29.10.12

الأشرفية.. في حينا برج وهوية ممزقة




مدينة متغيرة، متحولة لا تشبه نفسها 
الأشرفية.. في حينا برج وهوية ممزقة



تحقيق: جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
29-10-2012




من صور مسابقة "موزاييك"-الأشرفية الدولية للتصوير الفوتوغرافي
أمامه حديقة متواضعة، مزروعة بكل نوع، من البرتقال والجميز والسرو إلى الحبق. حديقة لبيت بقرميد مرسيليا الأحمر، وبهو وغرف أربع. يملأ هذا المشهد عيني الرجل بالرضا، يرفع رأسه إلى السماء، يشكر الرب على النعمة، وينطلق إلى العمل في دكان السمانة القريب.
هذا يوم عادي في ثمانينات القرن الماضي، في حياة رجل يعيش في دار وحديقة ورثهما عن أبيه وجده. دار وحديقة متواضعان في منطقة الأشرفية، أنشئا منذ أكثر من مئة سنة، ويطلان من هذه التلة على أحياء كثيرة من بيروت. اليوم، لاشيء يظهر منهما وسط أبراج شاهقة تأكل المنطقة وروحها، وتأكل عما قريب منزل ريمون وعائلته.
المنزل والحديقة، "ماتا.. ماتا منذ مدة بعيدة"، يقول الرجل وهو يقف خلف البوابة الموصدة بأقفال صدئة. "إنهما بالنسبة إلي غير موجودين إلا كفكرة جميلة في بالي. فكرة خيالية، أحب أن أعود إليها كلما اشتقت لدجاجتي، وقطتي ولرائحة زهر البرتقال التي تعيديني عشر سنوات إلى الوراء، وتنسيني حاضري، وما هو إلا غرفة".
في العام 2012، ريمون مازال موجوداً، وكما هو، "أنا لم أتغير"، يقول. إنما "كل شيء آخر تغير": "غرفي الخمسة باتت واحدة، حديقتي ذبلت ولم أعد أراها إلا من البعيد. أوراق جافة ورائحة عفنة. دجاجاتي هربت، أولادي تزوجوا واغتربوا إلا واحدا وأمي ماتت". تغير كل شيء" يقول الرجل، "بت أعيش في غرفة في مبنى من طبقات عشر، في منطقة لم تعد تشبهني، ولم تعد تشبه نفسها، لا أعرف إلا عدداً قليلاً من ناسها ولا يعرفونني. منطقة لا أرى سماءها، وطبعاً.. لا تراني".
بجملة واحدة، طويلة، اختصر الرجل عشر سنوات من حياته. جملة واحدة طويلة، يقول إنه "يركبها منذ مدة، ويكرره في رأسه، ويفكر دوماً أنه سيجد من يرويه له، ومن سيحب أن يسمع ما الذي كان، وما الذي ذهب وما الذي بقي". الرجل يقول إن "حياة الناس تقلب رأساً على عقب في اللحظة التي يخسرون فيها بيوتهم. حياتهم لا تعود حياة".
يروي العم ريمون قصة منزله وبهذا يقول إنه "يروي تاريخ منطقة تتحول، فالأشرفية تغيرت وسيستمر هذا التغيير الفوضوي كلما خسر فيها إنسان بيته، وكلما ارتفع فيها برج، وكلما ازدهرت حياتها الليلية على حساب أهلها وناسها".
هل يتغير الناس مع تغير بيوتهم؟ أين يذهبون؟ ومن هم السكان الجدد؟ هل هم جزء من تغير طبيعي، ومشروع؟ الجدد، هل هم "الفوضى" التي يتحدث عنها كبار المنطقة؟ هل تتغير الهوية الاجتماعية لمنطقة مع تغير عمرانها وسكان بيوتها أو شققها؟ الأسئلة تجوز عن مناطق كثيرة من لبنان، وتحديداً العاصمة، إنما تشكل منطقة الأشرفية وجوارها، الصيفي والرميل والمدور (وكلها جزء من النمو الافقي لبيروت خارج أسوارها)، نموذجاً فريداً لهذا التغيير، لكثافته وسرعته وتحويره في شكل المدينة.

تحقيق: جهينة خالدية

رسمت البيوت القديمة ذات الطبقة الواحدة أو الطبقتين والحديقة، الطابع القروي للأشرفية. فكانت تلة الأشرفية وجهاً من الوجوه الريفية لبيروت خارج السور، التي راح وسطها (داخل السور) يتحول أكثر فأكثر إلى وسط تجاري. وقد تكون هذه البيوت في طريقها إلى الاندثار بشكل شبه كامل، ذلك بعدما صمدت نسبيا مقارنة بمثيلاتها في وسط العاصمة. إنما في المنطقة مبانٍ أخرى، ذات الطبقات الثلاث وصولا إلى الستة، بدأت تظهر في الخمسينات بشكل حزم اسمنتية فوضوية أحياناً، ملبية الطلب المرتفع للنازحين الريفين إلى المدينة. كثير منها تضرر في الحرب الأهلية. بعضها رُمم وبعضها الآخر هدم، من دون أن يكون ذلك وفق خطة عمرانية كما حصل في وسط بيروت القريب. المباني هذه على الرغم من فوضويتها، إلا أنها تبدو اليوم متجانسة ومترابطة إلى حد ما، مقارنة بالأبراج التي تمزق النسيج  العمراني اليوم.
وعلى الرغم من أن هذا الشكل العمراني مازال طاغياً على طابع المنطقة بشكل واضح، إنما تستدعي سرعة التغيير لمصلحة الأبراج التي تمزق نسيجاً كثيراً من الأحياء، التلويح بخطر إزالة معالم المنطقة- التلة التي ترتفع مئة متر عن سطح البحر وتشرف مباشرة على مرفأ المدينة.
إذاً، جاءت مباني الخمسينات على حساب البيوت القديمة الساحرة، لتشبع انفجاراً سكانياً رفع من معدلات التمدن في بيروت كلها. وفي الأعوام الماضية، باتت المباني المرتفعة/ الأبراج تتفجر هنا وهناك، كأنها تختار حياً سكيناً منغمساً في تعايشه مع نفسه وناسه لتأتي وتمزقه متعدية على طباعه وأزقته المتواضعة وحيز الحدائق والأرصفة.. والسماء المفتوحة.
هكذا، فجأة وسط بيوت ذات أربع أو خمس طبقات، يرتفع مبنى من عشر طبقات كحد أدنى، كنصب أنيق، نظيف، مرفه، يكاد يُخشى عليه من الهواء لأناقته المبالغ فيها.. آخر هذه الأبراج العملاقة "سما بيروت"، الذي سيحرم كثيرين من رؤية هذه السماء التي احتكرها باسمه وسيشكل ضغطاً كثيفاً في الحركة السكانية والمرورية في المنطقة ذات الشوارع الضيقة والمتواضعة.
هذا واحد من تحولات عدة تجري في المنطقة التي يغلب عليها الطابع السكاني، إضافة إلى المؤسسات التربوية التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والتي نشأت في معظمها في أحياء قلما كانت مأهولة بالسكان (مدرسة الأقمار الثلاثة، الجامعة اليسوعية 1919 وجامعات أجنبية وكليات للجامعة اللبنانية) ومؤسسات صحية استشفائية (مستشفى أوتيل ديو 1922، رزق، القديس جاورجيوس وغيرها).
وعلى الرغم من أن الأشرفية ومحيطها من أكثر المناطق في لبنان احتضاناً للحدائق العامة، إلا أنها تخسر من جهة ثانية ناساً يرتادون تلك الحدائق، إذ شكل التغيير في هوية المنطقة راجحاً لمصلحة المنطق الاستهلاكي إلى حد كبير، وبالتالي استعيض عن الحدائق كحيز عام للالتقاء والترفيه، بالمجمعات التجارية والمطاعم والمقاهي.
وكذلك ترافق إزدهار بناء الأبراج هدم بيوت قديمة وأخرى تراثية وتحول عدد منها، أو طبقاتها الأرضية، إلى مطاعم أو مقاهٍ ليلة إلى درجة باتت أحياء برمتها للسهر (مونو ومن ثم الجميزة). وهو الأمر الذي أرضى البعض بحيث استطاع توظيف عقاراته وكسب إيجارات مرتفعة منها، وأزعج البعض الآخر بسبب الفوضى والأصوات المرتفعة للموسيقى وزحمة السير في شوارع سكانية. ودفع كثير من السكان إلى الهرب من تلك الأحياء إلى خارج المنطقة، وهو ما يصب في ما يسميه السكان هنا "الهجرة الثانية". وكانت الأولى من قرى الجبل وجزين في اتجاه العاصمة والأشرفية تحديداً. واليوم، بسبب ارتفاع أسعار العقارات، يتم التهجير من الأشرفية إلى خارج العاصمة في اتجاه مناطق مختلفة بينها أنطلياس، بيت مري، النقاش، عين سعادة وغيرها. وفي هذا كله تغيير كبير في هوية سكان المنطقة وعاداتهم، وبالتالي تغيير هوية وعادات المنطقة نفسها.

"مجزرة" في الأشرفية

"ترتفع هذه الأبراج بهذا الشكل العشوائي لعدم وجود أي تنظيم مدني يحافظ على طابع المدينة" يقول المهندس المعماري والمصمم المدني جاد تابت. ويلفت إلى أن "الأشرفية التي كانت تعرف بـ"الجبل الصغير"، لارتفاعها عن سطح البحر وتشكيلها نوعاً من التلة المشرفة على المناطق المحيطة، كانت ومازالت منطقة لها خصوصية، ومرغوبة جداً للسكن. يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار العقارات، ما يدفع كثيرين إلى بيع عقاراتهم ومنازلهم لمستثمرين يتجهون بغالبيتهم إلى بناء الأبراج السكنية".
تتميز المنطقة وفق تابت "بتراث معماري مهم جداً، بدأ يظهر مع تمدد بيروت المدينة إلى خارج الأسوار، إلى الأشرفية وزقاق البلاط والقنطاري وغيرها، إلا أن الأشرفية وبيروت عموماً، لم تحظ بأي مبادرة جدية للحفاظ على هذه البيوت التراثية مثل دول العالم، حيث عادة ما تُبنى الأبراج في مناطق جديدة غير مأهولة، أو خارج المدينة إلى حد ما".
ما الذي يجري في الأشرفية؟ "إنها مجزرة" يجيب النائب ميشال فرعون، "مجزرة تطاول البيوت القديمة تلك التراثية في الأشرفية وفي لبنان كله، إذ يتم هدمها لصالح الأبراج الشاهقة، من دون أي خطة واضحة من قبل الجهات المسؤولة للمحافظة على التراث من جهة، وعلى هوية المنطقة من جهة أخرى". يقول فرعون إنه "من المفترض أن تكون البيوت التراثية محمية من وزارة الثقافة وفقا للائحة جرد عام تصنف تلك البيوت، إلا أننا نسمع بين الفينة والأخرى عن بيت يُهدم هنا وهناك". ويؤدي ذلك وفق فرعون إلى "تفريغ المنطقة من ناسها من الطبقة المتوسطة ذات التقاليد القروية، ويعرفون بعضهم البعض ويتشاركون في يومياتهم. أما اليوم ما عاد في مقدورهم السكن في الأشرفية لارتفاع أسعار العقارات بشكل خيالي وارتفاع شهية المستثمرين".
إذاً، لا تنظيم مدنياً، لا خطة عامة للحفاظ على المباني القديمة والتراثية أو حتى الطابع العمراني لحي. لا يكاد يمر أسبوع إلا وتخرج جمعيات المجتمع المدني لتحذر من مستمثر على وشك أن يهدم بيتا تراثيا. تشرح المهندسة المعمارية منى الحلاق التي تمضي وقتها تلاحق بيتاً على وشك أن يهدم هنا، وآخر يحاول "الهرب" من لائحة الجرد العام هناك، أن "المشكلة الأساسية مازالت نفسها: لا قانون لحماية المباني التراثية في لبنان. وفي المقابل هناك مشكلة في قانون الإيجارات، فمالك المبنى القديم لا يحصل على مقابل كاف من مستأجره ليقوم بأعمال الترميم وبالتالي يفضل بيع العقار. وفي حال شرع قانون الايجارات للمالك أن يرفع قيمة الايجارات ليحافظ على عقاره، نكون كمن يعطيه الحق بأن يخرج مستأجريه الفقراء لمصلحة مستأجرين جدد من الاغنياء. نحن ندور في حلقة مفرغة". تضيف الحلاق: "عدد من المستثمرين في بيروت يتاجرون بالتراث، إذ يهدمون المباني التراثية القديمة ويتركون واجهتها الخارجية ويروجون لمشروعه أنه يحافظ على هوية المنطقة، ومن ثم يبنون برجاً خيالياً خلف الواجهة تماماً. في حين أن الحفاظ على التراث يكون بالحفاظ على النسيج العمراني والسكاني للمنطقة. التراث ليس واجهة ولا ديكوراً".

في الأشرفية اليوم أبراج بسكان جدد، لا ينتمي كثير منهم إلى الحي وتاريخه. ويعزز سكنهم في برج ممتد عموديا في السماء عدم التآلف مع المحيط. كأنهم موجودون وغير موجودين، إلا في تلك العلب الحجرية في قلب برجهم العالي.
تقول الحلاق: "يظهرون النية بعدم الارتباط بالسكان الأصليين. فهؤلاء سيخرجون بأغلبيتهم صباحاً في سيارات فخمة ليقلوا أولادهم إلى المدارس، أو ينجزوا أعمالهم وتسوقهم من المجمعات التجارية وتنزههم في مقاهٍ ومراكز لن تكون بالتأكيد في الحي عينه. هم لن يشتروا من دكان السمانة الصغير ذي التشكيلة البسيطة من المنتجات. ولن يتسوقوا من متاجر الثياب الأنيقة والصغيرة، ولن يلجأوا إلى المصبغة اليدوية أو الخياط او الحرفي في الحي عينه".

ويأتي شكل العمارة الحديث الذي تتحدث عنه الحلاق مناقضا لبيوت القرميد القديمة التي يسميها الكاتب سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت" "نموذج البيت المفتوح على الخارج". ويتحدث قصير عن تحولات كثيرة في حياة الناس اليومية ظهرت مع الهندسة المعمارية العائدة إلى منتصف القرن التاسع عشر ونهايته. يقول إن "تغييرا غنياً بالدلالات تجلى في أساليب الهندسة المعمارية، لأن اعتماد معايير جديدة في البناء يخلق تحولاً في حياة الناس اليومية. هكذا أضحى البيت موجهاً نحو الخارج، وهذا باد في الأولوية التي اتخذتها النافذة ومن ثم الشرفة. وبدلاً من أن يكون مكتفياً بذاته، بات يستدعي اتصالاً مباشراً بالخارج وتوزيعاً متخصصاً لمساحة الداخل، فصارت للغرف وظائف محددة". ويتوسع قصير في عرض تغييرات في أساليب العيش وتصميم المنزل وغرف والموائد وما إلى هنالك، ويشير إلى أن "هذه الممارسات الإجتماعية أسهمت في تغيير المظهر العام للمدينة وأحدثت تأثيراً أكثر مما أحدثته الهندسة الجديدة في هيكل الأبنية الحديثة".

إلى خارج العاصمة.. در
جاء سكان الريف إلى المدينة ولم يتمدنوا بالمعنى الفعلي للكلمة، إذ حافظ كثير منهم على عاداتهم واجتماعياتهم الريفية. واليوم يخرج سكان المدن من المدينة إلى قرى ومناطق كان يطغى عليها الطابع القروي لجهة البنيان والتقاليد والاكتظاظ، وهم بخروجهم إلى تلك المناطق يلغون الطابع الريفي لها مشيدين فيها مجمعات سكنية ومبانٍ عمودية، كأن التاريخ يكرر نفسه إنما بحركة معاكسة.
يذكرّنا قصير بآلية الهجرة إلى المدينة خلال فترات مختلفة، مشيراً إلى أن "المنطق الطائفي لم يكن وحده الذي يتحكم بتوزع سكان المدينة. فوفقاً لقاعدة سوسيولوجية عامة، كانت إقامة النازحين الريفيين تنبع من رغبة خفية لدى هؤلاء بالتجمع في أمكنة تتيح لهم نقل أسلوب حياتهم القديم إلى المواقع الجديدة التي ينزلون فيها. وكانت هذه حال القطاعات الأقل يسراً فوق منحدرات الأشرفية وفي المحيط الجنوبي الشرقي للمدينة. استوطن موارنة كسروان والشمال مثلا بأعداد وفيرة في حي الغابة، فيما أقام موارنة جزين الآتين من الجنوب على منحدر آخر في الأشرفية (جنوباً)..". ويحلل قصير رغبة هؤلاء في المحافظة على قرويتهم، فيكتب: "بدت الأحياء، وخصوصاً الأقل يسراً في شرق بيروت، من خلال بنيتها الأنتروبولوجية ومعايير سلوكها وكأنها قرى لا تريد أن تضيع في أجواء الغفلية التي تمنحها المدينة للوافدين إليها ولا ترغب في أن تنصهر في بوتقة المواطنية التي توفرها لها الظروف الجديدة". ويختم بخلاصة تشرح أكثر ارتباط ذلك بهوية الوافدين الجدد بالقول: "صحيح أن مثل هذا الأمر لم يكن دافعاً للتفجير بشكل مباشر كما هي حال التميز الطائفي، إلا أنه كان يؤكد سمات الهوية".
إنما ماذا تعني الهجرة الثانية إذا؟ ما معنى أن يترك الناس البيوت "العادية" وتلك التراثية التي تجمع عائلات من نسيج واحد، ومن مناطق ذات طابع قروي كالأشرفية؟ وكيف يتوزعون في مناطق ومساكن جديدة تاركين حياة متجانسة في الأزقة الضيقة، ومتجهين من شبكة علاقات وطيدة الى حياة أكثر مدينية إنما خارج العاصمة. تلفت الحلاق إلى "أن السكان في المباني المتواضعة يشبهون بعضهم إلى حد كبير، في عاداتهم أو في مهنهم الحرفية التي افتتحوها في الطبقات الأولى من البيوت (وهي حال معظم بيوت الأشرفية، لاسيما الجميزة سابقاً). وهؤلاء بخروجهم من المنطقة لشراء شقق سكنية خارج المدينة، يتبعثرون ويتوزعون ولا يذهبون جماعة محافظين على نسيجهم الاجتماعي، كما جاءوا، بل يتدبر كلٌّ منهم أمره بشكل فردي بحسب قدراته المادية. وهنا نشهد تمزيقا للنسيج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعي للسكان لمصلحة أناس غرباء يسكن كلٌّ منهم في طبقة منفصلة عن العالم وعن محيطها".

لا يشذ خروج سكان الأشرفية من العاصمة عن خروج كثير من سكان العاصمة منها، وهو ما شكل تمدداً إضافياً لبيروت. وهنا يقول المعماري رهيف فياض: "يتضح من النظرة الشاملة إلى مدينة بيروت الكبرى اليوم، أنها بالغت بتمدِّدها على الشريط الساحلي، مثلما بالغت بتسلقها التلال المحيطة بها شرقاً فأصبحت بقياساتها، وبمساحتها، وبعدد سكانها، كأنها خارج المقياس (Hors echelle) مقارنة بقياسات الوطن، وبمساحته، وبعدد سكانه. وبالغت أيضاً، بتعدياتها على البحر، فلم يعد لها حدود. فحصلت بذلك قطيعة كاملة بين بيروت الكبرى، ومكانها الطبيعي. واللافت، أن بيروت الكبرى هذه بالرغم من تمددها غير المنضبط، تبدو مكتظة شديدة الكثافة في معظم مناطقها. والمتنزه المغامر، يلاحظ كثافة البنيان ترهقه، من برج حمَّود مروراً بالسيوفي، وأحياء منطقة الأشرفية، إلى البسطة، والمصيطبة، وصولاً إلى رأس بيروت. الاكتظاظ والكثافة، يعمان المدينة، من دون مراعاة لمتطلبات المعطى الطوبوغرافي المتنوع فيها. يشعر المتنزه المغامر، وكأن الاكتظاظ واحد في تلال السيوفي والأشرفية، أو في المصيطبة والظريف وبرج أبو حيدر، بالرغم من التنوع الطوبوغرافي لهذه الأمكنة، والذي يتطلب تنوعاً موازياً في الكثافة وارتفاع المباني".

نشأة أولى
تغيرت الأشرفية، هذه التلة على الجهة الشرقية لسور بيروت، التي بدأت تعمر سكانياً خارجه منذ "نهاية الأربعينيات من القرن التاسع عشر"، وفق سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت". إذ "أنشئ أول مركز لليسوعيين والبعثة الرسولية، شرق ساحة البرج، ومن ثم أنشئت مدرسة الأقمار الثلاثة للروم الأورثوذكس، مما شجع عدداً من العائلات المسيحية للإقامة هناك. وتدريجاً قامت مساكن ضخمة على مسافة أبعد من حي القيراط جنوب السور في القرب من الجامعة اليسوعية الحالية، وخصوصا إلى الشمال على صخرة المدور حيث اختارت البرجوازية المسيحية الجديدة مقراً لها. وبعد سنوات، راحت تظهر أكثر فأكثر معالم البيوت بقناطرها الثلاث في المنطقة". يضيف: "ارتفعت مساكن مهيبة بناها تجار أثرياء من الطائفة الأرثوذكسية وكانت تسميات الأمكنة تبعاً لأسماء العائلات مثل شارع سرسق، حي مدوّر، تصوينة توين، وطلعة دباس".


مخاتير.. مخاتير
لوقت طويل لم تكن الأشرفية جزءاً من المدينة، وفق مختار الأشرفية إيلي صباغة: "فهي ضيعة، لطالما كان أعلى بيت فيه مكوناً من طبقتين، وأحياناً عدة فيها كانت إما مغطاة بالأشجار أو "بورة". إنما أدى التمدن وفق المختار إلى ارتفاع الكثافة السكانية في المدينة، ورافق ذلك انتشار المدارس والمستشفيات والجامعات والمكاتب. هكذا، باتت الأشرفية جزءاً من المدينة. يقول إن "عدد السكان بين الخمسينات والستينات لم يتعد الستين ألف نسمة. وكانت المناطق المأهولة محصورة تقريباً بساسين، مار متر، فسوح، كرم الزيتون وامتداداً إلى السوديكو. الانفجار السكاني الأكبر حصل في السبعينات بعد تهجر السكان من قراهم وبات "الشاطر بشطارته" ينشئ مبنى ليستفيد من الطلب المتزايد على الشقق. أما اليوم فالكثافة السكانية تصل إلى نحو 450 ألف نسمة (نحو عشرة في المئة منهم فقط من الناخبين في الأشرفية)".

كانت الأشرفية وفق مختار الرميل بشارة غلام مصيفاً لكثيرين، بمن فيهم أهالي الرميل، كنا "نمضي الشتاء في الرميل، ونصعد صيفاً إلى التلة". ويميز غلام بين المنطقتين، مشيراً إلى أن "الرميل أقدم من الأشرفية، وتحافظ بنسبة ثمانين في المئة على تراثها وبيوتها التراثية وقصورها بما فيها قصور آل سرسق".
ويلفت مختار الصيفي ميشال نصر إلى أن "طبيعة المنطقة باتت تجارية في معظمها، وتتضمن الشركات والأسواق والحانات، في مونو والجميزة". يقول نصر إن "المنطقة تغيرت كثيراً بعد الحرب، إذ كانت المحال في الجميزة على سبيل المثال تعتاش من زبائن وسط البلد، إنما خلال الحرب لحق المنطقة دمار كبير، ولم ينفذ في المنطقة خطة شاملة للإعمار، بل كان الإعمار فردياً". يقول نصر إن "ارتفاع اسعار العقارات في منطقة سوليدير أدى إلى ارتفاعها أيضاً في مناطق الصيفي. ولهذا لا يمكن لوم الناس الذين سعوا لبيع عقاراتهم مقابل مبالغ مالية هم بأمس الحاجة إليها لمتابعة حياتهم والنهوض بها من جديد". أما الخطة البديلة من البيع والهدم لمصلحة بناء الأبراج، فكانت وفق نصر "تحويل الطبقات الأرضية من المنازل إلى حانات ومقاهٍ ليلة. وهو ما نفذناه في منطقة مونو في العام 2004، ولم يكد المشروع ينطق حتى وقع الانفجار الذي استهدف الرئيس رفيق الحريري، فكانت الجميزة هي الخطة باء".

المصدر: جهينة خالدية- جريدة السفير 2012

الأشرفية.. في حينا برج وهوية ممزقة




مدينة متغيرة، متحولة لا تشبه نفسها 
الأشرفية.. في حينا برج وهوية ممزقة


تحقيق: جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
29-10-2012




من صور مسابقة "موزاييك"-الأشرفية الدولية للتصوير الفوتوغرافي
أمامه حديقة متواضعة، مزروعة بكل نوع، من البرتقال والجميز والسرو إلى الحبق. حديقة لبيت بقرميد مرسيليا الأحمر، وبهو وغرف أربع. يملأ هذا المشهد عيني الرجل بالرضا، يرفع رأسه إلى السماء، يشكر الرب على النعمة، وينطلق إلى العمل في دكان السمانة القريب.
هذا يوم عادي في ثمانينات القرن الماضي، في حياة رجل يعيش في دار وحديقة ورثهما عن أبيه وجده. دار وحديقة متواضعان في منطقة الأشرفية، أنشئا منذ أكثر من مئة سنة، ويطلان من هذه التلة على أحياء كثيرة من بيروت. اليوم، لاشيء يظهر منهما وسط أبراج شاهقة تأكل المنطقة وروحها، وتأكل عما قريب منزل ريمون وعائلته.
المنزل والحديقة، "ماتا.. ماتا منذ مدة بعيدة"، يقول الرجل وهو يقف خلف البوابة الموصدة بأقفال صدئة. "إنهما بالنسبة إلي غير موجودين إلا كفكرة جميلة في بالي. فكرة خيالية، أحب أن أعود إليها كلما اشتقت لدجاجتي، وقطتي ولرائحة زهر البرتقال التي تعيديني عشر سنوات إلى الوراء، وتنسيني حاضري، وما هو إلا غرفة".
في العام 2012، ريمون مازال موجوداً، وكما هو، "أنا لم أتغير"، يقول. إنما "كل شيء آخر تغير": "غرفي الخمسة باتت واحدة، حديقتي ذبلت ولم أعد أراها إلا من البعيد. أوراق جافة ورائحة عفنة. دجاجاتي هربت، أولادي تزوجوا واغتربوا إلا واحدا وأمي ماتت". تغير كل شيء" يقول الرجل، "بت أعيش في غرفة في مبنى من طبقات عشر، في منطقة لم تعد تشبهني، ولم تعد تشبه نفسها، لا أعرف إلا عدداً قليلاً من ناسها ولا يعرفونني. منطقة لا أرى سماءها، وطبعاً.. لا تراني".
بجملة واحدة، طويلة، اختصر الرجل عشر سنوات من حياته. جملة واحدة طويلة، يقول إنه "يركبها منذ مدة، ويكرره في رأسه، ويفكر دوماً أنه سيجد من يرويه له، ومن سيحب أن يسمع ما الذي كان، وما الذي ذهب وما الذي بقي". الرجل يقول إن "حياة الناس تقلب رأساً على عقب في اللحظة التي يخسرون فيها بيوتهم. حياتهم لا تعود حياة".
يروي العم ريمون قصة منزله وبهذا يقول إنه "يروي تاريخ منطقة تتحول، فالأشرفية تغيرت وسيستمر هذا التغيير الفوضوي كلما خسر فيها إنسان بيته، وكلما ارتفع فيها برج، وكلما ازدهرت حياتها الليلية على حساب أهلها وناسها".
هل يتغير الناس مع تغير بيوتهم؟ أين يذهبون؟ ومن هم السكان الجدد؟ هل هم جزء من تغير طبيعي، ومشروع؟ الجدد، هل هم "الفوضى" التي يتحدث عنها كبار المنطقة؟ هل تتغير الهوية الاجتماعية لمنطقة مع تغير عمرانها وسكان بيوتها أو شققها؟ الأسئلة تجوز عن مناطق كثيرة من لبنان، وتحديداً العاصمة، إنما تشكل منطقة الأشرفية وجوارها، الصيفي والرميل والمدور (وكلها جزء من النمو الافقي لبيروت خارج أسوارها)، نموذجاً فريداً لهذا التغيير، لكثافته وسرعته وتحويره في شكل المدينة.

تحقيق: جهينة خالدية

رسمت البيوت القديمة ذات الطبقة الواحدة أو الطبقتين والحديقة، الطابع القروي للأشرفية. فكانت تلة الأشرفية وجهاً من الوجوه الريفية لبيروت خارج السور، التي راح وسطها (داخل السور) يتحول أكثر فأكثر إلى وسط تجاري. وقد تكون هذه البيوت في طريقها إلى الاندثار بشكل شبه كامل، ذلك بعدما صمدت نسبيا مقارنة بمثيلاتها في وسط العاصمة. إنما في المنطقة مبانٍ أخرى، ذات الطبقات الثلاث وصولا إلى الستة، بدأت تظهر في الخمسينات بشكل حزم اسمنتية فوضوية أحياناً، ملبية الطلب المرتفع للنازحين الريفين إلى المدينة. كثير منها تضرر في الحرب الأهلية. بعضها رُمم وبعضها الآخر هدم، من دون أن يكون ذلك وفق خطة عمرانية كما حصل في وسط بيروت القريب. المباني هذه على الرغم من فوضويتها، إلا أنها تبدو اليوم متجانسة ومترابطة إلى حد ما، مقارنة بالأبراج التي تمزق النسيج  العمراني اليوم.
وعلى الرغم من أن هذا الشكل العمراني مازال طاغياً على طابع المنطقة بشكل واضح، إنما تستدعي سرعة التغيير لمصلحة الأبراج التي تمزق نسيجاً كثيراً من الأحياء، التلويح بخطر إزالة معالم المنطقة- التلة التي ترتفع مئة متر عن سطح البحر وتشرف مباشرة على مرفأ المدينة.
إذاً، جاءت مباني الخمسينات على حساب البيوت القديمة الساحرة، لتشبع انفجاراً سكانياً رفع من معدلات التمدن في بيروت كلها. وفي الأعوام الماضية، باتت المباني المرتفعة/ الأبراج تتفجر هنا وهناك، كأنها تختار حياً سكيناً منغمساً في تعايشه مع نفسه وناسه لتأتي وتمزقه متعدية على طباعه وأزقته المتواضعة وحيز الحدائق والأرصفة.. والسماء المفتوحة.
هكذا، فجأة وسط بيوت ذات أربع أو خمس طبقات، يرتفع مبنى من عشر طبقات كحد أدنى، كنصب أنيق، نظيف، مرفه، يكاد يُخشى عليه من الهواء لأناقته المبالغ فيها.. آخر هذه الأبراج العملاقة "سما بيروت"، الذي سيحرم كثيرين من رؤية هذه السماء التي احتكرها باسمه وسيشكل ضغطاً كثيفاً في الحركة السكانية والمرورية في المنطقة ذات الشوارع الضيقة والمتواضعة.
هذا واحد من تحولات عدة تجري في المنطقة التي يغلب عليها الطابع السكاني، إضافة إلى المؤسسات التربوية التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والتي نشأت في معظمها في أحياء قلما كانت مأهولة بالسكان (مدرسة الأقمار الثلاثة، الجامعة اليسوعية 1919 وجامعات أجنبية وكليات للجامعة اللبنانية) ومؤسسات صحية استشفائية (مستشفى أوتيل ديو 1922، رزق، القديس جاورجيوس وغيرها).
وعلى الرغم من أن الأشرفية ومحيطها من أكثر المناطق في لبنان احتضاناً للحدائق العامة، إلا أنها تخسر من جهة ثانية ناساً يرتادون تلك الحدائق، إذ شكل التغيير في هوية المنطقة راجحاً لمصلحة المنطق الاستهلاكي إلى حد كبير، وبالتالي استعيض عن الحدائق كحيز عام للالتقاء والترفيه، بالمجمعات التجارية والمطاعم والمقاهي.
وكذلك ترافق إزدهار بناء الأبراج هدم بيوت قديمة وأخرى تراثية وتحول عدد منها، أو طبقاتها الأرضية، إلى مطاعم أو مقاهٍ ليلة إلى درجة باتت أحياء برمتها للسهر (مونو ومن ثم الجميزة). وهو الأمر الذي أرضى البعض بحيث استطاع توظيف عقاراته وكسب إيجارات مرتفعة منها، وأزعج البعض الآخر بسبب الفوضى والأصوات المرتفعة للموسيقى وزحمة السير في شوارع سكانية. ودفع كثير من السكان إلى الهرب من تلك الأحياء إلى خارج المنطقة، وهو ما يصب في ما يسميه السكان هنا "الهجرة الثانية". وكانت الأولى من قرى الجبل وجزين في اتجاه العاصمة والأشرفية تحديداً. واليوم، بسبب ارتفاع أسعار العقارات، يتم التهجير من الأشرفية إلى خارج العاصمة في اتجاه مناطق مختلفة بينها أنطلياس، بيت مري، النقاش، عين سعادة وغيرها. وفي هذا كله تغيير كبير في هوية سكان المنطقة وعاداتهم، وبالتالي تغيير هوية وعادات المنطقة نفسها.

"مجزرة" في الأشرفية

"ترتفع هذه الأبراج بهذا الشكل العشوائي لعدم وجود أي تنظيم مدني يحافظ على طابع المدينة" يقول المهندس المعماري والمصمم المدني جاد تابت. ويلفت إلى أن "الأشرفية التي كانت تعرف بـ"الجبل الصغير"، لارتفاعها عن سطح البحر وتشكيلها نوعاً من التلة المشرفة على المناطق المحيطة، كانت ومازالت منطقة لها خصوصية، ومرغوبة جداً للسكن. يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار العقارات، ما يدفع كثيرين إلى بيع عقاراتهم ومنازلهم لمستثمرين يتجهون بغالبيتهم إلى بناء الأبراج السكنية".
تتميز المنطقة وفق تابت "بتراث معماري مهم جداً، بدأ يظهر مع تمدد بيروت المدينة إلى خارج الأسوار، إلى الأشرفية وزقاق البلاط والقنطاري وغيرها، إلا أن الأشرفية وبيروت عموماً، لم تحظ بأي مبادرة جدية للحفاظ على هذه البيوت التراثية مثل دول العالم، حيث عادة ما تُبنى الأبراج في مناطق جديدة غير مأهولة، أو خارج المدينة إلى حد ما".
ما الذي يجري في الأشرفية؟ "إنها مجزرة" يجيب النائب ميشال فرعون، "مجزرة تطاول البيوت القديمة تلك التراثية في الأشرفية وفي لبنان كله، إذ يتم هدمها لصالح الأبراج الشاهقة، من دون أي خطة واضحة من قبل الجهات المسؤولة للمحافظة على التراث من جهة، وعلى هوية المنطقة من جهة أخرى". يقول فرعون إنه "من المفترض أن تكون البيوت التراثية محمية من وزارة الثقافة وفقا للائحة جرد عام تصنف تلك البيوت، إلا أننا نسمع بين الفينة والأخرى عن بيت يُهدم هنا وهناك". ويؤدي ذلك وفق فرعون إلى "تفريغ المنطقة من ناسها من الطبقة المتوسطة ذات التقاليد القروية، ويعرفون بعضهم البعض ويتشاركون في يومياتهم. أما اليوم ما عاد في مقدورهم السكن في الأشرفية لارتفاع أسعار العقارات بشكل خيالي وارتفاع شهية المستثمرين".
إذاً، لا تنظيم مدنياً، لا خطة عامة للحفاظ على المباني القديمة والتراثية أو حتى الطابع العمراني لحي. لا يكاد يمر أسبوع إلا وتخرج جمعيات المجتمع المدني لتحذر من مستمثر على وشك أن يهدم بيتا تراثيا. تشرح المهندسة المعمارية منى الحلاق التي تمضي وقتها تلاحق بيتاً على وشك أن يهدم هنا، وآخر يحاول "الهرب" من لائحة الجرد العام هناك، أن "المشكلة الأساسية مازالت نفسها: لا قانون لحماية المباني التراثية في لبنان. وفي المقابل هناك مشكلة في قانون الإيجارات، فمالك المبنى القديم لا يحصل على مقابل كاف من مستأجره ليقوم بأعمال الترميم وبالتالي يفضل بيع العقار. وفي حال شرع قانون الايجارات للمالك أن يرفع قيمة الايجارات ليحافظ على عقاره، نكون كمن يعطيه الحق بأن يخرج مستأجريه الفقراء لمصلحة مستأجرين جدد من الاغنياء. نحن ندور في حلقة مفرغة". تضيف الحلاق: "عدد من المستثمرين في بيروت يتاجرون بالتراث، إذ يهدمون المباني التراثية القديمة ويتركون واجهتها الخارجية ويروجون لمشروعه أنه يحافظ على هوية المنطقة، ومن ثم يبنون برجاً خيالياً خلف الواجهة تماماً. في حين أن الحفاظ على التراث يكون بالحفاظ على النسيج العمراني والسكاني للمنطقة. التراث ليس واجهة ولا ديكوراً".

في الأشرفية اليوم أبراج بسكان جدد، لا ينتمي كثير منهم إلى الحي وتاريخه. ويعزز سكنهم في برج ممتد عموديا في السماء عدم التآلف مع المحيط. كأنهم موجودون وغير موجودين، إلا في تلك العلب الحجرية في قلب برجهم العالي.
تقول الحلاق: "يظهرون النية بعدم الارتباط بالسكان الأصليين. فهؤلاء سيخرجون بأغلبيتهم صباحاً في سيارات فخمة ليقلوا أولادهم إلى المدارس، أو ينجزوا أعمالهم وتسوقهم من المجمعات التجارية وتنزههم في مقاهٍ ومراكز لن تكون بالتأكيد في الحي عينه. هم لن يشتروا من دكان السمانة الصغير ذي التشكيلة البسيطة من المنتجات. ولن يتسوقوا من متاجر الثياب الأنيقة والصغيرة، ولن يلجأوا إلى المصبغة اليدوية أو الخياط او الحرفي في الحي عينه".

ويأتي شكل العمارة الحديث الذي تتحدث عنه الحلاق مناقضا لبيوت القرميد القديمة التي يسميها الكاتب سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت" "نموذج البيت المفتوح على الخارج". ويتحدث قصير عن تحولات كثيرة في حياة الناس اليومية ظهرت مع الهندسة المعمارية العائدة إلى منتصف القرن التاسع عشر ونهايته. يقول إن "تغييرا غنياً بالدلالات تجلى في أساليب الهندسة المعمارية، لأن اعتماد معايير جديدة في البناء يخلق تحولاً في حياة الناس اليومية. هكذا أضحى البيت موجهاً نحو الخارج، وهذا باد في الأولوية التي اتخذتها النافذة ومن ثم الشرفة. وبدلاً من أن يكون مكتفياً بذاته، بات يستدعي اتصالاً مباشراً بالخارج وتوزيعاً متخصصاً لمساحة الداخل، فصارت للغرف وظائف محددة". ويتوسع قصير في عرض تغييرات في أساليب العيش وتصميم المنزل وغرف والموائد وما إلى هنالك، ويشير إلى أن "هذه الممارسات الإجتماعية أسهمت في تغيير المظهر العام للمدينة وأحدثت تأثيراً أكثر مما أحدثته الهندسة الجديدة في هيكل الأبنية الحديثة".

إلى خارج العاصمة.. در
جاء سكان الريف إلى المدينة ولم يتمدنوا بالمعنى الفعلي للكلمة، إذ حافظ كثير منهم على عاداتهم واجتماعياتهم الريفية. واليوم يخرج سكان المدن من المدينة إلى قرى ومناطق كان يطغى عليها الطابع القروي لجهة البنيان والتقاليد والاكتظاظ، وهم بخروجهم إلى تلك المناطق يلغون الطابع الريفي لها مشيدين فيها مجمعات سكنية ومبانٍ عمودية، كأن التاريخ يكرر نفسه إنما بحركة معاكسة.
يذكرّنا قصير بآلية الهجرة إلى المدينة خلال فترات مختلفة، مشيراً إلى أن "المنطق الطائفي لم يكن وحده الذي يتحكم بتوزع سكان المدينة. فوفقاً لقاعدة سوسيولوجية عامة، كانت إقامة النازحين الريفيين تنبع من رغبة خفية لدى هؤلاء بالتجمع في أمكنة تتيح لهم نقل أسلوب حياتهم القديم إلى المواقع الجديدة التي ينزلون فيها. وكانت هذه حال القطاعات الأقل يسراً فوق منحدرات الأشرفية وفي المحيط الجنوبي الشرقي للمدينة. استوطن موارنة كسروان والشمال مثلا بأعداد وفيرة في حي الغابة، فيما أقام موارنة جزين الآتين من الجنوب على منحدر آخر في الأشرفية (جنوباً)..". ويحلل قصير رغبة هؤلاء في المحافظة على قرويتهم، فيكتب: "بدت الأحياء، وخصوصاً الأقل يسراً في شرق بيروت، من خلال بنيتها الأنتروبولوجية ومعايير سلوكها وكأنها قرى لا تريد أن تضيع في أجواء الغفلية التي تمنحها المدينة للوافدين إليها ولا ترغب في أن تنصهر في بوتقة المواطنية التي توفرها لها الظروف الجديدة". ويختم بخلاصة تشرح أكثر ارتباط ذلك بهوية الوافدين الجدد بالقول: "صحيح أن مثل هذا الأمر لم يكن دافعاً للتفجير بشكل مباشر كما هي حال التميز الطائفي، إلا أنه كان يؤكد سمات الهوية".
إنما ماذا تعني الهجرة الثانية إذا؟ ما معنى أن يترك الناس البيوت "العادية" وتلك التراثية التي تجمع عائلات من نسيج واحد، ومن مناطق ذات طابع قروي كالأشرفية؟ وكيف يتوزعون في مناطق ومساكن جديدة تاركين حياة متجانسة في الأزقة الضيقة، ومتجهين من شبكة علاقات وطيدة الى حياة أكثر مدينية إنما خارج العاصمة. تلفت الحلاق إلى "أن السكان في المباني المتواضعة يشبهون بعضهم إلى حد كبير، في عاداتهم أو في مهنهم الحرفية التي افتتحوها في الطبقات الأولى من البيوت (وهي حال معظم بيوت الأشرفية، لاسيما الجميزة سابقاً). وهؤلاء بخروجهم من المنطقة لشراء شقق سكنية خارج المدينة، يتبعثرون ويتوزعون ولا يذهبون جماعة محافظين على نسيجهم الاجتماعي، كما جاءوا، بل يتدبر كلٌّ منهم أمره بشكل فردي بحسب قدراته المادية. وهنا نشهد تمزيقا للنسيج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعي للسكان لمصلحة أناس غرباء يسكن كلٌّ منهم في طبقة منفصلة عن العالم وعن محيطها".

لا يشذ خروج سكان الأشرفية من العاصمة عن خروج كثير من سكان العاصمة منها، وهو ما شكل تمدداً إضافياً لبيروت. وهنا يقول المعماري رهيف فياض: "يتضح من النظرة الشاملة إلى مدينة بيروت الكبرى اليوم، أنها بالغت بتمدِّدها على الشريط الساحلي، مثلما بالغت بتسلقها التلال المحيطة بها شرقاً فأصبحت بقياساتها، وبمساحتها، وبعدد سكانها، كأنها خارج المقياس (Hors echelle) مقارنة بقياسات الوطن، وبمساحته، وبعدد سكانه. وبالغت أيضاً، بتعدياتها على البحر، فلم يعد لها حدود. فحصلت بذلك قطيعة كاملة بين بيروت الكبرى، ومكانها الطبيعي. واللافت، أن بيروت الكبرى هذه بالرغم من تمددها غير المنضبط، تبدو مكتظة شديدة الكثافة في معظم مناطقها. والمتنزه المغامر، يلاحظ كثافة البنيان ترهقه، من برج حمَّود مروراً بالسيوفي، وأحياء منطقة الأشرفية، إلى البسطة، والمصيطبة، وصولاً إلى رأس بيروت. الاكتظاظ والكثافة، يعمان المدينة، من دون مراعاة لمتطلبات المعطى الطوبوغرافي المتنوع فيها. يشعر المتنزه المغامر، وكأن الاكتظاظ واحد في تلال السيوفي والأشرفية، أو في المصيطبة والظريف وبرج أبو حيدر، بالرغم من التنوع الطوبوغرافي لهذه الأمكنة، والذي يتطلب تنوعاً موازياً في الكثافة وارتفاع المباني".

نشأة أولى
تغيرت الأشرفية، هذه التلة على الجهة الشرقية لسور بيروت، التي بدأت تعمر سكانياً خارجه منذ "نهاية الأربعينيات من القرن التاسع عشر"، وفق سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت". إذ "أنشئ أول مركز لليسوعيين والبعثة الرسولية، شرق ساحة البرج، ومن ثم أنشئت مدرسة الأقمار الثلاثة للروم الأورثوذكس، مما شجع عدداً من العائلات المسيحية للإقامة هناك. وتدريجاً قامت مساكن ضخمة على مسافة أبعد من حي القيراط جنوب السور في القرب من الجامعة اليسوعية الحالية، وخصوصا إلى الشمال على صخرة المدور حيث اختارت البرجوازية المسيحية الجديدة مقراً لها. وبعد سنوات، راحت تظهر أكثر فأكثر معالم البيوت بقناطرها الثلاث في المنطقة". يضيف: "ارتفعت مساكن مهيبة بناها تجار أثرياء من الطائفة الأرثوذكسية وكانت تسميات الأمكنة تبعاً لأسماء العائلات مثل شارع سرسق، حي مدوّر، تصوينة توين، وطلعة دباس".


مخاتير.. مخاتير
لوقت طويل لم تكن الأشرفية جزءاً من المدينة، وفق مختار الأشرفية إيلي صباغة: "فهي ضيعة، لطالما كان أعلى بيت فيه مكوناً من طبقتين، وأحياناً عدة فيها كانت إما مغطاة بالأشجار أو "بورة". إنما أدى التمدن وفق المختار إلى ارتفاع الكثافة السكانية في المدينة، ورافق ذلك انتشار المدارس والمستشفيات والجامعات والمكاتب. هكذا، باتت الأشرفية جزءاً من المدينة. يقول إن "عدد السكان بين الخمسينات والستينات لم يتعد الستين ألف نسمة. وكانت المناطق المأهولة محصورة تقريباً بساسين، مار متر، فسوح، كرم الزيتون وامتداداً إلى السوديكو. الانفجار السكاني الأكبر حصل في السبعينات بعد تهجر السكان من قراهم وبات "الشاطر بشطارته" ينشئ مبنى ليستفيد من الطلب المتزايد على الشقق. أما اليوم فالكثافة السكانية تصل إلى نحو 450 ألف نسمة (نحو عشرة في المئة منهم فقط من الناخبين في الأشرفية)".

كانت الأشرفية وفق مختار الرميل بشارة غلام مصيفاً لكثيرين، بمن فيهم أهالي الرميل، كنا "نمضي الشتاء في الرميل، ونصعد صيفاً إلى التلة". ويميز غلام بين المنطقتين، مشيراً إلى أن "الرميل أقدم من الأشرفية، وتحافظ بنسبة ثمانين في المئة على تراثها وبيوتها التراثية وقصورها بما فيها قصور آل سرسق".
ويلفت مختار الصيفي ميشال نصر إلى أن "طبيعة المنطقة باتت تجارية في معظمها، وتتضمن الشركات والأسواق والحانات، في مونو والجميزة". يقول نصر إن "المنطقة تغيرت كثيراً بعد الحرب، إذ كانت المحال في الجميزة على سبيل المثال تعتاش من زبائن وسط البلد، إنما خلال الحرب لحق المنطقة دمار كبير، ولم ينفذ في المنطقة خطة شاملة للإعمار، بل كان الإعمار فردياً". يقول نصر إن "ارتفاع اسعار العقارات في منطقة سوليدير أدى إلى ارتفاعها أيضاً في مناطق الصيفي. ولهذا لا يمكن لوم الناس الذين سعوا لبيع عقاراتهم مقابل مبالغ مالية هم بأمس الحاجة إليها لمتابعة حياتهم والنهوض بها من جديد". أما الخطة البديلة من البيع والهدم لمصلحة بناء الأبراج، فكانت وفق نصر "تحويل الطبقات الأرضية من المنازل إلى حانات ومقاهٍ ليلة. وهو ما نفذناه في منطقة مونو في العام 2004، ولم يكد المشروع ينطق حتى وقع الانفجار الذي استهدف الرئيس رفيق الحريري، فكانت الجميزة هي الخطة باء".

المصدر: جهينة خالدية- جريدة السفير 2012

20.10.12

«حــرب» لـيـــوم واحـــد

 جهينة خالدية
20-10-2012

هذا يوم عادي في حياة منطقة الأشرفية: الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة، ساحة ساسين تعاني زحمة سير خانقة، أبواق السيارات تتداخل مع أبواق الشاحنات، صوت سائق أجرة غاضب يمتزج مع أصوات طلاب يتدافعون مزاحاً أثناء عودتهم إلى المدرسة، كشك ساسين الشهير يستقبل زبوناً عابراً يشتري علبة سجائر، موظف في أحد المصارف، الكثيرة هنا، يتسلل خارجاً لينفث دخان سيجارة، شابة عشرينية بسروال زهري قصير تتنقل سيراً على الأقدام مستمتعة بأغنية ما تستمع إليها عبر مسجلها الالكتروني الصغير.
مئات المشاهد المتتابعة، لأشخاص على عجل، يمشون في كل الاتجاهات، إلى المنازل، إلى الأعمال، إلى الجامعات، إلى المقاهي. أناس يتحركون، يتحدثون، يضحكون، وعما قليل.. كلهم سيهلعون.
هذا يوم غير عادي في منطقة الأشرفية: صوت انفجار ضخم يهز المنطقة. المشاهد المتتابعة قلبت رأساً على عقب، الناس يركضون في كل الاتجاهات. لا أحد يعرف فعلا أين يذهب، كيف يهرب.
الثانية والثامنة والأربعون دقيقة، يقع الانفجار الهائل في شارع إبراهيم المنذر، مستهدفاً رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي العميد وسام الحسن. شارع المنذر فعلياً هو ذلك الشارع الصغير الذي لا يتعدى طوله المئتي متر، تماماً خلف مبنى البريد في ساحة ساسين في الأشرفية، وبمجرد أن فتحت بوابة موقف «مصرف بيمو» في ساسين، حتى ظهرت المباني المدمرة في شارع المنذر. ويعتبر هذا الشارع الرابط بين طلعة أديب إسحاق بساحة ساسين (تحديداً بالشارع المتوجه نزولاً باتجاه «مستشفى أوتيل ديو»).
ويتقدم شارع إبراهيم منذر، «صفاً» من المباني الأساسية في ساحة ساسين، من مبنى «مصرف الاعتماد» الذي تضررت طبقته الأولى، وسرعان ما راح الموظف المختص يتخذ المقاسات اللازمة لينجز واجهة زجاجية للمصرف. إضافة إلى أضرار في مبنى «أسيكو» (الأقرب إلى الانفجار) ومبنى منصور، ومبنى الصائغ ياسيان ومن ثم البريد. ويشكل هذا الأخير ومبنى ساسين المقابل له (حيث «مصرف لبنان والمهجر») المدخل الأساسي لشارع المنذر.
إنما الأضرار لم تطل المباني الملاصقة لمكان الانفجار فحسب، بل طالت حتى تلك المقابلة في ساحة ساسين، حيث ملأ الزجاج المتناثر كل الطرق المحيطة وكأن هزة أرضية مرت من هنا. كيفما التفتَّ كان هناك من يكنس أو يجرف زجاجاً ثقيلاً عرّى واجهة متجره أو منزله. وبقيت ألواح الزجاج المتكسر تتناثر بشكل «عفوي» فوق رؤوس المارة حتى ساعات المساء، وكاد أحد الشبان أن يُقتل فوراً جراء لوح زجاجي وقع من أحد مباني أديب إسحاق حيث المدخل الأيسر لشارع إبراهيم منذر.
هنا، في شارع أديب إسحاق، اختفت واجهات متجر الألبسة «بلو أس» الذي يعود إلى العام 1988 ويقع تماماً عند زاوية شارع المنذر. ناجي يزبك، صاحب المتجر يراقب خسائره التي يقدرها بعشرة آلاف دولار. لا يملك الرجل ولا جاره فيليب عون، صاحب محل للحلاقة منذ العام 1968، الكثير ليقولاه. يهزان برأسيهما، ويجيبان على اتصالات كثيرة تردهما.
كان المسعفون ينتشلون الجرحى والقتلى ويوزعونهم على المستشفيات (فادي أبو غليوم)
في تلك اللحظة التي وقع فيها الانفجار، كان جوني خليفة يقف أمام المدخل الثاني لمبنى البريد، ذلك المؤدي إلى «إبراهيم المنذر». يقول إن «قوة الانفجار دفعت بعض الناس ليظنوا أنه صاروخ، لا عبوة! كان كل منا يظن أن الانفجار، لشدته، وقع في المبنى الذي يقطنه أو يعمل فيه. جمدنا لثوان، ثم رأيت الناس يتدافعون، لا يعرفون في أي اتجاه يهربون. سمعتُ صراخ أمهات وكبار سن تخرج من شرفات المنازل. ورأيت موظفين من «مصرف بيمو» حيث الانفجار، يخرجون ويهرولون وإذا بهم يصابون بالأحجار المتساقطة، إضافة إلى إصاباتهم السابقة. ورأيت أطفالاً في طريق عودتهم من المدارس، يُجرحون جراء سقوط الزجاج المتناثر عليهم».
يقول شهود عيان إن سيارات الصليب الأحمر والدفاع المدني وصلت إلى الشارع في أقل من ربع ساعة فقط. كان المسعفون ينتشلون الجرحى والقتلى ويوزعونهم على المستشفيات. وكان أفراد العائلة الواحدة يصلون متفرقين إلى مستشفيات مختلفة، وفي الساعات الأولى ما كان أحدهم يعرف شيئاً عن مصير باقي أفراد العائلة. في «مستشفى أوتيل ديو»، تصل امرأة شبه غائبة عن الوعي تحمل ابنها الجريح في الخامسة من عمره. تبكي وتصرخ سائلة عن مصير ابنتها، تقول: «هذا ابني إنما لا أعرف شيئاً عن ابنتي، أين ابنتي يا رب؟». يتكرر المشهد في «مستشفى الروم»، هنا رجل يحاول على مدى أكثر من ساعتين الاتصال بأفراد عائلته. لا تسعفه الاتصالات المتقطعة، ولا حالته النفسية الهستيرية. يحاول أن يقنع أخته المغتربة أن أمهما بخير، يصرخ في وجهها مجسداً حالة ذعر هائلة منتشرة في المستشفى، مكرراً صلوات هامسة. وفي المستشفى، نداءان راح الناس يكرروهما: «يا رب نجنا»، و«يا عدرا دخيل اسمك». كان الناس يكررونهما كلما التقطتوا أنفاسهم.
خلال تقدم ساعات المساء، كان الذعر يتحول إلى حزن مفجع، وكانت عائلات أكثر من مئة جريح تحاول أن تستوعب هول المصيبة. وكان من نجا، يفكر أين سيمضي ليلته، إذ لم تخرج أي جهة رسمية أمس، لتعلن عن مساكن مؤقتة لسكان الأبنية المتضررة. هؤلاء راحوا يخرجون من بين الركام حاملين ما تيسر من أكياس أو حقائب، كالمهجرين الفارين من القصف.
وعلى بعد خطوات من مدخل الشارع، تربصت عشرات وسائل الإعلام المحلية والدولية بكاميراتها وسيارات النقل المباشر التي انتشرت في ساحة ساسين، وسدت الطريق المؤدية نزولاً إلى السيوفي. وعلى مقربة منهم، جلس الرواد اليوميون لساحة ساسين من العم متري فتح الله، وسليم أبو عاصي وجوني خليفة ورفاقهم، يراقبون خراباً أصاب مدينتهم. هؤلاء يلعبون الطاولة في هذه الساحة منذ أكثر من أربعين سنة، «يوم كان في الساحة بركة»، يقول أبو عاصي.. الرفاق ليسوا على طبيعتهم اليوم، لا مكان للعب الطاولة. ولا يوم غد. يقول العم متري: «يوم غد سنأتي، إنما لنواسي أهالي موتانا فقط».


8.10.12

مؤتمر «شارك ـ بيروت»: التواصل الذي لا ينتهي

 
جهينة خالدية
8-10-2012
 



تكلّموا، عرضوا، صوّروا، اختلطوا، غرّدوا، كتبوا، وشاركوا. أكثر من ألف وخمسمائة ناشط ومدوّن ومشارك، حضروا في مؤتمر «شارك ــ Share ــ بيروت» حول ثقافة الانترنت، وتطوير عمليات التواصل والتفاعل.
على مدى ثلاثة أيام، استمع المشاركون لأكثر من ثلاثين تجربة وقصة نجاح، عرضها ثلاثون متحدثا في صالة «سوليا في» في جسر الواطي في بيروت، وتمحورت حول التواصل الاجتماعي ووسائله والابتكار والإبداع في التكنولوجيا والانترنت. أما في المساء، فاستمتعوا ببرنامج موسيقي ليلي.

سامي بن غربية في المؤتمر- السفير
المؤتمر الذي تنظمه مؤسسة «شير» الصربية، «يُعقد للمرة الأولى خارج بلده الأصل، بلغراد بعدما عمل عدد من الأفراد والجمعيات اللبنانية على جذب منظميه لعقده في بيروت»، كما تلفت إحدى منسقاته مروى أبو دية. وشكّل المؤتمر مساحةً حاضنة لناشطين عرب وأجانب من أكثر من عشرين بلداً، وأظهر مدى الحاجة لمساحات مماثلة، تتمحور حول ثقافة الإنترنت وعلاقتها بالتغيير المجتمعي.
هنا عرض ناشطون عرب لتجاربهم الملفتة في محاولات الالتفاف على القمع السائد قبل الثورات العربية، ودور «المجتمع الإلكتروني» في تنشيط الثورات ونقلها ونشرها، وصولاً إلى دورهم في ظلّ الحكومات الجديدة المنتخبة بعد سقوط الأنظمة القمعية. وهنا، تحدّث شباب عربي وغربي من ناشطين ومبرمجين عن مبادراتهم وما أحدثته من تغيير وتجديد عند نشرها عبر الإنترنت، إن كان على المدونات أو مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة، أو حتى عبر إطلاق مواقع إلكترونية خاصة بهم.
وائل عباس
في كل زاوية في صالة المؤتمر، كان هناك من يلتقط الصور وينشرها عبر الانترنت، أو ينقل أجزاءً من العروض، أو يجري المقابلات أو يشارك في النقاشات حول حرية استخدام الانترنت والحق المطلق بالنشر. كانت مساحة تفاعلية هائلة لتبادل المعلومات وتشاركها ونشرها من دون ضوابط أو قيود. هكذا شكّلت الأيام الثلاثة للمؤتمر نوعاً من الحلم المرتجى تطبيقه طوال الوقت، بين شباب متعطّش لصناعة حاضره والتدخل في كلّ لحظاته ومن ثم تبادل تجربته مع آخر مماثل أو حتى مختلف.
نعيمة ظريف
إحدى هذه التجارب والقصص البارزة هي مع مدونة «الوعي المصري» للمدوّن المصري وائل عباس التي يقدمها تحت عنوان «مدونة على مزاج صاحبها اللي مش بيشتغل عند حد». عرض عباس لتأثير الفيديوهات والأخبار التي ينشرها عبر المدونة، خصوصاً أشرطة مصوّرة حول التعذيب في مراكز الشرطة المصرية، إضافةً إلى فيديوهات حول التحرش الجنسي وأخرى للمظاهرات من ميدان التحرير. ولفت عباس إلى أن «كثيرا من الفيديوهات كانت حصرية، وكانت المدونة موجودة حيث غاب الإعلام التقليدي الذي عاد ونقل الفيديوهات التي نشرت على المدونة».
بدورها استطاعت مايا زنقول، أن تتخلّى عن الإعلام التقليدي لتنشر أفكارها عبر رسوم كرتونية، نشرتها على مدونتها الخاصة «أمالغام». زنقول لفتت في عرضها إلى أنها في البداية لم تكن تعرف بوجود ما يسمى بالإعلام الاجتماعي، «كنت أقدم رسوماً بسيطة ومن ثم تغيرت حياتي عند نشرها على مدونتي». وعمدت زنقول في رسومها إلى نقد الأفكار التقليدية السائدة في المجتمع، ووصف للحياة اليومية في لبنان، وترى أن «الإعلام التقليدي يعرضها بطريقة مغلوطة، ولهذا لا أجده يمثلني». جاءت الخطوة الثانية لزنقول بتصميمها على نشر رسومها في كتاب، لتواجه تحفظ وامتناع دور النشر على تمويلها، بذريعة أن هذا النوع من الكتب يشكّل مغامرة... هكذا، مولت النشر بنفسها واحتلت في كتابيها مراكز متقدمة في لائحة الكتب الأكثر مبيعاً. 
حبيب حداد
أميرة اليحياوي
إسراء حيدر
مايا زنقول

ولكن كيف يمكن مشاركة كل هذه المعلومات المتدفّقة عبر الإنترنت، بأخلاقيات محدّدة، ومن دون احتكار في الوقت عينه، ومن دون أن يتحول استخدام مادة الآخرين إلى «سرقة مشروعة»؟ هذا ما عرضته نعيمة ظريف حول فكرة منظمة «المشاع الإبداعي Creative Commons» التي تشرع استخدام المادة المنشورة عبر الإنترنت من دون العودة إلى صاحبها، بشرط ذكر مصدرها. ولفتت ظريف الى أنّ «جعل المحتوى الرقمي والإنتاج الفكري مفتوحاً أمام الجميع، وتحت رخصة «المشاع الإبداعي» يساهم في تبادل ونشر أوسع للمعلومات، كما يسهل الأعمال البحثية والتوثيقية ويساعد في تقديم أعمال مبتكرة في مجالات مختلفة».
 
«حجابي أكثر من مجرد غطاء للرأس». تحت هذا العنوان بدأت إسراء حيدر مدونتها «حجابي»، التي تحدثت عنها في مؤتمر «شارك». تقول حيدر إنها «قررت التدوين بعدما تم رفضها في عدد من الوظائف بسبب حجابها، مما دفعها إلى التحدث أكثر عن نفسها ومعنى الحجاب، متطرقة إلى تفاصيل صغيرة لطالما سألها عنها الناس، مثلها: ألا تشعرين بالحر في الصيف؟!». وتشير حيدر إلى أنّ «المدوّنة ليست تبشيرية ولا تحاول أن تنشر فكرة الحجاب، بقدر ما هي يوميات محجبة تعيش حياة طبيعية». مدوّنة حيدر تحولت مع الوقت إلى مساحة يتشارك فيها القراء تجاربهم حول عنصرية يتعرضون لها لمجرد أنهم مختلفون ويحملون علامات فارقة، كالوشم أو الحجاب أو حتى كونهنّ سافرات في مجتمعات محافظة.
 
كيف يمكن للنشطاء الافتراضيين أن يساهموا في وقف القمع؟ وما كان دورهم في الثورة التونسية؟ وكيف يمكنهم دعم ثورات البلدان العربية الأخرى، سوريا والبحرين على سبيل المثال؟ هذا ما سعى الناشط التونسي سامي بن غربية إلى الإجابة عنه، متطرقاً إلى تجربة موقع «نواة» الذي شارك في تأسيسه، وأسس لما يعرف بصحافة المواطن. ولفت بن غربية إلى أنّ «في الثورة كان عدونا واحداً، وهدفنا واحداً، وهذا لم يكن سهلاً، إنما نشاطنا مستمر. فبعد إسقاط النظام بات عملنا موزعا على جهات عدة لا جهة واحدة، مطالبين الشرطة والجيش والحكومة بالشفافية المطلقة». وتطرق بن غربية إلى حاجة لتوحيد جهود الناشطين الافتراضيين العرب لنقل ما يتمّ التعتيم عليه في سوريا والبحرين. وهذا يواجه تحديات عدة، بينها اعتقال عدد كبير من الناشطين في الدولتين، خصوصاً سوريا، إضافة إلى انشغال الناشطين في مشاكل بلدانهم وقضايا ملحة تطورت بعد الثورات، مثل ما يحصل في تونس ومصر».

مشاركات لافتة

ثلاثون مشاركاً عرضوا تجاربهم التي غيرت حياتهم أو غيرت في محيطهم، وإن كان يصعب التوسع في العروض كلّها إلا أنه يجدر الإشارة إلى عروض مميزة منها: عمر كريستيديس- آراب نت، محمد نجم SMEX، محمد طرقية ـ حريانت، ليا بارودي ـ جمعية "مارش" (ضد الرقابة)، دايفيد منير نابيط ــ "آلت سيتي"، مارسيل مارس ــ MI2، سامر نخفور ــ Leb Geeks، أميرة اليحياوي ــ البوصلة وحبيب حداد ـ "ومضة" و"يملي" .. وغيرهم
 
المصدر: جهينة خالدية
جريدة السفير
الصورة من موقع المؤتمر على الإنترنت: http://www.sharebeirut.net