شابت العلاقات السورية اللبنانية أو الحوادث اللبنانية، تغير اسم «طريق الشام الدولية»، إلى تسمية تصف واقعه: هي خط الشام فحسب، ولم يعد يرى التجار ما يستدعي تدويلها وبالكاد يمر عليها لبنانيون وعدد من السوريين، و«تبخر» آلاف السياح الأردنيين والخليجيين والعراقيين الذين كانوا يمرون عليها.
الحوادث في سوريا، هي ما جعل الحياة بطيئة جداً وشبه منعدمة في مؤسسات الشام. ما يعيشه التجار اليوم، يبكيهم وهم يقارنونه بـ«سنوات العز»، يوم كانوا يبيعون أطنان السكر والأرز والسمنة والبسكويت وحتى.. المحارم الورقية. وكان المواطن السوري يعيش تحت وطأة الحظر ويحاول أن يستفيد من السوق المفتوحة في لبنان. وفي نهاية التسعينيات انقلبت هذه الآية، بحيث بات المواطن اللبناني، البقاعي، يقصد سوريا ليشتري أبسط حاجته من ألبان وأجبان ومساحيق تنظيف بأسعار أرخص.
اليوم، الموت البطيء يكاد يصل إلى قلب خط الشام ونبضها وتحديداً ساحة شتورة التي باتت مركزاً لتجمع «فانات» النقل بين بعلبك وبيروت. أما نداء «ع الشام.. ع الشام» الذي اعتاد أصحاب السيارات الصفراء على تكراره، فقد خفت.. جداً.
لا يمكن القول إن «البقاء للأقوى» من تجار «طريق الشام»، بل إن البقاء للأكثر صبرا. الصبر والرزق هما ما يصلي لأجله هؤلاء.. وإلا استبدال مؤسسات على الخط الدولي إلى أخرى داخل الأحياء.. ويبقى الخيار الأخير، الإفلاس.
يزخر خط الشام بذكريات متشعبة، لدى التجار قسم منها، ولدى أصحاب المطاعم والفنادق الكبرى والأقدم مثل «فندق مسابكي» و«مطعم عقل» و«بارك أوتيل شتورة» قسم وافر منها عن شخصيات رسمية ووفود ديبلوماسية ولقاءات سياسية مصيرية عُقدت فيها. إلا أن هذه تستحق أيضاً حيزاً منفصلا لتروى.

فراغ قاتل يسيطر على مؤسسات «طريق الشام» ومحالها. لا وجود لزبائن هنا ولا سيارات ولا متسوقين وباعة جوالين ولا مندوبي شركات. كأنها المدينة المهجورة وكأنها غير مأهولة.
الصورة هذه تقتل الماضي الجميل الذي يختزنه نعيم نصار. الرجل السبعيني واحد من أوائل تجار «خط الشام» وأبرزهم. كان على مدى خمسين عاماً يمتلك سوبر ماركت واستراحة في منطقة شتورة، وانتقل في الأعوام الماضية إلى منطقة شتوراما.. ليقرر منذ أشهر قليلة أن ينسحب من هذه المهنة تماماً، ويفتتح مع ابنه شركة لبيع السيارات.
«تعبت»، يقول الرجل دامعاً. وفي واقع الأمر، لا يُتوقع من تاجر عُرف بصلابته أن يودع هذه المهنة دامعا ولو بسيطاً. إنما من يسمعه يحكي عن أيام خوال، أيام المجد كما يسميها، يدرك أن الحال اليوم أكثر من مبكية.
كان أمراً غريباً لأهل نعيم نصار أن يروه مرة واحدة في الأسبوع. كان الشاب في أوائل الخمسينيات يعمل في «راديو أوريان» في العاصمة، وكلما زار عائلته في شتورة بكوا ورجوه أن يعود للعيش قريباً منهم.
بعد ذلك، ولد نعيم نصار التاجر، حصل ذلك في العام1957، يوم استأجر دكاناً صغيراً ملاصقاً لـ«مطعم عقل» الشهير، برأسمال بلغ سبعمئة ليرة لبنانية، ومساحته أربعة أمتار مربعة.
يومها لم يكن زبائنه يقصدونه في سيارات «الدودج» الصفراء الشهيرة كسيارات أجرة، بل سيارات «الفورد» (الملقبة أبو دعسة) و«الشفروليه» موديل 1936 وعدد قليل من عربات خيل تعود إلى شركة «ديليجنس»، كما يروي. العربات هذه، كانت وفق نصار تقل أيام والده وجده (سنوات الانتداب) «كونتيسات» بين الشام وبيروت.
يقول نصار إن «شتورة في ذلك الوقت كانت فيها أقل من عشر عائلات انتقلت أيام الحكم العثماني من مناطق مختلفة من لبنان وحتى من فرنسا إلى شتورة، بينها عائلة نصار جاءت من بكفيا، تنوري من تنورين، حايك من الدامور، عفيش من ضهور الشوير، مسابكي من الشام، قرطباوي من كفرسلوان، الصحناوي من سوريا، بران من باريس، إضافة إلى عائلات بقاعية مثل خاطر وقاصوف وعقل وعاصي. وبين هؤلاء عائلات إقطاعية مثل سرسق والدوماني وسكاف وتابت ومسابكي كانوا يمتلكون الأراضي الواسعة في شتورة والمرج وبر الياس.
يتذكر نعيم نصار بدايات تكوّن الشام، يوم كان الناس من جيل أجداده يتنقلون من البقاع إلى حوران مشياً على الأقدام، ليجمعوا بقايا سنابل القمح في البساتين في الحقول، يجمعونها لسد جوعهم. حصل هذا أيام المجاعة.
كان الرئيس كميل شمعون يزور نعيم نصار
كلما توجه إلى الصيد (من أرشيف نعيم نصار)
مشروع نصار كان تأمين منتجات لا يملكها المواطن السوري في بلاده. اختار بداية بيع الفاكهة والحمضيات، يقول نصار إن الزراعة في سوريا كانت متركزة في تلك الفترة على القمح والقطن والشمندر. ثم انتقل نصار بعد سنة إلى متجر أكبر، وفي الفترة عينها افتتح متجر بديعة مصابني ونصار الريس وجريس الريس وخزاقة وخاطر.
اشتهر نصار بتعامله الدائم مع معمل غندور اللبناني، «كنا نبيع أسبوعياً أكثر من ستين آلف علبة من الشوكولا والبسكويت، إلى الزبون السوري وهو رقم خيالي اليوم».
مرت التجارة و«طريق الشام» بحسب نصار «بمراحل مختلفة، من انطلاقة المهنة وكان عزها في الستينيات وصولاً إلى بداية الحرب الأهلية، في تلك الفترة كان التجار يُعدون على أصابع اليد الواحدة، وسجل ارتفاع حركة المسافرين والبيع، إضافة إلى حفاظ الليرة اللبنانية على قيمتها».
يقول الرجل إن «التجارة مسايرة، وعند دخول السوريين، كنا مجبرين على مسايرتهم. كنا مسيرين».
يتذكر نصار أن زبونه المميز، كان «الرئيس كميل شمعون يزوره كلما توجه إلى الصيد. إنما هذا لا يعني انتساب نصار إلى حزب الوطنيين الأحرار». ويروي «أن أخا الرئيس كان يكرر دوماً، لمَ لا تضم نصار إلى الحزب؟ فيجيب الرئيس: «إنه تاجر، باب رزقه من كل الناس. خليه بالتجارة»».
«المهنة سابقاً كانت اجتماعيات وتجارة»، يقول الرجل. كان نعيم نصار يسدي السائقين والزبائن خدمات مختلفة تحولهم إلى أصدقاء ثم إلى زبائن مخلصين. مثل توفير المنامة لهم وبعض الخدمات». أحب نصار مهنته، بل أغرم فيها، ويترحم على «أخلاقها».



من هنا خرج الهراوي رئيساً
حُفر فوق الزجاج تاريخ بعيد: 1952. هي السنة التي افتتحت فيها الفنانة الاستعراضية بديعة مصابني وزوجها نصار الريس متجر الألبان والأجبان في منطقة شتورة، في «طريق الشام الدولية». ذلك بعدما غادرت القاهرة. بعد نحو 22 سنة من هذا التاريخ، توفيت مصابني، وفي العام 2001 توفي نصار الريس وورث المتجر أخوة الريس وأولادهم.
يقول أحد أولاد الأخوة الذي يدير المتجر اليوم مع أولاد عمه (يفضل عدم استخدام اسمه الأول)، إن «الخلفية السياسية للمتجر جاءت من كون جورج الريس (أخي نصار) مسيساً وتجمعه علاقة بالمخابرات السورية في لبنان وقادتها الأساسيين، لا سيما غازي كنعان. وتحول المنزل والمتجر إلى مركز لطلب الخدمات من السوريين».
ويتذكر الرجل أن «المتجر تحول إلى محطة سياسية قبل الوجود السوري ومعه. وكان زبائننا من الناس العاديين ومن السياسيين، من كنعان وآصف شوكت ورستم غزالي وغيرهم»، ويوضح: «بل إن العلاقات امتدت إلى المنزل، وهو في الطبقة العليا. ومن هذا المنزل تحديداً خرج الرئيس الياس الهراوي رئيساً، بعدما اجتمع هو وميشال سماحة مع غازي كنعان عقب اغتيال رينيه معوض، وتقرر إعلان الهراوي رئيساً للجمهورية في الليلة عينها من بارك أوتيل شتورة».
ويروي الرجل، أن «اللواء غازي كان يتصل بالعم جورج الريس، ليبلغه رسالة سريعة: رفيق الحريري عندي اليوم على الترويقة، ابعتلي تشكيلة لبنة وجبنة».
يضيف ابن الأخ: «كنا أصدقاء للسوريين، إنما لم نؤذ أحداً. كنا نحمي أنفسنا، ونخدم الناس وكل الجوار كان يعرف أن لغازي كنعان محطة هنا، وبالتالي ما حدا بيسترجي يقرب». ويوضح: «كانت لنا علاقة خاصة مع هذا الرجل، ولا علاقة لنا بممارسات أفراد آخرين في المخابرات. والكل يعرف أنه كان يحكم لبنان».
لا ينكر الريس أن «كنعان حمانا، إنما نعرف أن وجود المخابرات عامة أضر لبنان. ولا أحد ينكر اعتداءهم على عدد من المحال، وحملات التشبيح والخوات التي فرضت لرفع تمثال باسل الأسد، لكننا كنا نتعايش مع الأمر الواقع، تماماً كما احتل الاسرائيليون الجنوب».
كيف تغيرت العلاقة عند الانسحاب السوري في العام 2005؟ يجيب الريس بأنه «تم التعامل بروح رياضية، إنما الناس لم يتقبلونا وقاطعونا، لا سيما 14 آذار في زحلة ينفرون منا، ويتهموننا بأننا كنا عملاء للسوريين».
يذكر الريس جيداً الأيام الأخيرة قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، يقول إنه «قبل نحو أسبوع كان هنا في شتورة. وكان كلما زار سوريا ومنزله هناك، يتبضع بالألبان والأجبان من متجرنا. وفي اليوم الذي قتل فيه، رفعنا صوره، وهذا أضعف الإيمان فهو وعائلته أصدقاء، وهو زبون المحل»!
«ما كنا نصدق أو نتوقع أن يأتي يوم يرحل فيه السوري»، يقول الريس. يضيف: «وما كنا نظن أن ثورة ستندلع في سوريا، ونحن اليوم نراهم كثوار يطالبون بالحرية، على الرغم من أنني أفضل أن يبقى الأسد حاكماً لسوريا».

الشام.. دمشق الطريق
في العام 1967 كان يحيا خالدية في الخامسة عشرة من عمره. خرج طفلاً إلى العمل في متجر على الشام. كان ينهي دراسته ويهرع ليعمل بعد الدوام، طوال أشهر الصيف. لاحقاً بعد سنوات أصبح شريكاً في مؤسسة تجارية في وسط شتورة، ومن ثم امتلك مؤسسته الخاصة في نهاية التسعينيات في منطقة المريجات، هنا حيث يرفع فوق إحدى واجهات العرض قصيدة يحبها لمحمود درويش تقول «الشام/ دمشق الطريق/ ومفترق الرسل الحائرين أمام الرمادي/ إني أغادر أحجاركم/ ليس مايو جداراً/ أغادر أحجاركم وأسير».
يقول إنه «منذ وعيه لهذه المهنة، يعرف جيداً أن الزبون السوري هو الهدف الرئيسي لكل مؤسسة تفتح على هذا الطريق. وكانت هناك علاقات وثيقة تجمع السوري واللبناني. إنما هذا الوضع اختلف مع الحوادث السياسية التي جمعت أو فرقت بين البلدين». إنما منذ منتصف التسعينيات، كان خالدية يدرك جيداً أن «السوق لم تعد رابحة إذا اعتمدت على الزبون السوري وحده، فهذا قد استغنى عن كثير من السلع التي كان يشتريها من لبنان، وباتت متوفرة لديه في سوريا. وباتت سيارة الأجرة التي تتوقف مع الركاب تخسر المؤسسة بدلاً من أن تربحها، ذلك أن الزبون كان يشتري سلعاً غير رابحة، وفوق ذلك يطلب السائق مكافأة لقصده هذا المتجر دون غيره عبارة عن غداء وبسكويت ودخان وقهوة. وكان الزبون الأردني، وفق خالدية، «هو البديل من السوري، بحيث راحت الحافلات الأردنية تقل آلاف السياح أسبوعياً إلى لبنان، ليسجل السائح الأردني في السنوات الأخيرة أعلى نسبة بين السائحين القاصدين لبنان وفق وزارة السياحة».
يقول خالدية إنه «لطالما كانت للتجار ميولهم السياسية، إنما غالبيتهم كانت غير منتسبة إلى الأحزاب حفاظاً على مهنهم واستقلاليتهم».
وكان هذا التوازن حرفة يحاول كل تاجر تعلمها، تماماً كما انتقل الناس من الزراعة إلى التجارة، إذ يشير خالدية إلى أن «كثيراً من العائلات البقاعية كانت من المزارعين، إلا أنهم انتقلوا إلى التجارة بعد امتلاكهم رساميل كان يرسلها إليهم أبناؤهم المغتربون في الخليج والبرازيل وفنزويلا لتُستثمر في التجارة».
تلتصق في ذاكرة خالدية حوادث أليمة عايشها أثناء عمله في المهنة، «بينها جمود الحركة الاقتصادية كلما أغلقت الحدود السورية - اللبنانية، وهو ما حدث بشكل متكرر لأسباب سياسية، كذلك إلى الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 الذي أثر جزئياً في الحركة الاقتصادية، إضافة إلى قصف عون منطقة شتورة حيث تتمركز المخابرات السورية، وكان ذلك إبان إقرار اتفاق الطائف الذي يلزمه تسليم السلطة، وهو ما رفضه عون. هكذا تحولت واجهات المحال في تلك الفترة إلى عبارة عن جدران عالية موقتة من الأحجار الإسمنتية، لتحمي الواجهات الزجاجية والسرقات للمحال».

طريق دمشق لم تشهد تراجعاً في الحركة
عليها حتى في أيام حرب تموز 2006 (عباس سلمان)

السلع فوق البغال
اليوم، يعتبر متجر محمد عبد الفتاح واحداً من أكبر المتاجر المخصصة لبيع الكهربائيات في منطقة المصنع. منذ ثلاثين سنة، اختار الرجل أن يبيع أصنافاً يحتاج إليها الزبون السوري بشكل ملح، وتختلف عن التي يبيعها اليوم. في العام 1982 كان عبد الفتاح يبيع السكر والأرز والملح وبعض الأدوات المنزلية والحاسبات الإلكترونية. أما قبل أن يمتهن التجارة، فكان الرجل «يقطف التين والعنب من الأراضي الزراعية، ويبسط عند الطريق ليبيعها».
لم يختر عبد الفتاح بيع الكهربائيات بداية «إذ إن كل ما له صلة بالطاقة لم يكن رائجاً كما اليوم». ويعود ليذكر أنه منذ العام 1981 حتى 1992 كان التمركز الأساسي للمؤسسات في نقطتي شتورة والمصنع، وبعدها بدأت الحال تنتشر على الطريق ما بينهما من مجدل عنجر، بر الياس فتعنايل. أما التغيير الذي طرأ على مهنة عبد الفتاح فسببه الأساسي «التعلم من السوق» كما يقول، معتبراً أن «التجارة مدرسة، يدخلها التاجر من الحضانة، وفي حال نجح في الصمود، يكون كمن بات يحمل شهادة الدكتوراه».
يقول عبد الفتاح إن «الزبون الأهم بالنسبة إليه كان عناصر الجيش السوري. كانوا يشترون السلع لحاجاتهم الشخصية أو ليبيعوها في بلدهم. وكانت البضائع تُحمل في سياراتهم العسكرية. أما الزبائن من المدنيين، فقلما كانوا يزورون لبنان في أيام الأسبوع، إنما أيام الجمعة تحديداً حيث العطلة الأسبوعية لديهم». ويضيف ان «السوري ابن منطقة مضايا في الزبداني والقريبة من نقطة المصنع الحدودية بين سوريا ولبنان، كان يشتري البضائع من محالنا، وأحيانا يحملها فوق البغال إلى منطقته، ويعود الدمشقي ليزور الزبداني ويشتريها منه».
يشير عبد الفتاح إلى «أن دخول الجيش السوري كان مرحبا به من جانب أهل البقاع وتجاره، على الرغم من أنه طغى على وجودهم في المنطقة صيت سلبي حتى التسعينيات، عندها تغير أداء السوريين في البقاع بعد تغير الأوضاع السياسية في لبنان».
ماذا حصل بعد التسعينيات؟ يجب عبد الفتاح: «تعلمنا وتنورنا».

رحم الله أيام «الأطنان»
لم تكن وحدة وزن «الكيلو» رائجة في التجارة على خط دمشق. يقول عبد الحكيم الطلياني، صاحب متجر منذ منتصف التسعينيات على طريق بر الياس، إن «ترجمة مصطلح التجارة تغلي، كانت فعلياً تعني أن البيع يتم بالطن. إذ كان عناصر الجيش وهم دوماً أبرز الزبائن، يحملون أطنان السكر والأرز في الآليات العسكرية. وفي وقت لاحق بات سائق سيارات الأجرة السورية تاجراً أيضاً، إذ يحمل سياراته بالبضائع وينقلها إلى دمشق».
يعرف الطلياني الذي يقع محله على بُعد دقائق قليلة من منطقة عنجر أن «كل تاجر على خط دمشق يملك الخيار بتبادل الخدمات مع المخابرات السورية المتمركزة في لبنان»، إلا أن الرجل لطالما فضل أن «يقطع الطريق» على هذا الخيار، لأن «كل خدمة كنت سأطلبها سيكون لها في وقت لاحق ثمنها».

صرافة.. صرافة
في ساحة شتورة وفي نقطة المصنع تحديداً، تتمركز عشرات مؤسسات الصرافة. وتعتبر الحركة في هذه المحال من المؤشرات البارزة على حركة التبادل التجاري وحركة الناس بين البلدين.
واعتادت الساحة والمصنع، إلى جانب هذه المؤسسات، على فرش شوارعها أيضا لصرافين جوالين، لطالما كان مشهدهم لافتاً وهم يلوحون بآلاف الأوراق النقدية، ويحركونها يمينا ويساراً كأنها مروحة يدوية. وكان الصراف كلما حركها كرر: «صرافة، صرافة، المية بخمسة آلاف، صرافة، صرافة».
إلا أن الأزمة السورية جعلت هؤلاء الصرافين شبه عاطلين عن العمل، وإن كان على أحدهم أن ينادي معلناً عن أسعار مبادلة العملة بين الدولار والليرة السورية، لكان عليه أن يغير السعر اليوم، ليقول: «صرافة، صرافة، المئة بستة آلاف»، وذلك لتدني قيمة العملة السورية في مقابل الدولار بشكل متزايد.
لم يشهد أصحاب مؤسسات الصرافة هذه الحال من الجمود حتى في أيام حرب تموز 2006، كما يقول عباس أبو حمدان وهو يعمل في هذه المهنة منذ منتصف الثمانينيات، آتيا من تجارة الخضار.
يقول أبو حمدان إنه «منذ منتصف الثمانينيات حتى اغتيال الحريري بقيت الحركة مزدهرة، إلا أنه بعدها ساد نوع من الجمود لتعود الحركة لتنشط قليلا خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006، مع حركة اللاجئين اللبنانيين في اتجاه سوريا».
عانى أبو حمدان كثيراً في مهنة مخاطرة نسبيا، خاصة أثناء تغيير سعر صرف العملة في مقابل الدولار في فترات متكررة، لا سيما في التسعينيات. وكذلك إصابة محله (وإخوته) قذيفة أثناء حرب عون أدت إلى خسارته مليون دولار وتوفي إثرها ابن عمه». ويلفت إلى أنه بعد «الخروج السوري من لبنان، بات هناك نوع من الفراغ الأمني الكبير، أما الحركة الاقتصادية فمتدنية جداً لأن زبائننا عادة من اللبنانيين المقيمين، والعمال السوريين في لبنان، والعائلات السورية، والمغتربين اللبنانيين الذين يزورون سوريا أثناء إجازاتهم. وكل هؤلاء لم يعودوا اليوم بحاجة إلى الصرافة واستبدال العملة».
لا يحبذ أبو حمدان التوقف كثيراً عند الأمور السياسية ولا عند الثورة السورية، يقول إن «خطنا السياسي واضح. أما علاقتنا مع الشعب السوري، فهي علاقة أخوة ومحبة».

ســـرّي للـغــايـة
يتابع معظم التجار على طريق دمشق أخبار سوريا لحظة بلحظة. في هذا الفعل يعبر عن متابعة سياسية بالدرجة الأولى. والحوادث بالنسبة إلى البعض ثورة وإلى البعض الآخر مؤامرة. إنما في المتابعة أيضاً وجهاً إقتصادياً، إذ يترقبون بفارغ الصبر عودة حركة المسافرين إلى طبيعتها. وفي ظل هذا، يفضل عدد من التجار الكبار، الذين يُصنفون كمقربين من النظام السوري أو من النخبة السورية الموالية للنظام، عدم التعليق على أي من الحوادث الحالية، أو حتى استحضار ذكريات أيام وجود القوات السورية في لبنان. هؤلاء يتبعون اليوم موقفاً ديبلوماسياً، حرصا على باب رزقهم عبر الزبائن السوريين أو حتى اللبنانيين في محيطهم.
وهناك فئة أخرى من التجار، الذين بدوا وكأنهم متخمون من ذكريات أليمة حدثت خلال الوجود السوري في البقاع، فيسردون قصصاً كانت متاجرهم مسارحها، وهم لا يملكون القدرة على الاعتراض أو منعها حفاظاً على رزقهم.
يقول أحد التجار الذي يعمل في هذه المهنة منذ العام 1979 إنه «في السنوات الأولى للدخول السوري كانت العلاقات يسودها الاحترام، وكان هناك ندية في التعامل، إنما بعد سنوات قليلة فقط وبعد تعرف رجال المخابرات جيداً إلى المنطقة وإلى المؤسسات ومنتجاتها فريدة بالنسبة إليهم، تحول وجودهم كابوساً».
كان الرجل كلما سرد واحدة من القصص، كرر «بس أوعا يُذكر الاسم، بلا اسم، بلا اسم»، ويعود ليلفت إلى: «عودوا بعد نجاح الثورة، نقص عليكم ما شئتم». ويكمل: «كان أصغر مساعد لدى المخابرات يزور متاجرنا ويختار ما يشاء ويقفل خارجاً مكرراً بعدين منتحاسب، أو يختار أغلى الأدوات المنزلية وهو يردد هول لبيت المعلم. ونحن كان يمنع علينا أن نقول لا».
ويوضح أن «التعاون معهم غير مربح أيضا، إذ حصل «صفقات بين تجار لبنانيين ورجال مخابرات، أُكلت فيها حصة التجار». كلنا كنا نعرف سلطتهم، وما كان في إمكاننا أن ننبس بحرف، لأن قدرتهم على العقاب واسعة. كانوا يبتزوننا. وكنا نُلزم بدفع الخوات لأمور لا علاقة لنا بها، مثل تمثال الشهيد باسل الأسد الذي نصب عند حاجز المخابرات في شتورة. وكنا كلما نُظم نشاط سياسي أو مسيرة للسوريين أو موالية لهم نصطف أمام متاجرنا لتلتقط لنا كاميرات المخابرات صوراً أمام آرمات مؤسساتنا، لنُعفى لاحقا من المضايقات». المصدر: جهينة خالدية- جريدة السفير

طريق الشام 1857
نالت شركة فرنسية، في العام 1875 امتياز طريق دمشق بيروت، وفق رسالة الماجستير في تاريخ «الإدارة العثمانية في ولاية سورية 1864- 1914» لعبد العزيز محمد عوض (جامعة عين شمس). وقد أشرف المهندس ديمان على «هندسة الطريق، التي بلغ طولها 112 كيلومتراً وعرضها سبعة أمتار».
ويذكر عوض أن «الشركة باعت حقوقها المحررة في المرسوم السلطاني المؤرخ في 20 تموز 1857 إلى شركة خط حديد دمشق- بيروت في تاريخ 2 كانون الثاني 1892 وخصص لكل ذي سهم واحد في شركة الطريق سهمين في شركة الخطوط».

ازدهـار بيـروت
كسبت طريق الشام أهمية لافتة منذ القرن التاسع عشر وكان لذلك تأثير إيجابي على ازدهار العاصمة بيروت، وفق سمير قصير في كتابه «تاريخ بيروت». ويؤرخ قصير للتحول الذي شهدته العاصمة في بدايات القرن، من تطور للتجارة واتساع رقعة المدينة المأهولة بالسكان وشكل مجيء إبراهيم باشا وافتتاح طريق دمشق بيروت الفضل في ذلك.
ويروي قصير أنه «حتى العام 1848 كان نقل البضائع بين دمشق وبيروت يتم على ظهر البهائم عبر مسالك وعرة للغاية محفوفة بالأخطار ويستغرق عبورها يومين وليلة على الأقل. وفي العام 1857 أعطى الباب العالي للكونت دوبرتوي (المتعهد والضابط في البحرية الأورليانية) رخصة بإنشاء طريق تسلكها المركبات. وبوشر العمل في كانون الثاني 1859 خلال احتفال ترأسه الوالي خورشيد باشا. وبعد أربع سنوات (1863) وصلت أول قافلة للبضائع إلى دمشق وباتت الطرق مفتوحة أمام العابرين. ومنذ ذلك الحين، أخذت رحلة المئة واثني عشر كيلومتراً تستغرق بين اثنتي عشرة وخمس عشرة ساعة وفقاً لنوعية القوافل، وثلاث عشرة ساعة في عربة جياد المسافرين أو ما يُسمى «ديليجنس». ولتأمين النقليات استخدمت الشركة 348 حصاناً وبغلاً و14 عربة خيل للمسافرين OMNIBUS وإثنين ديليجنس».
ويكتب قصير: «كما غيرت السفن التجارية نمط حياة أوروبا، كان خط بيروت- دمشق أول تدبير يغير حياة سكان البلاد لا بل وأكثر. وكان يبلغ عدد المسافرين أحد عشر ألف مسافر سنويا. أما تحميل البضائع فانتقل سريعاً من أربعة آلاف طن في السنة إلى أكثر من 21000 طن».
يضيف: «عادت طريق دمشق - بيروت بالخير على المدينتين وعلى كل المناطق الواقعة بينهما. وأفادت زحلة وبدأت تنشط أعمال استصلاح الأراضي فتحولت الأراضي الخصبة في نجود البقاع المجاورة إلى مناطق استثمار زراعية».
المصدر: جهينة خالدية- جريدة السفير

ليست هناك تعليقات: