27.12.13

غريزة السبق

الشهيد محمد الشعار والأصدقاء
جهينة خالدية
27-12-2013

عيونهم مفتوحة، ولا ترف لها جفون. ها هم يتزايدون، ويتجمهرون فوق "صيد" ثمين.
ربما ذعروا من المشهد المروع لكنهم لم يذعنوا، لم يشيحوا النظر إلا بعدما أقدموا على ما تقتضيه اللحظة.
لا، لم يُقدم أي من الفضوليين على تنفيذ المتوقع في موقف كهذا، لم يخلع أي منهم وشاحه أو سترته ليغطي "الصيد".. بل رفعوا كلهم هواتفهم المحمولة، وبحركة آلية شغلوا كاميراتها ونصّبوها فوق ذلك اللحم المحروق وتلك الأوصال المقطعة.. فأمام هؤلاء مشهد "نادر"، لا بد من تأريخه!

وقفوا هناك لثوان طويلة.. قبل أن يتبعثروا بحثاً عن ضحية جديدة لتصويرها.
صيد صورة.. كان هذا هدف كثيرين ممن تجمعوا في نقطة الإنفجار الذي وقع في منطقة "ستاركو" في وسط بيروت وأودى بحياة سبعة ضحايا بينهم الوزير السابق محمد شطح ومرافقه طارق بدر.

هناك من قصد منطقة الإنفجار للمساعدة، وهناك من نزل بغية الفضول وأرشفة فضوله بصور التقطها بهاتفه المحمول. كان هناك العشرات، يتنقلون بين الركام ويمشي أمامهم هاتفهم المشغل طوال الوقت.. خوفاً من أن تهرب من أمام عدسته "قطعة" .. بشرية.
لا إرادياً يعيش كثيرون صحافة المواطن، يطبقون تلك الرغبة في نقل ما يرون، غير مكترثين لحرمة جثة، أو لأي أخلاقيات. إلى أين يأخذ هؤلاء صورهم؟ إلى وسائل الإعلام؟ إلى مواقع التواصل الإجتماعي؟ بماذا تفيد تلك الصور المصلحة العامة؟ أم أنهم يبقونها لأنفسهم في هواتفهم؟ ما الغاية من حفظ صور لجثة في هاتف؟ 

دارة الصور تدور وتكبر ككرة ثلج: هم صوروا.. ومصور محترف لإحدى قنوات التلفاز صورهم يصورون.. ونحن أمام الشاشة عدنا لنلتقط صورة لمشهدهم وهم يخترقون تلك اللحظات الأليمة.. من دون أي حس بالمسؤولية.
أمام كل إنفجار يُفتح النقاش بأخلاقيات أبناء المهنة وتغطية وسائل الإعلام لفاجعة، لكن لا بد أيضاً من نقاش اليوم عن هذا النوع من الصور "الفردية".. ألا يجوز السؤال عن تلك الرغبة الجامحة في التأريخ.. حتى أمام الموت؟

الإفراط في خرق حرمة الضحايا وفي إستعراض الألم لا فائدة له.. ولا ينتج عنه إلا جروح قاسية في ذاكرة عائلة الضحية، وشفقة من المستنكرين.. وتشفي من المغرضين.
لقطات كثيرة نقلت من هواتف المارة المحمولة إلى الشاشات أثبتت ضرورتها، وعرضت زوايا مختلفة للتفجير في لحظاته الأولى.. لكن يبقى مشهد أولئك الشبان المجمدين أمام الجثة المحروقة خال من الإنسانية. وكأنهم رجال آليون تحركهم التكنولوجيا وتحكمهم غريزة السبق.. أي سبق.

ch-3.png
***

ينبش الإعلام الإجتماعي، في وقت قياسي، ما يعجز أي باحث أو صحافي في وسيلة إعلامية كبيرة أو صغيرة على نبشه.
أمامنا على كل الشاشات راحت تعرض صورة لشاب بسترة حمراء ينزف دماً.
الشاب ملقى في وسط الشارع، لا أحد يعرف كيف وصل إلى هنا؟ أين كان منذ قليل؟ إلى أين يتجه؟ ترى أين كان لحظة الإنفجار؟ الأسئلة هذه طرحناها على أنفسنا ونحن نشاهد ضحايا التفجير موزعين في كل الشارع.. أتراهم كانوا يمرون هناك صدفة؟ أم يعيشون في أحد المباني الفارهة؟ أم أنهم يعملون في إحدى المؤسسات القريبة؟

وحدها قصة صاحب السترة الحمراء محمد الشعار عُرفت في وقت قصير بفضل صورة تجمعه ورفاقه الثلاثة ربيع يوسف واحمد المغربي وعمر بكداش، التقطت قبل دقائق من وقوع الإنفجار.
صباح هذا اليوم كان  محمد هناك يبتسم للكاميرا، ولا يعرف أن هذه الابتسامة ستهتز عما قليل.
صورتان جمعتا في واحدة تداولها عشرات من  مستخدمي مواقع التواصل: صورته ورفاقه قبل الانفجار، وتلك التي كان فيها ينزف وحيداً في وسط الشارع. والآن، محمد في حال حرجة في المستشفى، فيما تشير المعلومات إلى إصابة الأصدقاء بجروح متوسطة وطفيفة..

سواء صدقت المعلومات التي تشير إلى أن سيارة الرباعية الدفع الـ"سي أر في" التي تظهر في خلفية صورة الشبان الأربعة، هي السيارة التي حملت المتفجرات، أم لم تصدق.. فإن صورة واحدة كصورة الأصدقاء الباسمين تغيّر الكثير..هناك، في تلك اللحظة، بات للأرشفة اللحظوية معنى وسياق.. معنى لإبتسامات نرجوها دائمة.

***
نسمع اللهاث ولا نرى إلا الركام. هناك من يصور بهاتفه المحمول ويركض بإتجاه مكان الانفجار.
لا يتركنا مصور ذلك الفيديو  نغرق في فضولنا لوقت طويل.. ها هو يدير زاوية الكاميرا ناحية وجهه كإثبات على هوية ملتقط هذه اللحظات الأولى للإنفجار.

يتوقف الشاب أمام سيارة أجرة مرسيدس النوع وبرتقالية اللون. يلتقط صراخ شبان يدعون إلى مساعدة من في السيارة. يتركهم ويمضي، بإتجاه جثة رجل ستيني ملقى وسط الطريق رُجح أنها تعود للوزير شطح، يصوره سريعا ويمضي. يستمر في المشي، يتوقف أمام جثة لشاب مصاب في الرأس ويلبس سترة حمراء. يصوره ويصور أمامه رجلاً يصرخ "ساعدونا، عم تصوروا، ساعدونا".. لا يكترث له.. صوت أحدهم في الخلفية (قد يكون صاحب الفيديو) يجيب معترضاً: "لِك بشو بدنا نساعدك!".

لقطات متتالية يسجلها فيديو الهاتف المحمول، للزجاج المهشم، للنار المشتعلة، للسيارات المحترقة، للدخان المتصاعد.. ويتابع صاحبه تغطيته لحين وصول سيارات الاسعاف وبعدها عناصر الأدلة الجنائية..
بعد وقت قصير يصل الفيديو إلى "قناة الجديد" وتعرضه كخاص بها مع ذكر اسم مصوره جواد غدار. الخراب جُمع في فيديو من دقائق خمس، أطلعنا على اللحظات الأولى للتفجير.. بسبب جهد فردي من مواطن مار قدم لنا سرداً بصرياً للانفجار.. وكان في الفيديو ذلك يقول إنه حاضر أكثر من أي كاميرا محترفة أخرى، أسرع من أي وسيلة إعلامية تقليدية.. ويقول في تصوير وجهه أنه مالك تلك اللقطات الحصرية ووجهه اثباته الأساس.

لكنه في جهده ذلك أيضاً، ليس متحرراً من قيم أخلاقية مفروضة على المواطن كما هي على الصحافي، فغدار خرق في صوره تلك، الكثير من المبادئ وترك الكثير من الجرحى ولحق الصورة والدم الطازج الذي جُمّد في صور، كانت ستخرج عاجلاً أم آجلاً من كاميرات المراقبة في المنطقة. لكن الشاب قرر أن يمنحنا فعل سرعته، وها نحن نشاهد صوره الآن، ونسأل أنفسنا، هل الصورة أهم؟ أم إنقاذ مَن يمكن إنقاذه؟ أم السبق حتى إلى الموت؟
المصدر:جهينة خالدية-المدن

26.12.13

صوِّر.. وثِّق كيف نمحو الدولة


جهينة خالدية
26-11-2014


تلك الأنياب كشفت سريعاً.. كالغريزة. لم يردعها شيء. لم يردعها أحد. كل هؤلاء الذي انقضوا على رياض قبيسي وفريق تلفزيون "الجديد" كانوا يريدون شيئاً واحداً: أن يأكلوه. أن يُمسكوا ذلك الفك ويهشموه، علّ صاحبه يسكت.
تلك الأيادي تتحول إلى قبضات من حديد، تضرب بوقاحة، بلا تردد، أمام الكاميرات.. لا بل تدعوها أن تصوّر.
"صوّر.. صوّر" يقول مُطلِق شرارة الهجوم على الزميل رياض قبيسي وفريق تصوير برنامج "تحت طائلة المسؤولية".

"صوّر.. صوّر".. وثِّق أنه لا يخيفنا شيء. وثّق كيف نمحو الدولة. وثّق كيف ندعس القانون. وثّق كيف نركل. وثّق كيف نضرب الوجوه. كيف نُسكت من يبحث عن أي فساد، مهما كانت طريقته. وثّق كيف ندعم انهيار النظام. وثّق الدرك الذي وصلنا إليه. أننا خائفون من الكلمة. أننا نرتعب من فضح جرائمنا. وثّق أننا شرسون. أننا لا نهاب أحداً. وثّق.. هكذا تكون البرامج الاستقصائية.. صوّر، وثّق،...

هذا الذي يُضرب ويُركل، ويكبله "أزلام" من الحرس، هو إنسان، مواطن ومن ثم صحافي. هو زميل رفع الصوت. زميل أغضبهم. زميل أخرج الشرّ فيهم.. لمجرد أنه وقف هناك، وحمل مكبر الصوت ونادى.
"لبنان بلد الحريات"، هذا الشعار الهزيل، الذي تحسدنا عليه الدول العربية.. وتغرّد له دول الغرب.. ليس سوى بلد دعس الحريات.
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. هذا ما أراد صاحب دعوة "صوّر.. صوّر" أن يقوله. أراد أن يُرهب رياض، ويرهب من يُفكر بعده بالتنقيب عن الفساد.. الذي لا يحتاج إلى كثير من التنقيب.

اللكمات، الصفعات، الركلات، الصراخ، السباب، سيل الشتائم، الإهانات، التدافع، هطلت على فريق "الجديد"، هطلت على الإعلام برمته. لكن من أنتم لتعتدوا على الاعلام؟ من أنتم لتعتدوا على أي إنسان؟ من أعطاكم الحق؟ 
"سلبطة".. هذه هي الكلمة الأدق لما جرى اليوم، ولما يجري منذ سنوات طويلة في حق المواطنين وفي حق الصحافيين وفي حق لبنان. "سلبطة" الكلمة المفتاح في لبنان.

هؤلاء الحرس المحشوّون بالإستزلام حد العمى، خنقتهم تلك الكاميرات، خنقهم أن القانون والمحاكمات لم تعد تقوى على إسكات صحافيين يخرقون أسرار الدوائر العامة بحثاً عن حقيقة.. في الواقع، لم يُفكر هؤلاء أصلاً باللجوء إلى القضاء للتعامل مع رياض (إن كان هناك من خطأ مهني)، ومع كل من يحاول أن يفضح (ولو القليل القليل) من منتفعاتهم من الصفقات الكبرى والضخمة التي تجري هناك. كل ما فكر فيه هؤلاء هو الرد بوحشية.. لماذا؟ لأنهم استفزوا!
لا، حتى هذه الجملة الأخيرة ليست صحيحة.. هؤلاء لم يُفكروا أصلا. هؤلاء لا يفكرون.. هؤلاء يتوحشون فقط.

24.12.13

فائض الصورة

جهينة خالدية
نُشر في جريدة المدن الإلكترونية

Screenshot_2013-12-23-20-41-16-1-(1).pngيوماً تلو الآخر تقل مناعتنا على "السوشال ميديوية". كلما ظننا أننا وجدنا ضالتنا التواصلية في موقع أو في موقعين يشبعاننا معلوماتياً وتواصلياً وفضولياً وتعبيرياً، وجدنا موقعاً ثالثاً ورابعاً يزداد إنتشاراً ويشعرنا أننا "مقصرون" في حقه وفي حق قدراتنا التواصلية.

إدماننا "الفايسبوكي"، تغيّر مع ارتفاع أسهم "تويتر" كموقع مباشر، سريع، ولنقل السهل الممتنع. بين الموقعين راح كثير منا ينشر كلماته وتعليقاته ونقده ومدحه وتحياته.. وبقيت لكل منا صلة خاصة بكل موقع دون الآخر. تاه بعضنا لوهلة، ماذا نكتب في "فايسبوك" وماذا نغرد في "تويتر"؟ أنشارك التعليقات نفسها؟ أنلاحق الأشخاص عينهم؟ أيشبعنا كل من الموقعين بالمقدار نفسه خبرياً وإجتماعياً؟



بين الإثنين.. وزعنا أنفسنا، لكن كثيراً منا وجد في مواقع مثل "إنستغرام" و"بينتريست" و"فليكر" ركنه الهادئ.. هناك حيث الصورة هي الآمر الناهي. 
هنا، الصورة لم تعد بألف كلمة. الصورة مكان الكلمة. وحدها من دون أي هاشتاغ (مفتاح) أحياناً أو رابط أو كلمات، تحكي كل شيء. الصورة هي نتاجنا اليومي الذي نُدمنه بفضل أجهزة الهاتف الذكية. وهي مستقبل الإعلام الإجتماعي الذي يعتمد يوما تلو الآخر على الصور ويبتكر مساحات وخدمات تسهل نشرها والتفاعل معها وأرشفتها.



بلا تفكير كثير، نحمل الهاتف، نلتقط الصورة، وننشرها.. ويفعل الأمر عينه ملايين البشر. ويبقى مستوى حرفيتنا وتواصلنا هو الذي يحدد الموقع أو المواقع التي ننشر صورنا عليها، إلا أننا بطريقة أو بأخرى نساهم في هذا الدفق الصوري الهائل الذي يصل في "فايسبوك" وحده إلى 250 مليار صورة، وأكثر 350 مليون صورة يتم مشاركتها يوميا في "سناب تشات"، وأكثر من مليار صورة محفّظة في "إنستغرام".



لكل موقع من المواقع المذكورة أعلاها خاصيته في ما يتعلق بالصورة، لكن "إنستغرام"- الذي يأبى الشريك في تأسيسه كيفين سيستروم أن يصفه بموقع الصور فقط، ويعتبره أرضية خصبة للتواصل-، قد يكون الأكثر إزدهاراً اليوم لا سيما لكثير من العلامات التجارية والمشتغلين في عالم التسويق.. لكنه أيضاً فسحة واسعة جداً لـ"السيلفي" أو الصور التي نلتقطها لأنفسنا، ولنوثق الكثير من لحظات حياتنا.. الكثير لدرجة ربما أكثر مما نحتاج؟ أكثر مما نحب؟ أكثر مما ينبغي؟



في الواقع، تبقى الأسئلة السابقة جائزة ومن دون إجابات موحدة مع عالم ديناميكي، يشغل بال كثير من المتخصصين الذي يحللون كل يوم معاييره وتغييراته وخصوصية الفرد فيه. خصوصية ينقص منها كل يوم جانب، مع انغماسنا أكثر فأكثر في "السوشال ميديا" وضياعنا في مبادئ تضعها إدارات المواقع وتعود لتلتف عليها (راجع أحمد مغربي في المدن: "Selfie وانكشاف الفرد").



ذلك المربع الصغير الذي يتوسط صفحات محركات البحث، كان نافذتنا على عالم الويب ومواقعه ومعلوماته. ولطالما لجأ كثير منا إلى إستخدامه للبحث عن أمور بسيطة، فقط من باب فضول معرفة عدد النتائج التي يمكن أن نحصل عليها.. كأن يكتب أحدهم كلمة "حب" أو "الله" أو حرف "الواو" أو اسم بلده أو اسمه أو اسم شاعره أو نجمه المفضل، وكل ذلك لنرى تلك الأعداد ترصف أمامنا لتشير إلى إحتواء الويب على 30 مليون نتيجة لكلمة "حب" مثلاً، وتم العثور عليها في خلال نصف ثانية!



اليوم، تتوزع محركات البحث عينها في كل مواقع التواصل الإجتماعي، وما إن نطبع الكلمة المفتاح في "إنستغرام" مثلاً، حتى تكر أمامنا مليارات النتائج لصور غريبة، عجيبة، مفيدة، مملة، دالة، بلا أي معنى.. صور لأحذية، لوجوه، لمستحضرات تجميل، لمعالم سياحية، لسيارات، لأطباق، لعائلات، لأضواء، لزينة، لمفرقعات، لغروب الشمس وشروقها.. صور للأب فرنسيس، لإنتخابات، للطفل الملكي، لفياضانات، لجرحى وضحايا في سوريا، لرقصة "الهارلم شايك"، للمغنية الشابة المثيرة للجدل مايلي سايرس، لنيلسون مانديلا.. صور لأي شيء، ولكل شيء.



ونحن بين هذه المليارات نسبح، نتفرج، نشبع فضولنا ونعود لنتوه في فائض الصور الذي يغرقنا لكن في الوقت عينه لا يُشبعنا، كون الكثير من الصور لا يحمل معنى بعينه، أولا يروي قصة أو لا ينقل خبراً، كما نجد في الصور الخبرية في وكالات الأنباء أو وسائل الإعلام.. أو لأنها ببساطة غير منظمة أو مبوبة بتفصيل أكبر..




إذن، يحق للمرء أن يسأل عن جدوى هذا الدفق الصوري؟ هل يغنينا؟ هل يغني المعرفة؟ هل يوثق اللحظة (كل لحظة؟)، هل يخدم المجتمع؟ هل يؤرخ الحاضر ويخدم المستقبل؟ ويحق للمرء أيضاً أن يسأل عن الغاية من عرض أنفسنا بهذا الانفتاح أو التحرر من أي من ضوابط الخصوصية الفردية..



هناك من يتسلى وسط هذه المحيطات الصورية، وهناك من يستفيد ليروج لأفكاره أو يسرق بعضا من أفكار الآخرين أو موضتهم أو أساليب حياتهم.. وهناك مشاريع حللت أن توثيق العالم بصور مليارات المصورين في أصقاعه تساعد في إعادة إنتاج واقع أكثر إقناعا (مشروع مايكروسفت فوتوسينث للصور الثلاثية الأبعاد)..



مؤخراً، قرر الفنان الفرنسي توماس جوليان إنتاج فيلم قصير (1:46) مستخدماً صور 852 شخصاً في "إنستغرام". وفي فيلمه الذي يأخذنا في رحلة إلى باريس، برلين، أميركا، سيدني، يرتب جوليان الدفق، أو لنقل، فوضى إنستغرام، ويجمع عشرات الصور لأناس صوروا أحذيتهم كتدليل على الإنطلاق في نهار طويل ويجول بنا عبر وسائل النقل المختلفة (درجات هوائية، نارية، قطارات، سيارات، طائرات، باصات) في كل العالم.



في فيلم "إنستغرام" راحت الصور تكرج في حركة سريعة وكأنها تعيد نفسها، إنما في الواقع ليست إلا تجميعاً لمئات الصور التي إلتقطتها مجموعات من الأشخاص في الأماكن عينها.. وشكلوا بعد جمعهم فيلماً قصيراً شارك فيه 852 شخصاً التقطوا 852 صورة في أماكن متفرقة وأوقات مختلفة ومن زوايا عديدة. وكأن صورتنا المتخيلة أو حتى المعاشة عن الواقع عينه يعاد إنتاجها تكراراً من وجهات نظر متنوعة.. وكأن جوليان يقول إن كل ذلك الإنهمار الصوري الفوضوي لا معنى له إن لم يُرتب أو يوضع في سياق أعم، وأوضح.. وقد يجوز تطبيق القول نفسه على مليارات الصور الأخرى المنثورة في محركات البحث ومواقع التواصل الإجتماعي.



..وحتى تلك الصور العائلية القديمة المجموعة عشوائياً في ألبومات موزعة في بيوت أفراد العائلة الواحدة.. قد لا تروي كل منها قصة واحدة دقيقة، إلا إذا أعيد جمعها وترتيبها وقص قصتها، وإلا بقيت مبعثرة بصيغة شبيهة جداً بتلك المليارات التائهة في عوالم السوشال ميديا..

25.11.13

ديبلوماسية "يوتيوب"


جهينة خالدية
25-11-2013


لا رسالة رسمية، ولا مذكرة جلب، ولا فتح تحقيق ولا رفع دعوى قضائية ولا استنكار ولا شجب ولا غرف تعذيب ولا هجوم منظماً.. 
لا شيء من هذا صدر عن السفير البريطاني طوم فلتشر، تعليقاً على الرسالة الساخرة واللاذعةالتي وجهها المدون والمعماري اللبناني البريطاني كارل شرو له ولرسالته المفتوحة"العاطفية" و"التوعوية" سياسياً، إلى لبنان لمناسبة عيد استقلاله السبعين.

رسالة شرو وصفت ما كتبه فلتشر بـ"الفوقي" وبانه يتعامل مع لبنان كجمهورية سبعينية "يافعة" مقارنة بِقِدم الدولة البريطانية، مضيفاً: "على الأقل نحن جمهورية ولسنا نظاماً مَلكياً يعود للقرون الوسطى كنظامكم". وسخر من الديموقراطية البريطانية التي تنجب مجلساً غير منتخب، ملمّحاً إلى مجلس اللوردات البريطاني، في حين ينتخب الشعب اللبناني ممثليه. الرسالة هذه كانت بداية هذا "التفاعل" الإلكتروني الإجتماعي بين ديبلوماسي غربي ومدوّن لبناني.. أو لنقل بداية لتبادل الأدوار بين الناقد والمُنتقد، الساخر والأكثر سخرية.

السخرية اللاذعة التي كتبها شرو، لم تفتح عليه ناراً كان يمكن توقعها من الكثير من سفارات العالم، لا سيما السفارات العربية.. إلا أن فلتشر قرر الجلوس أمام كاميرا فيديو (على الأرجح كاميرا هاتفه الجوال أو حاسوبه الشخصي) ليسجّل رداً نشره عبر "يويتوب" يتوعد فيه لشرو، وقال فيه بنبرة جدية: "رسالة شرو لا تسخر من بريطانيا العظمى فقط، بل مني شخصياً. من غير المقبول أو المحتمل أن أسمح بأن يصفني شاب اسمه شرو بأني نيو- امبريالي، استعماري، واستشراقي.. لا بد من وضع حد لكذبة كهذه، وبناء عليه: لن يعلق سفراء الملكة على أي من المسائل في البلدان التي يخدمون فيها، وقد تبين لنا أن حرية الرأي فكرة سيئة للغاية. وحرس الملكة سيطرقون بابه قريباً".

الرد القاسي هذا، اختتم بجملة واحدة: في الواقع، لن أطبق أياً مما ذكرت. فبريطانيا نفسها تحتاج إلى المزيد من السخرية، والشرق الأوسط بدوره، يحتاج إلى بعض منها أيضاً.
رد مرح، ساخر، وذكي من سفير يعرف جيداً كيف يستفيد من الأدوات الأبرز للعلاقات العامة وتلمييع الصورة، أي صورة: وسائل التواصل الإجتماعي.

sharro.png
فلتشر يعلن عن رده المسجل على حسابه في "تويتر"

الرد بالفيديو، والذي اعتبره كثيرون "نقلة نوعية في العلاقات الديبلوماسية"، وبالأحرى "إلغاء للحواجز والبروتكولات، كان في الواقع فعلاً ديبلوماسياً بإمتياز، إذ نجح فلتشر بحنكة ومرونة فائقة في جذب الأنظار من شرو، ونقده. خرج إلى الجمهور بـ"عفوية"، وبرسالة متلبّسة ثوب السخرية لكنها في الوقت عينه مسبوكة، وغايتها الأساسية التباهي بحرية الرأي التي تتيحها بلاده.

لكن هذا ليس كل شيء، إذ أفرج هذا التفاعل عن وجه لبناني وعربي معروف: المَلَكية أكثر من الملك. إذ في اللحظة التي نشر فيها شرو تدوينته الساخرة، "انهالت عليه المستنكرة لإنتقاد بريطانيا والسفير (اللطيف والمرح)، من دون أن يتبادر إلى ذهن كثيرين أن النص ساخر وليس جدياً، ويسخر من لبنان ونظامه قبل أن يكون ساخراً من بريطانيا"، يقول شرو لـ"المدن"، "في حين فهم السفير نفسه مضمون التدوينة، وهضمها وعرف كيف يرد عليها بطريقته الخاصة".

الطريقة الفلتشيرية الخاصة، بحسب شرو، لا تأتي من "عدم"، أو لنقل انها ليست من "بنات أفكار" السفير وحده، إذ "يأتي هذا الهوس والاهتمام الزائد بصورة بريطانيا في عيون العالم كله، والاندفاع الدائم لتنقيح ولملمة أي نقد يوجه لها (جدياً كان أم ساخراً) للتخفيف من انعكاسات الضياع في السياسة البريطانية في العالم وفي الشرق الأوسط تحديداً"، على حد تعبير شرو.

بهذا المعنى تعتبر كل حركة "ميدياوية"، وكل تواصل "تويتري" و"فايسبوكي"، منذورة لخدمة الصورة المتكاملة عن الدولة العظمى مصدّرة الديموقراطية للعالم، والرائدة في مجال حريات الرأي والتعبير. هذا النشاط الترويجي والتلميعي ينطبق، وفقاً لشرو، على الغرب كله والذي يسعى من خلاله إلى تغطية ضياعه في شأن الكثير من ثوابته، وترميم الفوضى في أهدافه الاستراتيجية، وفي مواقف دول الغرب إزاء الكثير من القضايا والأحداث العالمية، وهو ما رأيناه بوضوح في مواقفها من الأزمة السورية". ويذكّر شرو: "لم تكن هذه الدولة العظمى لتهتم يوماً بنقد لاذع في الإعلام، في الكتب، في المدونات وغيرها، ولو أن ما كتبته، أو ما انتقده غيري، حصل منذ عشرين سنة مثلاً، ما كان التفت إليه أي سفير.. وما كان اهتم له ولا حتى بالرد عليه بسخرية أيضاً". 

لكن في المقابل، أدبيات الديبلوماسية المعاصرة، التي كشف عنها فلتشر، وبغض النظر عن مضمونها، بعيدة جداً من أداء الغالبية الساحقة من السياسيين في العالم العربي، الذين يتعاملون مع مواقع التواصل الإجتماعية كمساحات لفرد المزيد من سطوتهم على جمهورهم، ولنثر آرائهم السياسية هنا وهناك، من دون أي تواصل فعلي مع آلام ومآسي جمهورهم. فمواقع التواصل في العالم العربي ليست سوى إنعكاس للعلاقات بين الزعماء وجمهورها في العالم الحقيقي: رأي ولا رأي آخر، تقديس، تأليه، معارك وقطع طرقات لمن ينتقد ومشانق بالجملة لأي محاولات للسخرية.. بحجة الدفاع عن "الرموز الوطنية".

karl.png
شرو يرد على فلتشر

الجلبة التي تثار مع كل تقليد لشخصية السيد حسن نصر الله في برنامج كوميدي، حتى لو كان مقلَداً كضيف في مقابلة، والضجة التي تفتعل مع أي انتقاد لرجل دين (البطريرك بشارة الراعي مثلاً) لا تدل سوى إلى ذلك الخوف العميق من السخرية كيفما جاءت.

ربح شرو بإثارة الجدل حول مقالته الساخرة، وربح السفير في استغلال فرصة ذهبية "عصرية" لتلميع صورة بلاده، وكسب نقاط لصالحه على الصعيدين الشخصي والديبلوماسي، وربحنا نحن كجمهور في مواقع التواصل الإجتماعي مبارزة تفاعلية نادرة، قيمتها الفعلية في الشكل أكثر مما هي في المضمون. ويمكن للذكريات الأليمة للوجود السوري في لبنان أن تساعدنا في تخيل شكل هذه المبارزة في ما لو كتب شرو نقده هذا عن سوريا أو أجهزة مخابراتها آنذاك، أو حتى سفيرها الحالي اليوم.. ولنا أيضاً أن نتخيل كم ذات أميرية كانت لتشعر بالإهانة..


28.8.13

إحكي يا يُمنى

جهينة خالدية
22-8-2013
عمل الفنان وسام الجزائري

لغاز السارين صوت غريب. كصوت الأشباح. يخرج من  فيديو يُمنى وكأنه يخرج من بئر عميق، سحيق..
عند الثانية من صباح الأربعاء.. بلعت هذه الطفلة شبحاً.
جاءها مع الغاز ونام في معدتها. رأت يُمنى الموت. ومن بعده لم تعد ترى أي شيء. في نسخة الفيديو الأطول لرعب الفتاة، (دقيقة ونصف).. لا نسمع صوت يُمنى، لا نسمع إلا صوتاً خاوياً، جافاً، يخرج كالهدير. نرتجف ونحن ننصت بعجز لذلك الوحش الذي أكلها منذ قليل وها هي ترجوه أن يتركها "عايشة".
الشبح في داخل يُمنى حكى، وكل ما شاهدنا الفيديو يعود ليحكي أكثر. يحكي عن الساعات السوداء التي شهدتها يُمنى ونجت لتنقل لنا بعضا من هول ما رأت، ومع هذا قد لا نعرف يوماً ماذا عاشت. كيف تسلل الغاز إلى أفراد عائلتها واحداً تلو الآخر.. كيف سقطوا؟ كم من الوقت مرّ قبل أن تتقطع أنفاسهم؟ كم مرة نادت أمها؟ كم مرة كمّمت فمها وأنفها بيديها علها تتغلب على الإختناق؟ كم مرة صلّت؟
ماذا قُلتِ يا يُمنى؟ يا الله؟ أناجيته يا يُمنى؟
**


لولا تلك الدقيقة والثواني الـ20 للفيديو... لولا ذلك الهلع، لما كانت المجزرة التي بالكاد هزت العالم.. لتهزّ أحداً. خوفك يا يمنى.. وثق المجزرة. سامحينا لكن ذلك الشريط قال الكثير. حكى عن أكثر من سنتين من القتل، ويحكي عن سنين ومجازر مقبلة قد لا يحظى ضحاياها بصوت. وقد حظينا الآن بصوتك. أنت خلافاً لتلك الجثث البيضاء الساكنة..حكيتِ. وأنت خنقتنا.. وأبكيتنا وأيقظتِ من تجمد منا. 
لولا كلماتك يا يمنى لظننا أن ما حصل لم يحصل. لظننا أنكم نيام. أيموت الناس بهذا الهدوء؟ أين المجزرة؟ لكننا لم نر الدماء. نريد ان نرى الدماء. نحتاجها أن تتدفق شلالات عبر الشاشات لنصدقكم. نحتاج إلى الفيديوهات التي "إعتدنا". نحن مصاصو الدماء. نمتص موتكم بعيوننا.. بمشاعرنا. نمتص دماءكم ببرودتنا.. بمللنا من موتكم وأخبار موتكم كل يوم كل يوم.
وفي هذا اليوم الحزين، تنامون جماعة هكذا بوجوه بيضاء أكثر منها صفراء أو زرقاء. ما هذا الموت؟ أين أشلاؤكم وأين أمعاؤكم وأدمغتكم؟ لا تشبعنا هذه المجازر ولا تكفي الشاشات ولا "ترتقي" إلى معايير "الثورات". كل أطرافكم سليمة وكل عيونكم في أمكنتها وقلوبكم لم تؤكل.
وأين الكيماوي؟ أتكذبون؟ هل تعرفون ماذا يفعل الكيماوي؟ إسألوا الناس، قوموا وإسألوا الناس.. كلهم باتوا، بعد المجزرة، يعرفون. الكرة الآرضية كلها باتت خبيرة بالغازات السامة، وها هي الآن فوق جثثكم تناقش أصناف وقوة الأسلحة الكيميائية.
الآن فوق جثثكم، موعد مساءلة إثباتاتكم. كيف تموتون بلا أدلة؟ 
الصورة لا تكفي ولا الأكفان تكفي ولا الأرقام ولا الطوابير النائمة تكفي.
إحكي يا يمنى.  أنت أمل ضئيل. قولي يا يمنى.. ماذا جرى؟ أنت "عايشة" قولي.. 
***
لا لا نريد الدماء. لا نريد تلك الدماء التي سالت من أجساد أطفال قانا والشياح. تلك التي صورها العالم وأبكته.. تلك التي قلبتُها مراراً وحفظتها في الوكالات واحتفظت بإعداد الصحف التي نشرتها.. في حين كان النقاش حامياً حول اخلاقيات النشر من عدمه. تلك نظرتُ اليها عشرات المرات من دون خوف، لأني لم أملك أي شيء آخر أفعله أمام كل ذلك القتل.
لقد متّم.. ونحن الآن من المفترض أن نخاف من صوركم؟ نخاف مماذا؟ نخاف على ماذا؟ على مشاعرنا؟ على عائلاتنا؟ نخاف من الكوابيس؟ يا ليتها كانت كوابيس التي جاءتكم. فلتنشر صوركم.. هل من أخلاقيات إعلامية لنشر صوركم؟ أيجدر بنا الخوف على معنويات أو مشاعر أحد، من مشهد 1300 جسد مستلقٍ ونائم "بهدوء"؟ هذه المرة، الصورة عليها أن تنشر وتحكي. هناك حرمة للموت، لكن تلك الأكفان المصفوفة بالمئات، عليها أن تُنشر. هذه المرة لا متاجرة بصوركم. وفي الواقع، حتى القنوات والفضائيات التي عادة ما تستثمر موتكم، وتتقن "الكلوز آب" على جثثكم ووجوههكم، كانت هذه المرة منشغلة بمعارك أخرى، وتتقاتل على نشر روايتها لمعارك السلطة والدم أيضاً في مصر.
وجه يُمنى لا يشبه وجه أي طفل. عيناها فارغتان وكأن ساعات الليل الأليم حلت فيهما ولن تخرج أبدا.. تفتح فمها لتصرخ.. تشد عسى ذلك الغاز الذي بلعته يخرج.. تشد لسانها وتمسحه وكأنها كادت منذ قليل أن تبلعه.
أشاهد الفيديو مرة، اثنتين، ثلاثة، عشرة. أستعين بسماعات ليدخل صوت يمنى في أذني. الكثير فيّ كان يحلم بأن يسمع صوت الروح في ذلك الصوت. الكثير فيّ كان يريد أن يرى بعض الأمل في هاتين العينين، العاجزتين حد الشلل.. أشاهد الفيديو، وأشعر بأن أطرافي مشلولة، وكل ما أريده هو أن أتألم ولو لثانية مع تلك الطفلة..
أن نتألم معكم أقل ما يمكن. أقل ما يمكن.
الرقم كبير. الموت جماعي. الموت الذي أبكانا على ثلاثين روحاً في الرويس، ولأرواح زُهقت في اشتباكات متقطعة في بيروت، جاء جماعياً في سوريا. الموت الذي حلّ في ساعات، ونفذتها خمس صواريخ في الغوطة ودومة وسقبا.. أخذ معه 1300 روحاً.
كمُّ الموت هذا سجلته إسرائيل في عدوانها الهمجي على لبنان في 2006، بعد 33 يوماً من القصف المتواصل.
***


نشعر بالعجز يا تلك الروح الموجوعة. خلف مكاتبنا أو في المقاهي أو في الاعتصامات، نكتب المراثي، نذرف الدمع أو نضيء شمعة. أن نضيء شمعة لأكثر من ألف شهيد.. يعني أننا عاجزون. أن نضيء شمعة يعني أننا لا نملك أي شيء آخر نفعله.. لن نستطيع أن نشتري لهم حياة. لن نفهم يوما الصفقات. لن نعرف بماذا ماتوا؟ بالغاز؟ بالصدمة؟ بالهلع؟ من الصراخ؟
الموت ليس أن تقتل 1300 شهيد، بل أن تترك خلفهم عشرات الملايين عاجزين. لا ضير إذاً في أن نشاهد الفيديوهات عشرات المرات.. بعض الألم يخفف بعض الذنب. أما ذنب أننا أحياء وهم لا.. فلن يخرج منا أبدا، مثلما لن يخرج ذلك الوحش من قلب يُمنى.. "العايشة العايشة العايشة".
***


كلكم رحلتم في فجر واحد. إذاً من بقي ولمن يثورون الآن؟
متّم كلكم، والمذيعة في استديو واحدة من أكبر الفضائيات العربي تُذكر الناشطة الإعلامية التي توجه صرخة للعالم: أرجوك قولي لنا إن كان هناك المزيد من الضحايا. نريد معلومات.. الوقت ضيق الوقت ضيق. كأننا نريد المزيد. .المزيد من كل شيء. مزيد من الموت. لم نعد نشبع. حتى في الموت نحن جشعون وليس فقط في الحياة. فالوقت ضيق. الوقت ضيق. على ماذا الوقت ضيق؟
المصدر:جهينة خالدية-المدن

11.8.13

نصري عكاوي

جهينة خالدية
الإثنين 11-8-2013

على ورقة مربعة لا يتعدى حجمها مساحة الكف، كُتب إسمي وإسم عائلتي مرفقاً بمعلومات شخصية عني.

في الورقة تفاصيل حول استمارات ووصفات طبية تخصني، وأرقام كثيرة للمعاملة وتاريخ تقديمها وتاريخ إستلام المبلغ المستحق بعد عام كامل. معلومات أساسية، لم أتوقف عندها كثيراً.

الورقة المربعة على مكتبي، عليها أن تنتظر عاماً كاملاً، لأعود وأتقدم بها إلى الضمان الإجتماعي لأتقاضى تعويضي عن بضعة أدوية احتجت إلى تناولها يوماً. صفة واحدة مكتوبة وسط الورقة، تلتقطها عيناي كلما التفتُّ: أجير عادي.

توصيف لموقعي في المؤسسة، يترتب عليه نوع الضمان الصحي الذي أتلقاه.. أنا أجير عادي.

أكتسب هذه الصفة من كوني أكسب الأجر. لا "عيب" في الصفة الإجرائية. أفترض أنها تحميني من "الأعظم"، إن أتى في بلد العجائب الذي لا يعرف إلا "الأعظم". لكني، لسبب ما، لا أمنع نفسي من كره هذه الصفة التي وإن كانت "تضمنني"، تشعرني بالتبعية التي لا مفر منها. هو كره للصفة ربما، أو للعيوب التي تشوب تنفيذ حقي بموجبها، وبموجب نظام الضمان الإجتماعي في لبنان.

أكره صفة الأجير أكثر، وأنا أفكر طوال عطلة نهاية الأسبوع، في نهاية زميل لم نسمع، كجيل شاب، باسمه يوماً: نصري عكاوي.

ماذا/أو من كان نصري قبل أن ينتحر؟ أجير عادي أيضاً؟ أجير لم يحمه أي نوع من ضمان الشيخوخة ولا التأمين الصحي. أجير لم ولن تتذكره نقابة المحررين، التي ارتبطت بشخص وأغلقت أبوابها في وجوه أجيال من الصحافيين، ولم تُفدهم بأي خدمة عندما انتسبوا اليها. نقابة، لم تخرج من سبعينات القرن الماضي. 

كان نصري صحافياً، قرأنا خبر وفاته في صحف انتقدت من لم يُعزِّ به ولم يسأل عنه قبل الوفاة ولا بعدها.
مات نصري لأنه مواطن في لبنان أولاً، قد يطاله الضمان والتأمين الصحيين بالحظ، أو بعد استنزاف مهني يطول سنوات.
إنتحر نصري لأنه صحافي، في بلد بارع جداً في الإدعاء، وذي مخيلة خصبة ومنافقة في وصف الصحافة وحالها وحال أبنائها وحرياتها ومستواها المهني.

خبر عكاوي يُمكن أن يختصر بكلمات قليلة: إنتحر الصحافي نصري عكاوي عن عمر 67 سنة في لبنان، البلد الذي يتحدث عن الحريات الصحافية كما يغني للوحدة الوطنية. بلد يسقط في معظم التقارير العالمية عن الحريات، ويعجز منذ نشأته عن شم نسيم تلك الوحدة المنسية.

انتحار نصري عكاوي أكثر من جرس إنذار يحذر من تدني معايير الحياة الآمنة في لبنان، بل هو أشبه بإشعار كُتب بالخط العريض، عن مهنة تستنزف العاملين فيها حتى الثانية الأخيرة من حياتهم.. الثانية، التي بات المرء لشدة اليأس ينشد اقترابها، أو يحددها بنفسه.

وموته تذكير جديد بحال هذه المهنة التي تُكتب يومياً عشرات المقالات عن نهايتها، أو الأزمة التي تلم بالصحف الورقية منها أساساً. مقالات ترثي المهنة، ومعاييرها ومستواها ومصداقيتها، وتمويلها الذي يُعلن بعضه، فيما تُبقيه مؤسسات أخرى طي الكتمان كسباً لجمهور من لون واحد، أو كسباً لمصادر تمويل متضاربة. تمويل تعرقل وصوله أو استمرار تدفقه في المؤسسات التي عمل فيها عكاوي.. فأغلقت أبوابها، وأغلق هو على نفسه الباب، منتظراً رزقاً لن يأتي. إنتظر الصحافي، بعد عقود من العمل في المهنة التي لا تحمي ظهر أحد، أن يكتب و"يبيع" على القطعة، لئلا يموت من الجوع.

توصيف البيع بالقطعة، ليس تجريحاً في أي صحافي، شاباً كان أو مخضرماً، يتلقى مبلغاً مالياً مقابل مقالاته التي يضطر إلى نشرها في مؤسسات عدة. بل هو توصيف ناقد لمن يدفع "ثمن" هذه "القطعة" (المقالة)، والمبلغ الذي يدفعه، في بلدان لا تحترم المتعاقدين أو "الفري لانسرز" الذين تعتمد عليهم الصحافة في بلدان العالم المتقدمة، وتضمن حقوقهم المعنوية والمادية.

بضمير مرتاح، يصحّ التجريح في من حوّل الصحافة والكتابة في الصحف إلى عمل "تسول"، أجبر عليه كل صحافي مبتدئ أو شاب وأحياناً المخضرم.. "شحادة" هو التعريف الأدق لساعات من العمل والكتابة يقضيها الصحافيون لصقل مقالة، ولينالوا بعدها مبلغاً زهيداً يجمعه نادل في مطعم من الإكراميات في اليوم الواحد، من خارج راتبه الأساسي. "شحادة" هو التعريف الذي نعرفه كلنا، سواء كذبنا على أنفسنا أم شكرنا من ينشر لنا "قطعة"، ومن دفع لنا بعد سنوات من التدرب في المؤسسة نصف الحد الأدنى للأجور..

وحده أستاذ في المهنة، وصحافي عريق ونظيف فيها، وجد التوصيف "الأجمل" والأكثر مهنية لهذا الإستنزاف بين رب العمل والصحافي، فقال: رخّصوا المهنة.

أما عكاوي، فرثى الصحافة على طريقته، بصق على واقعنا المرير الذي جعلها مهنة بلا أي رسالة أو هدف. مهنة تخيّر العاملين فيها بين الجوع أو الإستزلام. بين الفقر أو "القبض من برا لبرا". 

ما نفع الكلمة الحرة والقلم الصادق إن لم يكن صاحبهما قادراً على حفظ كرامته؟ ما نفع تلك المقالات الناقدة للسياسات الإجتماعية والفقر المدقع ومشاكل النقابات إن لم يستطع كاتبها نفسه، النجاة منها؟ وما نفع كل التحقيقات الإجتماعية المنشورة في المؤسسات الإعلامية، التي تظلم بدورها موظفيها؟ 

لا نعرف الكثير عن عكاوي. يكفينا أن نعرف أنه مات فقيراً في مهنة الشعارات الرنانة المستهلكة حد القتل. مهنة "الإنتصار للحق" و"منبر الرأي الحر" و"لغة الشعوب" و"مرآة الشعوب" و"المهنة الرسالة". هكذا كتب عكاوي الرسالة بنهاية خافتة، لم تصدح حتى بعد موته. قتل الرجل نفسه في منزله، لا في تغطية الحروب، أو وسط أحداث عنيفة أو لنقل خبر. لم ينشد "ميتة" تهلل لها الصحافة، وتستثمرها وسيلته الإعلامية وتتقاضى ثمنها دعايات مجانية "كأم الصبي". ببساطة، وبألم، وقرف من حياة خنقته مادياً ومعنوياً وأخلاقياً.. انتحر الرجل الستيني. ذكّر من نسي، أن الصحافي، وسط الهالة التي ترافق مهنته، ووسط "البرستيج" الذي يختار البعض التماهي معه، ووسط التبجيل لقلمه أو الشتم لموقفه، هو إنسان يجوع، يمرض، يفقر، يشيخ، يتعب، يستنزف، يموت ببطء أو بسرعة.. أو ينتحر في لحظة.
المصدر: جهينة خالدية-المدن

17.7.13

وحدنا مع باسم يوسف

جهينة خالدية
السبت 13-7-2013


كان باسم يوسف وحده في برنامج "أنا والعسل" مساء الخميس، مع حضور بين الفينة والأخرى لمقدمه نيشان، ليسأل أسئلة في غير محلها. وفي الواقع، ما كان الرجل يحتاج إلى أي أسئلة، ليسرد أفكاره المرتبة، الممنهجة والدقيقة.

يمكن للحديث أن يطول عن هوية المقدم، الذي بدا غارقاً في حضوره الكليشيه، وابتساماته غير المبتسمة لفكاهة باسم التي لا تضاهى، وفي جلسته المصطنعة مقيدة ببذلته الخانقة. إنما في الواقع، الهوة بين الضيف والمضيف أعمق بكثير من الشكل الخارجي، وخفة حضور أحدهما مقابل ثقل الآخر. الإختلاف الأساسي كان في مستوى مضمون ما قيل في الحلقة على الطاولة بين الإثنين. ويصعب وصف ما دار في "أنا والعسل" على أنه حوار بين طرفين. ما سمعناه مساء الخميس، كان سيلاً من الآراء الإنسانية، السياسية العميقة والمنطقية والتي راحت تنهمر على المضيف، من دون أن يفقهها، ومن دون أي قدرة على تلقفها أو مناقشتها.
  
في "أنا والعسل" شاهدنا وسمعنا باسم يوسف، وباسم يوسف وحده، وهي فرصة لا يمكن إلا أن نشكر البرنامج على إفساحها لنا، وإن كان الضيف يستحق حواراً شيقاً أكثر بكثير. إلا انها تبقى فرصة أن نستمع إلى رجل هدفه الأساسي هو زيادة الاهتمام بالسياسة إنما بالطريقة مختلفة، وهو تحقق بنظر الملايين عندما عزل المصريون الرئيس محمد مرسي.
 
بغض النظر عن التفاوت بين مستويي ركني الحلقة، فإن يوسف رسم الخميس تعريفاً مغايراً للإعلامي في العالم العربي. دماثة الرجل، وتواضعه، وكاريزماه ودهاؤه.. يمكن أن يقزم أسطولاً من الإعلاميين الذين لم يحققوا نصف شهرة يوسف ويتخطونه بغرور غير محتمل. أما هو الذي ينتظره 30 مليون مشاهد كل أسبوع، فبدا راضياً ببضعة ملايين. بل حين قال له نيشان إن الكل يتكلم عنك، بمن فيهم محمد حسنين هيكل.. رد يوسف: "هم بيتكلموا لأننا شيء جديد، بكرا يخف الإهتمام، المهم الإستمرار".
 
وفي حين تساءل المقدم عن عدم "استغلاله" اللحظة الحامية في مصر وبث حلقة ستزيد من نجوميته (وإن كان نيشان وضع سؤاله في قالب الواجب المهني الذي يفرض على إعلامي كباسم أن يخاطب الناس)، وضع يوسف جانباً كل شهرته وكرر أكثر من مرة: "أنا إنسان بالدرجة الأولى، ولم أجد الوقت مناسباً للسخرية، حتى لو كنا نحتفل بعزل مرسي، ما كان ممكناً غض النظر عن الدماء المهدورة".
 
في أكثر من مناسبة، لم يتوان يوسف عن التدقيق في توصيفات نيشان لأحداث أو أمور معينة. كأن يعترض يوسف على إغلاق القنوات الدينية، فيرد نيشان بأنه "إقصاء"، ويدقق يوسف: "هم مش لازم يختفوا بأي طريقة، سنتكلم لاحقاً إن كان هذا يعتبر إقصاء أم لا". رسم الخط الدقيق الفاصل بين الإسلام والإسلام السياسي، وقدرة الإسلاميين على توظيف الإسلام لتشويه سمعة وموقع حياة من يعادونهم، أو يرفضونهم، بل وقدرتهم على هدر دمهم.
 
وفي ظل الأحداث الحامية في مصر منذ 30 يونيو حتى اليوم، وما رافق ذلك من تهييج إعلامي من كل الأطراف، ما كان متوقعاً من باسم أن ينتقد الإعلام الذي يُعتبر أنه ينتمي إليه، أي الإعلام الليبرالي الخاص، لا سيما فيما تتوجه الأنظار إلى القنوات الدينية التحريضية وتهلل فرحاً لإقفالها. أطل يوسف ليقول بعلانية وبجدية "هناك تحريض وعدم مهنية في القنوات الخاصة"، رافضاً تحويل ما اعتبره البعض انتصاراً على طرف سياسي، إلى "شماتة وعنصرية مقيتة غير مبررة". استطاع يوسف أن يميز نفسه من بين صف من نخبة الإعلاميين المصريين الذين غرقوا في الأيام الأخيرة في خطاب تحريضي، هائج، تمييزي لم تشهده مصر من قبل، وها هو يخرج عن إعلاميين لهم "وزنهم" في الشارع المصري وتأثيرهم كبير عليه.
 
أما الحس الإنساني والسياسي لباسم يوسف فتجلى تماماً في رفضه قلب الأدوار بين طرفي الأزمة في مصر، ورفضه ممارسة الإعلام الإقصاء والتعالي على الإسلاميين كما كان هؤلاء الأخيرون يفعلون في حقهم منذ فترة قصيرة جداً.
 
الرجل الذكي، صاحب الأجوبة البسيطة لم يسقط في الكليشيه الإعلامي الذي يغازل شعب البلد المضيف، فعلى الرغم من تعبيره عن حب لبنان وشعبه، إلا أنه لم يغازل "صمودنا" ورغبتنا الدائمة في الحياة كما يفعل الجميع، بل كرر "أنا مبهور باكمالكم الحياة بعد إنفجار، بس أنا مش عايز ده يحصل عندنا. مش عايز الموت يبقى شيء عادي نبلعه".
 
كُتب الكثير عن باسم يوسف، وسيُكتب أكثر عن رجل يستحق أن نندهش أمام عفويته بالدرجة الأولى. وبعد الحلقة الحوارية المباشرة الأولى له، بتنا مطئنين أنه في حال عدم استمرارية برنامجه بأسلوب ساخر، فنحن ننتظر يوسف في برنامج "جدّي"، سياسي، إجتماعي لن يكون أقل جماهيرية من برنامجه الناقد اللاذع.

8.7.13

لسنا ملك "إيمانكم"


جهينة خالدية
في 5-7-2013




يحملون كاميرات وميكروفونات. يحملون أوراقاً وأقلاماً، شعارات محطاتهم، وربما أهواءها السياسية، إنحيازها أو اعتدالها، لهجتها الخطابية، أو التعبوية، أو الموضوعية (إن وجدت). يحملون كل هذا، إلا أنهم لا يحملون السلاح، ليسوا مقاتلين.. مهما "تفصحنت" الإستعارات في اللغة عن "القتل بالكلمة"، وما إلى هنالك من تشابيه تحاول أن تصف تأثير الكلمة ودور الصحافي.
إنهم صحافيون، يحملون أولاً وأخيراً: الكلمة والصورة.
 
هاتان الأخيرتان، في مواجهة غضب "المؤمنين". هاتان فقط، من دون أي حماية أو مرافقين شخصين، يفترض أن تكفلا حماية الصحافي. المفترض بالكلمة والصورة أن تنقذا الصحافيين من أحداث موغلة في الفظاعة، من دماء تغلي، من رغبة مطلقة في الإنقضاض عليهم.
 
ماذا يفعل صحافي وسط الغضب؟ يهرب؟ يستمر في العمل؟ يدافع عن نفسه؟ يشتم؟ يهجم بدوره على المعتدين؟
 
إنها دارة، بلا شك، سيقول قائل. ما صدر عن هذه القنوات "المحرّضة"، سيرتد عليها. فالعنف الكلامي يولد العنف الجسدي.
إنما، لحظة... ألا يحق لنا أن نطرح تلك الأسئلة البديهية حول المعايير التي تقيّم وفقها كل قناة؟ من يقرر بأن هذه الوسيلة الإعلامية أخطأت دون غيرها؟ من يقرر أن "محاكمة" هذه الوسيلة أو تلك تتم في الشارع؟ الحرية المطلقة؟ الإنفلات الأمني؟ عدم فعالية أي ميثاق شرف إعلامي؟ إنعدام أي دور للمجلس الوطني للإعلام سوى إصدار البيانات؟... من؟
 
من أعطى الحق للناس، أياً كانت إنتماءاتهم، أن يحاكموا صحافياً يؤدي واجبه المهني في الشارع؟ ومن قال إن السياسة المنحازة إلى أي وسيلة إعلامية محكمتها الناس، لا القانون؟
 
فائض الشحنات الإيمانية التي خرج بها مصلّو الجمعة من مسجد بلال من رباح، ألم تكفهم ليحتملوا أحداً؟ أعماهم "الإيمان"؟ حقنهم الشوق الأسيري؟
 
ليست هذه المرة الأولى التي يُعتدى فيها على الإعلام بهذه الفجاجة، وبهذه العلانية. لائحة الإعتدءات على وسائل الإعلام في لبنان طويلة، وإن كانت لا تعجب كثيرين من الجمهور المتلقي، وحتى من الزملاء أنفسهم. لا تعجبهم لأن اللائحة تضم وسائل إعلام متناقضة التوجه، وقد رأى قسم كبير من كلا الطرفين أن الطرف الآخر استحق الإعتداء وإسكات صوته وترهيب وسيلته. لائحة تكاد تشمل  كافة الوسائل الإعلامية في لبنان، مع اختلاف هوية المعتدي. أما التهمة، فتقريباً واحدة: الإنحياز.
 
يخطئ الإعلاميون والصحافيون كل يوم. يخطئون في الأسئلة المبتذلة، في تلك التي تتضمن الأجوبة سلفاً، في توصيف المشهد، في الدخول إلى أماكن خاصة.. في التبجيل، في التقليل من شأن الآخر. يخطئون، وقد يكونون أول من يحاسبون وينتقدون بعضهم بعضاً. يحصل هذا بالكلمة، والمقالات والردود، في التدوينات والومضات على مواقع التواصل الإجتماعي، في البرامج التلفزيونية والمجلات الدورية. لكن لم يعد محتملاً أن يحصل هذا في الشارع.
 
لم تعد محتملة تلك اليد التي تمتد إلى الكاميرات لسد عدساتها، أو لضرب مراسيلها. ولم تعد مقبولة تلك الأسئلة التي تحقق مع المراسل أو الصحافي قبل أن يفتح فاهه ليطرح أي سؤال. بات الصحافي، في الأحداث العادية كما الحامية، أشبه بمتهم يتنقل متخفياً وكأنه يرتكب جريمة ما.
لا يحميه أي عرف، ولا أي ميثاق أخلاقي. في اللحظة التي يُكلّف فيها بتغطية حدث في منطقة ذات لون طائفي أو سياسي معين، عليه أن يتوقع أن توجّه إليه أسئلة من نوع: من أنتم؟ لأي قناة تصورون؟ لمن تنتمون؟ أنتم معنا؟ أم ضدنا؟ 
 
أسئلة لا يتوقع المرء أن يسمعها إلا في تحقيق إستخباراتي. لا تقتصر المساءلة على هوية المؤسسة، يصل الأمر إلى الإلغاء التام لشخصية المراسل/الصحافي لتنصهر تماماً في هوية، أو أجندة المؤسسة.

أخشى أن أعترف أنه في السنوات القليلة من عملي في مهنة الصحافة، منذ العام 2004، وتحديداً خلال العمل الميداني وأجراء المقابلات مع الناس، سئلت عن طائفتي وإنتمائي أكثر مما سئلت عن اسمي. 

حصل ذلك في مناسبات وأحداث شتى. في 7 أيار 2008 الأليم، في أحداث الجامعة العربية في 2007 (الخميس الأسود)، في يوم القمصان السود في 2011، في يوم "الغضب" (إسقاط حكومة الحريري) 2011 وغيرها. سُئلت لأنه صودف أن اسمي لا يدل إلى "انتماء".

لكن، كم من الزملاء إضطروا إلى الكذب واختيار أسماء مستعارة؟ وكم من الزملاء، يضطرون إلى حمل هويتين صحافيتين، تجنباً لجنون "الآخر"، وعدم قدرته على فهم موقع الصحافي ومهمته؟..
 
ليس ما حصل الجمعة في صيدا أمر غريب. يُخشى أن خبر الإعتداء على الإعلام، بات أشبه بمكمل للقصة الصحافية.. لأن المواطن أعطى نفسه الحق بأخذ "حقه" بيده، بعيداً من أي محاسبة قانونية، إن لزمت طبعاً.
 
إنه أمر الشارع يحكم كل شيء، بما في ذلك وسائل الإعلام. أمر الشارع الذي حصل بحرية تامة، ووقاحة غير مسبوقة، بالإعتداء على وسائل إعلام برمتها وليس فقط على مراسليها..

حصل هذا لتلفزيون "المستقبل" وصحيفة "المستقبل" التي نالت ما نالته من قصف ورصاص، في إعتداء عرض حياة الزملاء لخطر الموت. وحصل هذا منذ أشهر قليلة لـ"تلفزيون الجديد". أما قناة "المنار"، فسويت بالأرض خلال حرب تموز 2006، ومع هذا قاومت للحظة الأخيرة ولم يسكت صوتها الذي كان الناس في أمسّ الحاجة إليه.

ويأخذنا الأمر إلى مصر، حيث أغلقت معظم القنوات الدينية الإخوانية، التي لم تتوان عن تحريض وعن تحريف للحقائق وإحلال دم جزء من المصريين.
وكذلك منعت "الجزيرة مباشر مصر" من البث وتتعرض حتى اللحظة لمضايقات. وهو أمر قد تجده غالبية الزملاء والناس في مصر محقاً بسبب إنحياز القناة. إلا أن حرية الرأي، تطبق على من نوافقه الرأي ومن نختلف معه فيه.. يصعب تطبيق هذه القاعدة على القنوات الدينية التي حقنت جمهورها بالكره الأعمى بحجج دينية واهية. لكن في ما يتعلق بقناة إخبارية، ومهما بلغ إنحيازها، فهو أمر يستحق النقاش المهني.
 
تختلف حدة الإعتداء، إلا أن المفارقة أن الضحية أحياناً، تتحول إلى الجلاد. الصحافيون يتعرضون يومياً لإعتداءات مختلفة، إلا أنهم للمفارقة، يجلدون زملاءهم، قبل أن يجلدهم الآخرون.
 

25.6.13

فضل اللحية التسويقية

جهينة خالدية
16-6-2013

الفنان المعتزل.. صفتان تدرجان أمام اسم نجم يختار طريقاً آخر غير الفن. كثيرون حملوا هذه الصفة في السنوات الأخيرة، وقد هجروا الفن لأسباب دينية غالباً. منهم من اكتسب صفة أخرى غير الفنان، بناء على مهنة ثانية اختارها أو درباً آخر، مثل ربيع الخولي الذي اختار طريق الرهبنة.

اختفى الرجل، احترم اعتزاله وموقعه الجديد. نسيته الصحافة ونسيها. لم يعد جزءا من أخبارها الفنية ولا تلك الصفراء، ولا حتى الدينية أو السياسية. لم يعد الرجل خبراً أصلاً، ولا مولداً لنشاط أو حركة تستحق التغطية الإعلامية. ببساطة، لم يعد ربيع الخولي نجماً. لم يحصل هذا لأن الصحافة قررت تهميشه، بل لأنه تدريجياً لم يعد فناناً.. ولا حتى معتزلاً.. ولم يعد شأناً عاماً. تحول إلى رجل عادي ملتزم دينياً.
ننسى ربيع الخولي، وينساه أيضاً محرك البحث "غوغل" جزئياً. وهذا الأخير ينسى كل من لا نسعى وراء أخبارهم وكل من لا نسعى إلى البحث في تاريخهم. هكذا، وكما هو معروف يضع في واجهة نتائج بحثنا أكثر الأخبار رواجاً. ماذا لو طبعنا في خانة بحثه: "الفنان المعتزل"؟ من دون أن نضيف أي إسم إلى جانب الصفة، سيفرش "غوغل" أمامنا آلاف النتائج لواحد لا ثاني له: "الفنان المعتزل.. فضل شاكر".


شاكر، مثل الخولي، اعتزل ايضا، لكنه لا ينفك منذ اعتزاله يتحول إلى خبر لا تفوّته نشرات الأخبار والبرامج الفنية ومواقع التواصل الإجتماعية وحتى.. الصحافة الصفراء. الرجل اعتزل.. لكن، حتى اللحظة لم يجد له "غوغل"، ولا نحن، صفة أخرى.. طالما أنه ما زال يعتمد على نجوميته الفنية ليروج لمواقفه الدينية أو السياسية أو التحريضية أو الجهادية..
فضل شاكر، فنان وإن كان معتزلاً، وسيبقى كذلك حتى يجد له مهنة أخرى، غير موقعه كماركة تسويقية للحركة الأسيرية.. أو أي جهة دينية أخرى يمكن تجيير شهرته لها. سعى شاكر مؤخراً إلى ترويج صفة جديدة له: أخوكم الحاج فضل عبد الرحمن شاكر.. هذه الأخيرة خيار بحت شخصي، لا يمكن الإتجار به كموقع جديد أو كمهنة، يعتمدها الصحافي عند تحريره خبراً يتعلق بالنجم. سيبقى شاكر، لفترة ليست بقصيرة فناناً ولا شيء آخر. وذلك ليس لأن مطلقي الصفة عليه راغبين في "ظلمه"، أو التقليل من شأن خياره الديني الإيماني، بقدر ما أنهم يجدونه يعتمد في الترويج لمواقفه الجدلية على نجوميته السابقة.. التي هي في الواقع، راهنة. فـ"الفنان الحاج"، نجم اليوم، أكثر من أي وقت مضى. هو موجود في الأخبار أكثر من أيام نجوميته الساطعة. إما لأنشودة دينية جديدة، إما لموقف سياسي جهادي، إما  لتحفيز على القتل، أو لتأييد الثورة السورية، أو إطلاق سلسلة من التحريض المذهبي والطائفي..

الرجل نجم بكل معنى الكلمة.. "سيلبريتي" تُلاحق نشاطته وتُجرى معه كل يوم أو كل فترة مقابلات، ربما أكثر مما كان يحصل قبل الاعتزال.. اليوم يخرج في قنوات عربية وأخرى محلية، ولا تخلو الصفحات الفنية من خبر تواصله مع فناتات زميلات سابقات في الكار.. يدعوهن إلى التقوى أو حتى يصرخ في وجوههن، كما تسرب خبر أخيراً عن صراخه في وجه الفنانة شيرين عند اتصالها به لتستأذنه اعادة توزيع أغنية اشتقتلك" التي غنياها سوية.
الرجل نجم، حتى عندما إختار ألا يقف على المسرح الفني. فهو يعتمد على وجهه المعروف ورصيد شهرته ليستثمره (لا إرادياً ربما) في مشاريع تحتاج إلى تسويق. بهذا المعنى لا يختلف تسويق شاكر لحركة الأسير، عن ترويج عمرو دياب لمشروب غازي. ليس هذا القول تقليلاً من إيمان أي جهة أو تقوى أي حركة دينية، بقدر ما هو تحليل بسيط لتأثير ووجود فضل شاكر إلى جانب الشيخ أحمد الأسير على هذه الحركة. وكأنه كسر "جفاف" لحية الأسير وجعلها "مقبولة"، وربما مرغوبة أكثر لدى فئة معنية، ملتزمة دينياً كانت أم مجرد ميالة لها إيمانياً.
هكذا بات الحاج فضل شاكر الجهة الفنية المشهورة التي يمكن تُنجح منتجاً معيناً، دينياً كان، أو فنياً أو سياسياً أو طائفياً أو مذهبياً.. مهما كانت السلعة المرجو بيعها.. وجهه، وجوده، وشهرته كفيلة بزيادة الإقبال عليها. ويطبق شاكر بهذا المعنى اعتماد الدين على قواعد التسويق عينها المعتمدة لأي منتج، في وسائل الإعلام، ومواقع التواصل، والرسائل النصية ولافتات الشوارع.. والإعلانات.. بهذا المعنى يتحول النجم – أكان في موقع متطرف أو معتدل - إلى مادة "مجيِّرة".
هنا، يجير فضل شاكر نفسه، وفق دافعه الإيماني (أو على الأقل حسب ما يزعم).. لقضايا تبشيرية تصب في إيديولوجيا الشيخ الأسير.. والأسبوع الماضي أحيا حفلة فنية دينية لحركة حماس (وهي على خلاف مع الأسير) أيضاً.. لغايات دينية!
يخرج شاكر في الإعلام من دون أي يعكس أي ثقافة دينية أو سياسية ليستفيد من أضواء الإعلام المسلطة عليه، ليروج لها. ذلك على عكس الأسير الذي لا يغيب عن "تويتر" و"فايسبوك" لفتاوى دينية ولترويج حركته.. بل إن الأخير يقدم نفسه بصفات متعددة، على عكس شاكر، فالأسير يقول في "فايسبوك" أنه "داعية إسلامي، ناشط سياسي، مصلح اجتماعي، وثائر لبناني على مشاريع الظلم والباطل". أما شاكر فيظهر في الإعلام ليقول: أنا النجم المشهور أروج لهذه الحركة الآن. بمعنى أن كلامه و"فكره" غير مهمين.. ما يهم فقط هو وجهه.. وإطلالته التي تكسبه التصريحات التحريضية شهرة إضافية وإن كانت صفراء.. إذ مما لا شك فيه أن لحية نجم يمكن أن تكون "بييعة" أكثر من لحية شيخ أصولي.. مهما ركب هذا الأخير من دراجات هوائية.. ومهما تزلج على الثلج وروج لحركته كتجمع "كول".

16.5.13

جمال أنجيلينا "الناقص"

جهينة خالدية
نُشر في جريدة "المدن"
الخميس 16-5-2013


رفع العالم القبعة لأنجيلنا جولي وانحنى لألمها أو احتمال معاناتها مع سرطان الثدي.
اكتسحت الممثلة والمخرجة المثيرة، وسائل الإعلام العالمية بعد إعلانها استئصالها لثدييها.
وقرأت خطوتها هذه من زواية مختلفة، صحية، جمالية، تحليل لشخصيتها ونجوميتها
وعائلتها وللرسائل الإنسانية التي سعت جولي أن توصلها في جراحتها.



رسالة جولي وصلت، فالمرأة لم تخرج في محاضرة أو كتاب أو فيلم أو حملة إعلانية للتوعية
 من مرض السرطان، كما فعلت نجمات كثيرات أصبن بالمرض أو أخريات لم يصبن به.
جولي رمز الجمال والإثارة في العالم، ذهبت مباشرة إلى جوهر القضية، وبات هذا الرمز بلا ثديين.
 بألم ووعي كبيرين، تخلت الفنانة عن أبرز مفاتنها الأنثوية. قالت في خطوتها تلك الكثير،
وإضافة إلى ضخامة الرسالة التوعوية التي وجهتها في مقالتها في جريدة "نيويورك تايمز"
 تحت عنوان "خياري الطبي"، بضرورة لجوء كل إمرأة إلى الإجراءات الوقائية في حال لزم الأمر،
 ضربت جولي مفهوم الجمال "الكامل"، المكرس في الإعلام والإعلان والسينما..
وقالت أن هناك أسئلة كثيرة لا بد أن تطرحها كل إمرأة في مرحلة من حياتها،
سواء كانت نجمة أم إمرأة عادية.. أسئلة تضع جانباً الشكل الخارجي الذي بات هوس الجميع،
وتذهب عميقاً في إهتمام ضروري بسلامة الجسد وصحته.

لن يستطيع أحد كبت موجات التعاطف المليونية مع أنجلينا، لكن أحداً لن يستطيع أيضاً
 أن يكبح جماح مخيلته بتصور جسدها بثديين مستأصلين. وعند هذه النقطة تحديداً،
 تصبح الصورة "المثالية" للجسد المغري هي الطاغية على كل شيء، وتعلو عند
البعض على المعاناة الإنسانية. وهذه المثالية يصعب كسرها في زمن تمحور
 ساعات البث والنشر الميدياوية المتواصلة على الجسد، ومقاساته وكيفية صقله
والتقنيات المبتكرة لنحته وتكبير ما يحتاج من مفاتنه وتصغير ما يلزم من أعضائه...
 ولا ضرورة لنجول في الشاشات لنعرف أكثر عن هذا "الكمال" المطبق بحذافيره
على أجساد النجمات، بل يكفينا أن نسير لدقائق في شوارع بيروت، أو أي عاصمة
عربية وفي المجمعات التجارية وأحرام الجامعات لننتبه إلى هذا الهوس والإلتزام
المخلص بنصائح جمالية تتلى كالأدعية ليل نهار.



إنها "المثالية" المتجذرة التي قتلت، بفضل النجومية والإعلام الإستهلاكي،
أي احتمال لمعنى العادية، والجمال الطبيعي.. أو حتى معنى أن نكون نحن،
كما نحن ونركز على أمور أكثر مصيرية، كأمراض قاتلة أو مزمنة قد
تتربص بالشخصيات العامة و"عامة الناس" على حد سواء.

فهمت جولي كل هذا، وأدركت تماماً أن أول ما يمنع كل إمرأة يحتمل إصابتها بسرطان
 الثدي من الإقدام على هذه الخطوة الإحترازية، هو تخليها عن ثدييها بكل ما يرمزان
 إليه (وإلى أي إمرأة). هذه هي النقطة الجوهرية الأساس التي سعت جولي إلى "ضربها"..
 ضاربة معها عرض الحائط بمفاهيم الجمال، والجسد الكامل، والرمزية الجنسية في النهود.
 الصحة والحياة السلمية إلى جانب من نحب، أعلى وأسمى من كل مفاهيم الجمال،
 الحقيقية والمصطنعة. حياة المرأة أهم من كل صور المرأة المثيرة في الأفلام
 وعالم هوليوود الذي تُعتبر جولي نفسها من أبرز نجماته.

فعلت ما فعلته جولي وأفصحت عنه وشرحته في مقال حميمي وتوعوي في آن،
 في حين ما زال الإعلام يعجز عن التعامل مع "ذلك المرض"، لا سيما عند إصابته الثدي.
 يعجز الإعلام والإعلان (لا سيما العربي) عن إطلاق حملات توعوية وإعلانية غير مبتذلة
عن سرطان الثدي وآلام المرأة الجسدية والنفسية بسببه. وحتى جولي نفسها لفتت في
 مقالتها إلى أن كلمة "السرطان" بحد ذاتها ما زالت تثير الخوف في قلوب الناس،
 وتنتج إحساساً عميقاً بالعجز.

من نتحدث عنها هنا ليست إمرأة عادية فقدت ثدييها. لا يعني ذلك أنها أفضل
 أو أن ألمها "أهم" من آلام نساء عاديات، بل أن تقرر صاحبة جسد لارا كروفت،
 الذي جعل مهنتها مرتكزة أساساً على جسدها الممشوق و"الخارق" (بكل مفاتنها لا سيما الثديين)،
 أن تتخلى طواعية وإحترازيا عن أبرز مفاتن هذا الجسد وتعود لتعبر عن ذلك بمقالة توعوية راقية،
 فيعني هذا أن الرسالة ستصل بشكل أقوى. بل بشكل صارخ. وسيتذكر العالم جيداً رسالة أنجلينا وألمها.

الجرأة التي خرجت بها جولي إلى العالم، جعلت وسائل إعلام عالمية عدة تشبهها بالسيدة الأميريكة
 الأولى بين عامي 1974-1977 بيتي (إليزابث) فورد، زوجة الرئيس الثامن والثلاثين جيرالد فورد،
 والتي أفصحت عن اصابتها بسرطان الثدي وشكل ذلك نقلة نوعية في حملات التوعية من هذا السرطان.

ما أقدمت عليه جولي، أجرأ وأبعد من أن نتخيله حتى في فيلم بوليوودي. ولو وصل بنا الأمر إلى تخيل
 فيلم عن فنانة شهيرة، متزوجة من أجمل وأكثر رجال العالم إغراء، وتمارس حياتها المهنية
وتسمتع بحياة "طبيعية" من دون ثديين، لانتهي بنا الأمر إلى قناعة تامة بأن هذه قصة
 غير واقعية، ولا بد أن كاتبها بالغ في عناصرها الدرامية حد الإفتعال. إنما للمفارق
ة، قصة هذه المرأة فيلم طويل يروي حياة إمرأة لطالما كرست جسدها للأوشام
 المعروضة أمام الكاميرات، إلى سفيرة للأمم المتحدة تجوب بلاد العالم الفقيرة
 وتتبنى أطفالاً من جنسيات مختلفة وتعيش معهم حياة سعيدة. وها هي اليوم
 تفصح عن خصوصيتها ومعاناتها لأجل قضية عامة وخاصة في آن.
وتفصح عن ألمها وما تغير في جسدها، لتقول إن الجسد هذا يجب أن يرضي
المرأة نفسها قبل أن يُرضي غيرها، وقبل أن يطابق المقاسات الموسومة في
 المنشورات وعيادات التجميل وعلى ألسنة المذيعين والمذيعات. قالت جولي
الكثير، قالت: أحبي نفسك ومستقبلك وعائلتك.. وكوني بخير لأجلهم، ولا
 تكوني جميلة و"متكاملة" للآخرين. المرأة الجميلة قالت: أحبي الحياة أكثر
من أن تحبي الصورة الجاهزة والمنمطة عن الحياة.


26.2.13

نايف.. أسى سوريا اليوم


جهينة خالدية
من أنت يا نايف؟
من أنت يا رجل؟

روايتك، كلماتك، حركاتك، لهجتك، لكنتك، حزنك، جديتك، ألمك المفرط، سردك.. كل هذا نسمعه ونراه في مقابلة معك فوق الركام.
أنت الراوي، وأنت الضحية. أنت الطفل، وأنت الرجل وأنت الرمز.. أنت صورة كل سوري. ما قلته، وكل ذلك الدمار حولك هو سوريا اليوم.
ما كل هذا الذي تقوله؟ أيمكننا أن نترك كل السياسة والمستجدات العسكرية جانباً لنتفرج على مأساتك. نتفرج فقط، ولا يسعنا إلا البكاء في أحسن الأحوال.
ماذا نفعل لمأساتك يا نايف؟ أيمكننا أن نتوقف عند سؤالك: بس أفهم، ليش عم يضربنا؟ حكم القوي على الضعيف؟ بس هيك؟ يا لهذا السؤال البريء. يا لهذا السؤال الكبير، الواسع، كوسع جرحك.
من هو ذلك الرجل الذي بداخلك؟ لا أنفك أسأل نفسي هذا السؤال. كلماتك تشعرنا أننا أمام عجوز ستيني. أهذا نضج الذي يجعلك تعرف كيف تصف هول ما رأيت؟ أهذا وجع؟ كبّرتك الثورة يا نايف، بل كبرك القلب الممزق. كل أطفال سوريا كبروا. هم اليوم، إما جوعى، أو شهداء أو يحملون قلوب العجائز. لا شيء تقنياً وتحليلياً ليقال أمام كلماتك. وحدها العاطفة تتكلم، وحتى هذه تُقصر في استيعاب هول ما تقوله. هذه كلمات عفوية، أقوله لك عن بُعد. وأفكر ما السبيل لأشاهدك وأسمعك وفي الوقت عينه أحترم وجعك. علينا نحن، أن نعتذر منكم أننا نتفرج على أوقات حرجكم.
هناك فوق الأحجار التي تقول إنها كرتون، تقف أمام الكاميراً لتقول لنا "إيش بدي أقولك؟"، ناسياً جرحاً تقول إنك أخفيته عن والدك لأنه حساس. كيف تعيش وسط هذا الموت يا نايف؟ هل مازلت على قيد الحياة والموت يأتيك دفعات دفعات؟
راحوا، بيت جدي راحوا، أولاد عمي أربعين واحد راحو. تقول. كلهم شباب، ورائحة المسك طلعت منهم. هنا، عند هذه الجملة أقف. أقول وما أدرى الطفل الذي فيك برائحة المسك؟ تلك التي يضعها العجزة والموتى. أسى. وجهك مليء بالأسى.
كم عمرك يا نايف؟ كيف قلت كل ما قلت وأنت تحرص على إخفاء دمعتك. حتى الجملة الأخيرة، كنت تأخذ النفس وتعود لتحكي، وكأن الكلام هو كل ما يمكنك فعله الآن. أنت الذي تقول إن جاركم الذي مات أطفاله، ينام معهم في القبر.. جنني". تقول إنه جعلك تجن. والجنون يا أيها الرجل الصغير أرحم مما أنتم فيه. وتعود لتردد "طلعنا لبرا، نصيح يا عالم حدا ينقذنا، وأتاري العالم هي بدها منقذ".. "ولاد عمي، ماتوا"، وتقلب شفتك، في حركة عادة ما تُرسم على وجوه أطفال يعبرون عن "حزن" صغير، كأن ينتهي لوح الشوكولاتة بسرعة، مثلا!
  
أية قصة هذه التي تخبرنا إياها أيها الطفل؟ قصة عائلة؟ قصة قرية؟ قصة مدينة؟ قصة بلد؟ مجموع لقصص الموت المتواصل، المترابط، كل يوم، كل يوم، كل يوم؟ تجمدت أمام صوتك.. وخفت. وضعتني، كما كل من شاهدك، أمام الموت. نحن الذي نهرب منه كل يوم. وأنتم الذي لا تحظون بفرصة للهرب ولا الإحتماء، ولا النوم الدافئ لدقيقة أخيرة.
الدقيقتان والثواني القليلة لمقابلتك التلفزيونية على وشك الإنتهاء، وها هي دمعتك تسقط يا نايف. يمكننا الآن أن نخفض رؤوسنا، ونخجل من كوننا أحياء. نخجل من عيشنا ودفئنا وشبعنا وحتى أصابعنا، التي تكتب.. تكتب فقط. 
أنت تكبر يا نايف ونحن نصغر.

نُشرت في جريدة المدن
www.almodon.com