25.8.12

صاحبة «اعتزلت الغرام» تغني الليلة في البترون ..... ماجدة الرومي: أنقل رسائل السلام ورأيي السياسي أحتفظ به لنفسي

 جهينة خالدية
نشر في السفير 25-8-2012
 هنا، فوق خشبة مسرح «مهرجان البترون الدولي» تقف سيدة تحمل فوق وجهها ابتسامة دائمة وصوتاً دافئاً. ترنم، تغني، تنصت جيداً لأداء الفرقة الموسيقية، تبدي ملاحظاتها، تدقق في كل تفصيل وتعود لتبتسم. هادئة جداً ماجدة الرومي، حتى وهي في أشد لحظات التوتر أثناء بروفات التحضير لحفلتها التي تقام الليلة في البترون.
لا تقول الكثير، تقف وسط المسرح، إلى جانبها مجموعة من الأوراق المكتوبة بخط يدها، وتحمل عناوين أغنيات الأمسية. تنسى الفنانة، وهي توائم الغناء والكلام مع العزف، أنها في بروفة تحضيرية فقط. تنسجم كليا في أدائها، من دون أن تبخل بالسفر بعيداً في طبقات صوتها.
لا جمهور بعد، المقاعد جُهزت ورصفت، الفرقة الموسيقية، بقيادة ايلي العليا، توزعت فوق المسرح، فريق الإضاءة والهندسة الصوتية انتشر في أرجاء مختلفة، متنبهاً لآخر التفاصيل التقنية، وماجدة تقف خلف الميكروفون تتمايل، وتنقر بيدها منسجمة مع اللحن وتصدح بغنائها عالياً. الصوت الذي يخرج محتفلاً، يأمل أن يخفف من وطأة حرب مشتعلة على بعد أمتار قليلة في الشمال اللبناني. 
الرومي أثناء تمارين حفلة البترون في استديو بارتاميان، في الزلقا.
في الأوراق بين يدي ماجدة نحو عشرين أغنية من جديدها وقديمها (من رصيد يتخطى مئة خمسين أغنية)، وهي تتدرب عليها منذ أكثر من أسبوعين في استديوهات بارتميان في الزلقا، أو فوق خشبة المسرح في البترون، حيث رافقتها «السفير» في كليهما. هذا العدد من الأغاني، خضع تدريجاً لترتيب ومرحلة تصفيات حاسمة، اختير منه ما يتناسب ومدة الأمسية ورغبة الرومي.
في الحفل الذي سيمتد لساعتين متواصلتين، تغني الرومي قسماً كبيراً من ألبومها الأخير «غزل»، الذي أطلق منذ نحو شهرين، وتختار منه «وعدتك» (شعر نزار قباني ألحان كاظم الساهر. وكان الساهر قد اختارها بداية لنفسه، ثم عاد وقدمها للرومي)، و«بتتغير الدقايق» (شعر نزار فرنسيس، ألحان ملحم بركات)، و«بلادي أنا» (شعر سعيد عقل، الحان جوزيف خليفة وجان ماري رياشي)، و«بس قلّك حبيبي» (كلمات ماجدة الرومي، ألحان تشارلي شابلن وجيفري بارسونز)، و«اقبلني هيك» (كلمات ماجدة الرومي، ألحان وتوزيع جان ماري رياشي). أما مفاجأة أمسية الـــيوم فهـــي أغنية جديدة تُعد للألبوم المقبل، الذي يبدو أن الرومي متحمـــسة جداً لاختيار أغانيه. وهي تحمل عنوان «أهلا وسهــلا»، من كلمات ماجدة الرومي وألحان مروان خوري وتوزيع كلود شلهوب.
كما تلفت إلى أنها «فعلاً اختارت قصيدتين إضافيتين لعملها الجديد، «أضناني البرد» من أشعار نزار قباني و«أجمل من عينيك» من أشعار سعيد عقل، لكن غير مدرجتين في أمسية اليوم».
تعود الرومي إلى أعمالها القديمة التي نقلت ماجدة إلى مراحل ذهبية، مثل «كلمات» (من ألبومها «كلمات» 1991) و«مطرحك بقلبي» و«خدني حبيبي» (من ألبومها «خدني حبيبي» 1977)، ومن ألبومها الأسبق الذي صدر عام 2006 تختار الرومي «اعتزلت الغرام» و«بالقلب خليني». علما أنه يشارك في الحفل 45 موسيقياً وعازفاً و20 مغني كورال و35 راقص دبكة.
وينتظر جمهورٌ عريض حفل الرومي بعد غيابها عن كل المهرجانات الكبرى في لبنان مؤخراً، فهي لم تغنِّ يوماً فوق أدراج بعلبك وتفسير ذلك هو إما عدم دعوتها أحياناً، أو أنه بسبب المقابل المرتفع الذي تتقاضاه الرومي، وهو ما يمكن أن يفتح النقاش واسعاً حول تحمل لجان المهرجانات في لبنان نفقات مرتفعة لدعوة فنانين من العالم، في حين تتردد في دفع المبالغ عينها لفنانين لبنانيين كبار.
في كل تدريباتها المكثفة، تبدي الرومي حرصاً وجدية بالغين في عملها. هي التي التزمت، على مدى سنين طويلة، مسيرة فنية متزنة، لجهة الكلمة واللحن والأداء، ولم تندفع لإنتاج سريع أو مستهلك من حيث الشكل أو المضمون، من دون أن يعني ذلك أنها لم تتوجه في أعمالها الأخـــيرة إلى جمهور عريض للأغنية الرومانسية، في الوقت الذي ابتعدت فيه نسبياً عن تقديم القصائد بالكم الذي أدرج في أعمالها السابقة.
الرومي في آخر حفلة أقامتها الشهر الماضي
في الجامعة الأميركية في بيروت (مصطفى جمال الدين)

التغيير في توجهها في اختيار أغنياتها برز أيضاً في دخولها أكثر مجال كتابة كلمات أغنياتها (ثمان من أغنيات ألبومها الأخير من كلماتها)، لماذا تكتب ماجدة؟ تقول إنها «لطالما كتبت أغنياتها بأسماء مستعارة، ومن دون أن تعلن ذلك، وتدخلت في نصوص أخرى، وبعضها عدلته ليصبح نصاً جديداً، وهو ما حصل في أغنية «اعتزلت الغرام» (على سبيل المثال)، وقد حصل التباس بيني وبين نزار فرنسيس لجهة نصها الأصلي والنص المعدل، ومنعاً لهذا الالتباس قررت أن أكتب مزيداً من أغنياتي من دون أن أدعي يوما أنها شعر». وتعود لتلفت إلى أنها «في العمل المقبل ستتوجه أكثر إلى القصائد، وربما إلى شعراء جدد».
في مختلف الأغاني التي تبحث عنها الرومي، تلاحق دوما الكلمة التي تحاكي وتحكي الحب، بمعالجات متنوعة. وتصب غالبيتها في رؤية نسوية تخاطب فيها الرجل من مواقع متباينة. وتطغى على بعض أغنياتها الجديدة مخاطبة ندية بين المرأة والرجل، كأنها تحكي عن امرأة تحـــتاج إلى أن تكون وتبقى كما هي عندما تحب، بأقل قدر من التنـــازلات. هذا ما تقدمه في أغنيتها «اقبلني هيك»، التي تعـــرض فيها لحب لا بد من أن يكون أبعد من «الكحل والحمرة والوردة»، وفي الوقـــت عينه هو حب من دون مقابل «اقبلني عمْــر، ما غلي يوم عليك». وفي أغان أخرى، عكست الرومي بكلــمات بســيطة مباشــرة معــنى «الصمود» في وجه إخفاقات كثيرة، وذلك في أغنيـــتها «ما رح إزعل على شي، ما رح إبكي على شي، لا عالحب العذبني، ولا على القلب اللي خان، لا عالحلم الفارقني.. لا عحالي كيف كان».
وعلى الرغم من بساطة كلماتها، وأحياناً بساطة الفكرة ذاتها تعتبر الرومي متأنية جداً في خياراتها، فتنتظر الكلمة واللحن والتوزيع المناسب، وكذلك تترقب الفرصة الأنسب لإطلاق أعمالها التي تنتجها بنفسها.
وبين أغنياتها وكلامها عن الحب، تخصص الرومي حيزاً كبيراً لما تسميه «مسؤوليتي أمام الوطن وأمام الله في أن أنقل رسائل السلام عبر الغناء كمساحة مفردة لي». تقول «إن الدور الأساسي للفن هو أن يجمع حيث تفرق السياسة». وانطلاقاً من هنا، «أعطيه دوراً في تحقيق الوحدة الوطنية والسلام وتخفيف الأحقاد ونبذ العنف». وتلك ليست مهمة سهلة يمكن للفن أن ينجزها في بلد كلبنان، إلا أن الرومي لا تبدو يوماً مستسلمة، ولا متأثرة بكل ما يقال عن مسالمتها، في ظل واقع فج لا مكان فيه أحيانا للكلمة. وهذا ما تخشاه الرومي، «أنا أعيش سلاماً داخلياً دائماً، إنما أنا واقعية جداً، ويخيفني الوضع العام الرديء والتوتر السياسي في لبنان، وتخيفني الغيوم السوداء».
تعود لتقول: «هذا اللبنان ليس لبناني، بمعنى أن لبنان العنف والطوائف ليس لبنان الذي أحلم به. لبناني هو دولة ومؤسسات رسمية، من رئاسة جمهورية ومجلس وزراء وقيادة جيش ومجلس نواب».
عندما تتحدث الرومي في السياسة، لا تنكر أبداً تسيسها، «من حقي، لا بل من واجبي الوطني أن أمتلك رأياً سياسياً، إنما لا أوظفه لانتشار فني وخدمته، أحتفظ برأي لنفسي. أما في الفن فأغني للوطن». لكن، ألم تغير موقعها على مر السنين، لجهة الأطراف التي غنت لها أو أمامهـــا؟ تقول: «لطالما كان رأيي واضحاً وصارماً، فأنا مناصرة للدولة وسيادتها واستقلالها، وكل ما غنيته كان يصب في هذا المبدأ، وفي واقع الأمر لست أنا من تغيَّر، بل السياسيون هم الذين غيروا مواقعهم».

ليست هناك تعليقات: