20.10.12

«حــرب» لـيـــوم واحـــد

 جهينة خالدية
20-10-2012

هذا يوم عادي في حياة منطقة الأشرفية: الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة، ساحة ساسين تعاني زحمة سير خانقة، أبواق السيارات تتداخل مع أبواق الشاحنات، صوت سائق أجرة غاضب يمتزج مع أصوات طلاب يتدافعون مزاحاً أثناء عودتهم إلى المدرسة، كشك ساسين الشهير يستقبل زبوناً عابراً يشتري علبة سجائر، موظف في أحد المصارف، الكثيرة هنا، يتسلل خارجاً لينفث دخان سيجارة، شابة عشرينية بسروال زهري قصير تتنقل سيراً على الأقدام مستمتعة بأغنية ما تستمع إليها عبر مسجلها الالكتروني الصغير.
مئات المشاهد المتتابعة، لأشخاص على عجل، يمشون في كل الاتجاهات، إلى المنازل، إلى الأعمال، إلى الجامعات، إلى المقاهي. أناس يتحركون، يتحدثون، يضحكون، وعما قليل.. كلهم سيهلعون.
هذا يوم غير عادي في منطقة الأشرفية: صوت انفجار ضخم يهز المنطقة. المشاهد المتتابعة قلبت رأساً على عقب، الناس يركضون في كل الاتجاهات. لا أحد يعرف فعلا أين يذهب، كيف يهرب.
الثانية والثامنة والأربعون دقيقة، يقع الانفجار الهائل في شارع إبراهيم المنذر، مستهدفاً رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي العميد وسام الحسن. شارع المنذر فعلياً هو ذلك الشارع الصغير الذي لا يتعدى طوله المئتي متر، تماماً خلف مبنى البريد في ساحة ساسين في الأشرفية، وبمجرد أن فتحت بوابة موقف «مصرف بيمو» في ساسين، حتى ظهرت المباني المدمرة في شارع المنذر. ويعتبر هذا الشارع الرابط بين طلعة أديب إسحاق بساحة ساسين (تحديداً بالشارع المتوجه نزولاً باتجاه «مستشفى أوتيل ديو»).
ويتقدم شارع إبراهيم منذر، «صفاً» من المباني الأساسية في ساحة ساسين، من مبنى «مصرف الاعتماد» الذي تضررت طبقته الأولى، وسرعان ما راح الموظف المختص يتخذ المقاسات اللازمة لينجز واجهة زجاجية للمصرف. إضافة إلى أضرار في مبنى «أسيكو» (الأقرب إلى الانفجار) ومبنى منصور، ومبنى الصائغ ياسيان ومن ثم البريد. ويشكل هذا الأخير ومبنى ساسين المقابل له (حيث «مصرف لبنان والمهجر») المدخل الأساسي لشارع المنذر.
إنما الأضرار لم تطل المباني الملاصقة لمكان الانفجار فحسب، بل طالت حتى تلك المقابلة في ساحة ساسين، حيث ملأ الزجاج المتناثر كل الطرق المحيطة وكأن هزة أرضية مرت من هنا. كيفما التفتَّ كان هناك من يكنس أو يجرف زجاجاً ثقيلاً عرّى واجهة متجره أو منزله. وبقيت ألواح الزجاج المتكسر تتناثر بشكل «عفوي» فوق رؤوس المارة حتى ساعات المساء، وكاد أحد الشبان أن يُقتل فوراً جراء لوح زجاجي وقع من أحد مباني أديب إسحاق حيث المدخل الأيسر لشارع إبراهيم منذر.
هنا، في شارع أديب إسحاق، اختفت واجهات متجر الألبسة «بلو أس» الذي يعود إلى العام 1988 ويقع تماماً عند زاوية شارع المنذر. ناجي يزبك، صاحب المتجر يراقب خسائره التي يقدرها بعشرة آلاف دولار. لا يملك الرجل ولا جاره فيليب عون، صاحب محل للحلاقة منذ العام 1968، الكثير ليقولاه. يهزان برأسيهما، ويجيبان على اتصالات كثيرة تردهما.
كان المسعفون ينتشلون الجرحى والقتلى ويوزعونهم على المستشفيات (فادي أبو غليوم)
في تلك اللحظة التي وقع فيها الانفجار، كان جوني خليفة يقف أمام المدخل الثاني لمبنى البريد، ذلك المؤدي إلى «إبراهيم المنذر». يقول إن «قوة الانفجار دفعت بعض الناس ليظنوا أنه صاروخ، لا عبوة! كان كل منا يظن أن الانفجار، لشدته، وقع في المبنى الذي يقطنه أو يعمل فيه. جمدنا لثوان، ثم رأيت الناس يتدافعون، لا يعرفون في أي اتجاه يهربون. سمعتُ صراخ أمهات وكبار سن تخرج من شرفات المنازل. ورأيت موظفين من «مصرف بيمو» حيث الانفجار، يخرجون ويهرولون وإذا بهم يصابون بالأحجار المتساقطة، إضافة إلى إصاباتهم السابقة. ورأيت أطفالاً في طريق عودتهم من المدارس، يُجرحون جراء سقوط الزجاج المتناثر عليهم».
يقول شهود عيان إن سيارات الصليب الأحمر والدفاع المدني وصلت إلى الشارع في أقل من ربع ساعة فقط. كان المسعفون ينتشلون الجرحى والقتلى ويوزعونهم على المستشفيات. وكان أفراد العائلة الواحدة يصلون متفرقين إلى مستشفيات مختلفة، وفي الساعات الأولى ما كان أحدهم يعرف شيئاً عن مصير باقي أفراد العائلة. في «مستشفى أوتيل ديو»، تصل امرأة شبه غائبة عن الوعي تحمل ابنها الجريح في الخامسة من عمره. تبكي وتصرخ سائلة عن مصير ابنتها، تقول: «هذا ابني إنما لا أعرف شيئاً عن ابنتي، أين ابنتي يا رب؟». يتكرر المشهد في «مستشفى الروم»، هنا رجل يحاول على مدى أكثر من ساعتين الاتصال بأفراد عائلته. لا تسعفه الاتصالات المتقطعة، ولا حالته النفسية الهستيرية. يحاول أن يقنع أخته المغتربة أن أمهما بخير، يصرخ في وجهها مجسداً حالة ذعر هائلة منتشرة في المستشفى، مكرراً صلوات هامسة. وفي المستشفى، نداءان راح الناس يكرروهما: «يا رب نجنا»، و«يا عدرا دخيل اسمك». كان الناس يكررونهما كلما التقطتوا أنفاسهم.
خلال تقدم ساعات المساء، كان الذعر يتحول إلى حزن مفجع، وكانت عائلات أكثر من مئة جريح تحاول أن تستوعب هول المصيبة. وكان من نجا، يفكر أين سيمضي ليلته، إذ لم تخرج أي جهة رسمية أمس، لتعلن عن مساكن مؤقتة لسكان الأبنية المتضررة. هؤلاء راحوا يخرجون من بين الركام حاملين ما تيسر من أكياس أو حقائب، كالمهجرين الفارين من القصف.
وعلى بعد خطوات من مدخل الشارع، تربصت عشرات وسائل الإعلام المحلية والدولية بكاميراتها وسيارات النقل المباشر التي انتشرت في ساحة ساسين، وسدت الطريق المؤدية نزولاً إلى السيوفي. وعلى مقربة منهم، جلس الرواد اليوميون لساحة ساسين من العم متري فتح الله، وسليم أبو عاصي وجوني خليفة ورفاقهم، يراقبون خراباً أصاب مدينتهم. هؤلاء يلعبون الطاولة في هذه الساحة منذ أكثر من أربعين سنة، «يوم كان في الساحة بركة»، يقول أبو عاصي.. الرفاق ليسوا على طبيعتهم اليوم، لا مكان للعب الطاولة. ولا يوم غد. يقول العم متري: «يوم غد سنأتي، إنما لنواسي أهالي موتانا فقط».