29.10.12

الأشرفية.. في حينا برج وهوية ممزقة




مدينة متغيرة، متحولة لا تشبه نفسها 
الأشرفية.. في حينا برج وهوية ممزقة


تحقيق: جهينة خالدية
نُشر في جريدة السفير
29-10-2012




من صور مسابقة "موزاييك"-الأشرفية الدولية للتصوير الفوتوغرافي
أمامه حديقة متواضعة، مزروعة بكل نوع، من البرتقال والجميز والسرو إلى الحبق. حديقة لبيت بقرميد مرسيليا الأحمر، وبهو وغرف أربع. يملأ هذا المشهد عيني الرجل بالرضا، يرفع رأسه إلى السماء، يشكر الرب على النعمة، وينطلق إلى العمل في دكان السمانة القريب.
هذا يوم عادي في ثمانينات القرن الماضي، في حياة رجل يعيش في دار وحديقة ورثهما عن أبيه وجده. دار وحديقة متواضعان في منطقة الأشرفية، أنشئا منذ أكثر من مئة سنة، ويطلان من هذه التلة على أحياء كثيرة من بيروت. اليوم، لاشيء يظهر منهما وسط أبراج شاهقة تأكل المنطقة وروحها، وتأكل عما قريب منزل ريمون وعائلته.
المنزل والحديقة، "ماتا.. ماتا منذ مدة بعيدة"، يقول الرجل وهو يقف خلف البوابة الموصدة بأقفال صدئة. "إنهما بالنسبة إلي غير موجودين إلا كفكرة جميلة في بالي. فكرة خيالية، أحب أن أعود إليها كلما اشتقت لدجاجتي، وقطتي ولرائحة زهر البرتقال التي تعيديني عشر سنوات إلى الوراء، وتنسيني حاضري، وما هو إلا غرفة".
في العام 2012، ريمون مازال موجوداً، وكما هو، "أنا لم أتغير"، يقول. إنما "كل شيء آخر تغير": "غرفي الخمسة باتت واحدة، حديقتي ذبلت ولم أعد أراها إلا من البعيد. أوراق جافة ورائحة عفنة. دجاجاتي هربت، أولادي تزوجوا واغتربوا إلا واحدا وأمي ماتت". تغير كل شيء" يقول الرجل، "بت أعيش في غرفة في مبنى من طبقات عشر، في منطقة لم تعد تشبهني، ولم تعد تشبه نفسها، لا أعرف إلا عدداً قليلاً من ناسها ولا يعرفونني. منطقة لا أرى سماءها، وطبعاً.. لا تراني".
بجملة واحدة، طويلة، اختصر الرجل عشر سنوات من حياته. جملة واحدة طويلة، يقول إنه "يركبها منذ مدة، ويكرره في رأسه، ويفكر دوماً أنه سيجد من يرويه له، ومن سيحب أن يسمع ما الذي كان، وما الذي ذهب وما الذي بقي". الرجل يقول إن "حياة الناس تقلب رأساً على عقب في اللحظة التي يخسرون فيها بيوتهم. حياتهم لا تعود حياة".
يروي العم ريمون قصة منزله وبهذا يقول إنه "يروي تاريخ منطقة تتحول، فالأشرفية تغيرت وسيستمر هذا التغيير الفوضوي كلما خسر فيها إنسان بيته، وكلما ارتفع فيها برج، وكلما ازدهرت حياتها الليلية على حساب أهلها وناسها".
هل يتغير الناس مع تغير بيوتهم؟ أين يذهبون؟ ومن هم السكان الجدد؟ هل هم جزء من تغير طبيعي، ومشروع؟ الجدد، هل هم "الفوضى" التي يتحدث عنها كبار المنطقة؟ هل تتغير الهوية الاجتماعية لمنطقة مع تغير عمرانها وسكان بيوتها أو شققها؟ الأسئلة تجوز عن مناطق كثيرة من لبنان، وتحديداً العاصمة، إنما تشكل منطقة الأشرفية وجوارها، الصيفي والرميل والمدور (وكلها جزء من النمو الافقي لبيروت خارج أسوارها)، نموذجاً فريداً لهذا التغيير، لكثافته وسرعته وتحويره في شكل المدينة.

تحقيق: جهينة خالدية

رسمت البيوت القديمة ذات الطبقة الواحدة أو الطبقتين والحديقة، الطابع القروي للأشرفية. فكانت تلة الأشرفية وجهاً من الوجوه الريفية لبيروت خارج السور، التي راح وسطها (داخل السور) يتحول أكثر فأكثر إلى وسط تجاري. وقد تكون هذه البيوت في طريقها إلى الاندثار بشكل شبه كامل، ذلك بعدما صمدت نسبيا مقارنة بمثيلاتها في وسط العاصمة. إنما في المنطقة مبانٍ أخرى، ذات الطبقات الثلاث وصولا إلى الستة، بدأت تظهر في الخمسينات بشكل حزم اسمنتية فوضوية أحياناً، ملبية الطلب المرتفع للنازحين الريفين إلى المدينة. كثير منها تضرر في الحرب الأهلية. بعضها رُمم وبعضها الآخر هدم، من دون أن يكون ذلك وفق خطة عمرانية كما حصل في وسط بيروت القريب. المباني هذه على الرغم من فوضويتها، إلا أنها تبدو اليوم متجانسة ومترابطة إلى حد ما، مقارنة بالأبراج التي تمزق النسيج  العمراني اليوم.
وعلى الرغم من أن هذا الشكل العمراني مازال طاغياً على طابع المنطقة بشكل واضح، إنما تستدعي سرعة التغيير لمصلحة الأبراج التي تمزق نسيجاً كثيراً من الأحياء، التلويح بخطر إزالة معالم المنطقة- التلة التي ترتفع مئة متر عن سطح البحر وتشرف مباشرة على مرفأ المدينة.
إذاً، جاءت مباني الخمسينات على حساب البيوت القديمة الساحرة، لتشبع انفجاراً سكانياً رفع من معدلات التمدن في بيروت كلها. وفي الأعوام الماضية، باتت المباني المرتفعة/ الأبراج تتفجر هنا وهناك، كأنها تختار حياً سكيناً منغمساً في تعايشه مع نفسه وناسه لتأتي وتمزقه متعدية على طباعه وأزقته المتواضعة وحيز الحدائق والأرصفة.. والسماء المفتوحة.
هكذا، فجأة وسط بيوت ذات أربع أو خمس طبقات، يرتفع مبنى من عشر طبقات كحد أدنى، كنصب أنيق، نظيف، مرفه، يكاد يُخشى عليه من الهواء لأناقته المبالغ فيها.. آخر هذه الأبراج العملاقة "سما بيروت"، الذي سيحرم كثيرين من رؤية هذه السماء التي احتكرها باسمه وسيشكل ضغطاً كثيفاً في الحركة السكانية والمرورية في المنطقة ذات الشوارع الضيقة والمتواضعة.
هذا واحد من تحولات عدة تجري في المنطقة التي يغلب عليها الطابع السكاني، إضافة إلى المؤسسات التربوية التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، والتي نشأت في معظمها في أحياء قلما كانت مأهولة بالسكان (مدرسة الأقمار الثلاثة، الجامعة اليسوعية 1919 وجامعات أجنبية وكليات للجامعة اللبنانية) ومؤسسات صحية استشفائية (مستشفى أوتيل ديو 1922، رزق، القديس جاورجيوس وغيرها).
وعلى الرغم من أن الأشرفية ومحيطها من أكثر المناطق في لبنان احتضاناً للحدائق العامة، إلا أنها تخسر من جهة ثانية ناساً يرتادون تلك الحدائق، إذ شكل التغيير في هوية المنطقة راجحاً لمصلحة المنطق الاستهلاكي إلى حد كبير، وبالتالي استعيض عن الحدائق كحيز عام للالتقاء والترفيه، بالمجمعات التجارية والمطاعم والمقاهي.
وكذلك ترافق إزدهار بناء الأبراج هدم بيوت قديمة وأخرى تراثية وتحول عدد منها، أو طبقاتها الأرضية، إلى مطاعم أو مقاهٍ ليلة إلى درجة باتت أحياء برمتها للسهر (مونو ومن ثم الجميزة). وهو الأمر الذي أرضى البعض بحيث استطاع توظيف عقاراته وكسب إيجارات مرتفعة منها، وأزعج البعض الآخر بسبب الفوضى والأصوات المرتفعة للموسيقى وزحمة السير في شوارع سكانية. ودفع كثير من السكان إلى الهرب من تلك الأحياء إلى خارج المنطقة، وهو ما يصب في ما يسميه السكان هنا "الهجرة الثانية". وكانت الأولى من قرى الجبل وجزين في اتجاه العاصمة والأشرفية تحديداً. واليوم، بسبب ارتفاع أسعار العقارات، يتم التهجير من الأشرفية إلى خارج العاصمة في اتجاه مناطق مختلفة بينها أنطلياس، بيت مري، النقاش، عين سعادة وغيرها. وفي هذا كله تغيير كبير في هوية سكان المنطقة وعاداتهم، وبالتالي تغيير هوية وعادات المنطقة نفسها.

"مجزرة" في الأشرفية

"ترتفع هذه الأبراج بهذا الشكل العشوائي لعدم وجود أي تنظيم مدني يحافظ على طابع المدينة" يقول المهندس المعماري والمصمم المدني جاد تابت. ويلفت إلى أن "الأشرفية التي كانت تعرف بـ"الجبل الصغير"، لارتفاعها عن سطح البحر وتشكيلها نوعاً من التلة المشرفة على المناطق المحيطة، كانت ومازالت منطقة لها خصوصية، ومرغوبة جداً للسكن. يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار العقارات، ما يدفع كثيرين إلى بيع عقاراتهم ومنازلهم لمستثمرين يتجهون بغالبيتهم إلى بناء الأبراج السكنية".
تتميز المنطقة وفق تابت "بتراث معماري مهم جداً، بدأ يظهر مع تمدد بيروت المدينة إلى خارج الأسوار، إلى الأشرفية وزقاق البلاط والقنطاري وغيرها، إلا أن الأشرفية وبيروت عموماً، لم تحظ بأي مبادرة جدية للحفاظ على هذه البيوت التراثية مثل دول العالم، حيث عادة ما تُبنى الأبراج في مناطق جديدة غير مأهولة، أو خارج المدينة إلى حد ما".
ما الذي يجري في الأشرفية؟ "إنها مجزرة" يجيب النائب ميشال فرعون، "مجزرة تطاول البيوت القديمة تلك التراثية في الأشرفية وفي لبنان كله، إذ يتم هدمها لصالح الأبراج الشاهقة، من دون أي خطة واضحة من قبل الجهات المسؤولة للمحافظة على التراث من جهة، وعلى هوية المنطقة من جهة أخرى". يقول فرعون إنه "من المفترض أن تكون البيوت التراثية محمية من وزارة الثقافة وفقا للائحة جرد عام تصنف تلك البيوت، إلا أننا نسمع بين الفينة والأخرى عن بيت يُهدم هنا وهناك". ويؤدي ذلك وفق فرعون إلى "تفريغ المنطقة من ناسها من الطبقة المتوسطة ذات التقاليد القروية، ويعرفون بعضهم البعض ويتشاركون في يومياتهم. أما اليوم ما عاد في مقدورهم السكن في الأشرفية لارتفاع أسعار العقارات بشكل خيالي وارتفاع شهية المستثمرين".
إذاً، لا تنظيم مدنياً، لا خطة عامة للحفاظ على المباني القديمة والتراثية أو حتى الطابع العمراني لحي. لا يكاد يمر أسبوع إلا وتخرج جمعيات المجتمع المدني لتحذر من مستمثر على وشك أن يهدم بيتا تراثيا. تشرح المهندسة المعمارية منى الحلاق التي تمضي وقتها تلاحق بيتاً على وشك أن يهدم هنا، وآخر يحاول "الهرب" من لائحة الجرد العام هناك، أن "المشكلة الأساسية مازالت نفسها: لا قانون لحماية المباني التراثية في لبنان. وفي المقابل هناك مشكلة في قانون الإيجارات، فمالك المبنى القديم لا يحصل على مقابل كاف من مستأجره ليقوم بأعمال الترميم وبالتالي يفضل بيع العقار. وفي حال شرع قانون الايجارات للمالك أن يرفع قيمة الايجارات ليحافظ على عقاره، نكون كمن يعطيه الحق بأن يخرج مستأجريه الفقراء لمصلحة مستأجرين جدد من الاغنياء. نحن ندور في حلقة مفرغة". تضيف الحلاق: "عدد من المستثمرين في بيروت يتاجرون بالتراث، إذ يهدمون المباني التراثية القديمة ويتركون واجهتها الخارجية ويروجون لمشروعه أنه يحافظ على هوية المنطقة، ومن ثم يبنون برجاً خيالياً خلف الواجهة تماماً. في حين أن الحفاظ على التراث يكون بالحفاظ على النسيج العمراني والسكاني للمنطقة. التراث ليس واجهة ولا ديكوراً".

في الأشرفية اليوم أبراج بسكان جدد، لا ينتمي كثير منهم إلى الحي وتاريخه. ويعزز سكنهم في برج ممتد عموديا في السماء عدم التآلف مع المحيط. كأنهم موجودون وغير موجودين، إلا في تلك العلب الحجرية في قلب برجهم العالي.
تقول الحلاق: "يظهرون النية بعدم الارتباط بالسكان الأصليين. فهؤلاء سيخرجون بأغلبيتهم صباحاً في سيارات فخمة ليقلوا أولادهم إلى المدارس، أو ينجزوا أعمالهم وتسوقهم من المجمعات التجارية وتنزههم في مقاهٍ ومراكز لن تكون بالتأكيد في الحي عينه. هم لن يشتروا من دكان السمانة الصغير ذي التشكيلة البسيطة من المنتجات. ولن يتسوقوا من متاجر الثياب الأنيقة والصغيرة، ولن يلجأوا إلى المصبغة اليدوية أو الخياط او الحرفي في الحي عينه".

ويأتي شكل العمارة الحديث الذي تتحدث عنه الحلاق مناقضا لبيوت القرميد القديمة التي يسميها الكاتب سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت" "نموذج البيت المفتوح على الخارج". ويتحدث قصير عن تحولات كثيرة في حياة الناس اليومية ظهرت مع الهندسة المعمارية العائدة إلى منتصف القرن التاسع عشر ونهايته. يقول إن "تغييرا غنياً بالدلالات تجلى في أساليب الهندسة المعمارية، لأن اعتماد معايير جديدة في البناء يخلق تحولاً في حياة الناس اليومية. هكذا أضحى البيت موجهاً نحو الخارج، وهذا باد في الأولوية التي اتخذتها النافذة ومن ثم الشرفة. وبدلاً من أن يكون مكتفياً بذاته، بات يستدعي اتصالاً مباشراً بالخارج وتوزيعاً متخصصاً لمساحة الداخل، فصارت للغرف وظائف محددة". ويتوسع قصير في عرض تغييرات في أساليب العيش وتصميم المنزل وغرف والموائد وما إلى هنالك، ويشير إلى أن "هذه الممارسات الإجتماعية أسهمت في تغيير المظهر العام للمدينة وأحدثت تأثيراً أكثر مما أحدثته الهندسة الجديدة في هيكل الأبنية الحديثة".

إلى خارج العاصمة.. در
جاء سكان الريف إلى المدينة ولم يتمدنوا بالمعنى الفعلي للكلمة، إذ حافظ كثير منهم على عاداتهم واجتماعياتهم الريفية. واليوم يخرج سكان المدن من المدينة إلى قرى ومناطق كان يطغى عليها الطابع القروي لجهة البنيان والتقاليد والاكتظاظ، وهم بخروجهم إلى تلك المناطق يلغون الطابع الريفي لها مشيدين فيها مجمعات سكنية ومبانٍ عمودية، كأن التاريخ يكرر نفسه إنما بحركة معاكسة.
يذكرّنا قصير بآلية الهجرة إلى المدينة خلال فترات مختلفة، مشيراً إلى أن "المنطق الطائفي لم يكن وحده الذي يتحكم بتوزع سكان المدينة. فوفقاً لقاعدة سوسيولوجية عامة، كانت إقامة النازحين الريفيين تنبع من رغبة خفية لدى هؤلاء بالتجمع في أمكنة تتيح لهم نقل أسلوب حياتهم القديم إلى المواقع الجديدة التي ينزلون فيها. وكانت هذه حال القطاعات الأقل يسراً فوق منحدرات الأشرفية وفي المحيط الجنوبي الشرقي للمدينة. استوطن موارنة كسروان والشمال مثلا بأعداد وفيرة في حي الغابة، فيما أقام موارنة جزين الآتين من الجنوب على منحدر آخر في الأشرفية (جنوباً)..". ويحلل قصير رغبة هؤلاء في المحافظة على قرويتهم، فيكتب: "بدت الأحياء، وخصوصاً الأقل يسراً في شرق بيروت، من خلال بنيتها الأنتروبولوجية ومعايير سلوكها وكأنها قرى لا تريد أن تضيع في أجواء الغفلية التي تمنحها المدينة للوافدين إليها ولا ترغب في أن تنصهر في بوتقة المواطنية التي توفرها لها الظروف الجديدة". ويختم بخلاصة تشرح أكثر ارتباط ذلك بهوية الوافدين الجدد بالقول: "صحيح أن مثل هذا الأمر لم يكن دافعاً للتفجير بشكل مباشر كما هي حال التميز الطائفي، إلا أنه كان يؤكد سمات الهوية".
إنما ماذا تعني الهجرة الثانية إذا؟ ما معنى أن يترك الناس البيوت "العادية" وتلك التراثية التي تجمع عائلات من نسيج واحد، ومن مناطق ذات طابع قروي كالأشرفية؟ وكيف يتوزعون في مناطق ومساكن جديدة تاركين حياة متجانسة في الأزقة الضيقة، ومتجهين من شبكة علاقات وطيدة الى حياة أكثر مدينية إنما خارج العاصمة. تلفت الحلاق إلى "أن السكان في المباني المتواضعة يشبهون بعضهم إلى حد كبير، في عاداتهم أو في مهنهم الحرفية التي افتتحوها في الطبقات الأولى من البيوت (وهي حال معظم بيوت الأشرفية، لاسيما الجميزة سابقاً). وهؤلاء بخروجهم من المنطقة لشراء شقق سكنية خارج المدينة، يتبعثرون ويتوزعون ولا يذهبون جماعة محافظين على نسيجهم الاجتماعي، كما جاءوا، بل يتدبر كلٌّ منهم أمره بشكل فردي بحسب قدراته المادية. وهنا نشهد تمزيقا للنسيج الاجتماعي والعلاقات الاجتماعي للسكان لمصلحة أناس غرباء يسكن كلٌّ منهم في طبقة منفصلة عن العالم وعن محيطها".

لا يشذ خروج سكان الأشرفية من العاصمة عن خروج كثير من سكان العاصمة منها، وهو ما شكل تمدداً إضافياً لبيروت. وهنا يقول المعماري رهيف فياض: "يتضح من النظرة الشاملة إلى مدينة بيروت الكبرى اليوم، أنها بالغت بتمدِّدها على الشريط الساحلي، مثلما بالغت بتسلقها التلال المحيطة بها شرقاً فأصبحت بقياساتها، وبمساحتها، وبعدد سكانها، كأنها خارج المقياس (Hors echelle) مقارنة بقياسات الوطن، وبمساحته، وبعدد سكانه. وبالغت أيضاً، بتعدياتها على البحر، فلم يعد لها حدود. فحصلت بذلك قطيعة كاملة بين بيروت الكبرى، ومكانها الطبيعي. واللافت، أن بيروت الكبرى هذه بالرغم من تمددها غير المنضبط، تبدو مكتظة شديدة الكثافة في معظم مناطقها. والمتنزه المغامر، يلاحظ كثافة البنيان ترهقه، من برج حمَّود مروراً بالسيوفي، وأحياء منطقة الأشرفية، إلى البسطة، والمصيطبة، وصولاً إلى رأس بيروت. الاكتظاظ والكثافة، يعمان المدينة، من دون مراعاة لمتطلبات المعطى الطوبوغرافي المتنوع فيها. يشعر المتنزه المغامر، وكأن الاكتظاظ واحد في تلال السيوفي والأشرفية، أو في المصيطبة والظريف وبرج أبو حيدر، بالرغم من التنوع الطوبوغرافي لهذه الأمكنة، والذي يتطلب تنوعاً موازياً في الكثافة وارتفاع المباني".

نشأة أولى
تغيرت الأشرفية، هذه التلة على الجهة الشرقية لسور بيروت، التي بدأت تعمر سكانياً خارجه منذ "نهاية الأربعينيات من القرن التاسع عشر"، وفق سمير قصير في كتابه "تاريخ بيروت". إذ "أنشئ أول مركز لليسوعيين والبعثة الرسولية، شرق ساحة البرج، ومن ثم أنشئت مدرسة الأقمار الثلاثة للروم الأورثوذكس، مما شجع عدداً من العائلات المسيحية للإقامة هناك. وتدريجاً قامت مساكن ضخمة على مسافة أبعد من حي القيراط جنوب السور في القرب من الجامعة اليسوعية الحالية، وخصوصا إلى الشمال على صخرة المدور حيث اختارت البرجوازية المسيحية الجديدة مقراً لها. وبعد سنوات، راحت تظهر أكثر فأكثر معالم البيوت بقناطرها الثلاث في المنطقة". يضيف: "ارتفعت مساكن مهيبة بناها تجار أثرياء من الطائفة الأرثوذكسية وكانت تسميات الأمكنة تبعاً لأسماء العائلات مثل شارع سرسق، حي مدوّر، تصوينة توين، وطلعة دباس".


مخاتير.. مخاتير
لوقت طويل لم تكن الأشرفية جزءاً من المدينة، وفق مختار الأشرفية إيلي صباغة: "فهي ضيعة، لطالما كان أعلى بيت فيه مكوناً من طبقتين، وأحياناً عدة فيها كانت إما مغطاة بالأشجار أو "بورة". إنما أدى التمدن وفق المختار إلى ارتفاع الكثافة السكانية في المدينة، ورافق ذلك انتشار المدارس والمستشفيات والجامعات والمكاتب. هكذا، باتت الأشرفية جزءاً من المدينة. يقول إن "عدد السكان بين الخمسينات والستينات لم يتعد الستين ألف نسمة. وكانت المناطق المأهولة محصورة تقريباً بساسين، مار متر، فسوح، كرم الزيتون وامتداداً إلى السوديكو. الانفجار السكاني الأكبر حصل في السبعينات بعد تهجر السكان من قراهم وبات "الشاطر بشطارته" ينشئ مبنى ليستفيد من الطلب المتزايد على الشقق. أما اليوم فالكثافة السكانية تصل إلى نحو 450 ألف نسمة (نحو عشرة في المئة منهم فقط من الناخبين في الأشرفية)".

كانت الأشرفية وفق مختار الرميل بشارة غلام مصيفاً لكثيرين، بمن فيهم أهالي الرميل، كنا "نمضي الشتاء في الرميل، ونصعد صيفاً إلى التلة". ويميز غلام بين المنطقتين، مشيراً إلى أن "الرميل أقدم من الأشرفية، وتحافظ بنسبة ثمانين في المئة على تراثها وبيوتها التراثية وقصورها بما فيها قصور آل سرسق".
ويلفت مختار الصيفي ميشال نصر إلى أن "طبيعة المنطقة باتت تجارية في معظمها، وتتضمن الشركات والأسواق والحانات، في مونو والجميزة". يقول نصر إن "المنطقة تغيرت كثيراً بعد الحرب، إذ كانت المحال في الجميزة على سبيل المثال تعتاش من زبائن وسط البلد، إنما خلال الحرب لحق المنطقة دمار كبير، ولم ينفذ في المنطقة خطة شاملة للإعمار، بل كان الإعمار فردياً". يقول نصر إن "ارتفاع اسعار العقارات في منطقة سوليدير أدى إلى ارتفاعها أيضاً في مناطق الصيفي. ولهذا لا يمكن لوم الناس الذين سعوا لبيع عقاراتهم مقابل مبالغ مالية هم بأمس الحاجة إليها لمتابعة حياتهم والنهوض بها من جديد". أما الخطة البديلة من البيع والهدم لمصلحة بناء الأبراج، فكانت وفق نصر "تحويل الطبقات الأرضية من المنازل إلى حانات ومقاهٍ ليلة. وهو ما نفذناه في منطقة مونو في العام 2004، ولم يكد المشروع ينطق حتى وقع الانفجار الذي استهدف الرئيس رفيق الحريري، فكانت الجميزة هي الخطة باء".

المصدر: جهينة خالدية- جريدة السفير 2012