8.7.13

لسنا ملك "إيمانكم"


جهينة خالدية
في 5-7-2013




يحملون كاميرات وميكروفونات. يحملون أوراقاً وأقلاماً، شعارات محطاتهم، وربما أهواءها السياسية، إنحيازها أو اعتدالها، لهجتها الخطابية، أو التعبوية، أو الموضوعية (إن وجدت). يحملون كل هذا، إلا أنهم لا يحملون السلاح، ليسوا مقاتلين.. مهما "تفصحنت" الإستعارات في اللغة عن "القتل بالكلمة"، وما إلى هنالك من تشابيه تحاول أن تصف تأثير الكلمة ودور الصحافي.
إنهم صحافيون، يحملون أولاً وأخيراً: الكلمة والصورة.
 
هاتان الأخيرتان، في مواجهة غضب "المؤمنين". هاتان فقط، من دون أي حماية أو مرافقين شخصين، يفترض أن تكفلا حماية الصحافي. المفترض بالكلمة والصورة أن تنقذا الصحافيين من أحداث موغلة في الفظاعة، من دماء تغلي، من رغبة مطلقة في الإنقضاض عليهم.
 
ماذا يفعل صحافي وسط الغضب؟ يهرب؟ يستمر في العمل؟ يدافع عن نفسه؟ يشتم؟ يهجم بدوره على المعتدين؟
 
إنها دارة، بلا شك، سيقول قائل. ما صدر عن هذه القنوات "المحرّضة"، سيرتد عليها. فالعنف الكلامي يولد العنف الجسدي.
إنما، لحظة... ألا يحق لنا أن نطرح تلك الأسئلة البديهية حول المعايير التي تقيّم وفقها كل قناة؟ من يقرر بأن هذه الوسيلة الإعلامية أخطأت دون غيرها؟ من يقرر أن "محاكمة" هذه الوسيلة أو تلك تتم في الشارع؟ الحرية المطلقة؟ الإنفلات الأمني؟ عدم فعالية أي ميثاق شرف إعلامي؟ إنعدام أي دور للمجلس الوطني للإعلام سوى إصدار البيانات؟... من؟
 
من أعطى الحق للناس، أياً كانت إنتماءاتهم، أن يحاكموا صحافياً يؤدي واجبه المهني في الشارع؟ ومن قال إن السياسة المنحازة إلى أي وسيلة إعلامية محكمتها الناس، لا القانون؟
 
فائض الشحنات الإيمانية التي خرج بها مصلّو الجمعة من مسجد بلال من رباح، ألم تكفهم ليحتملوا أحداً؟ أعماهم "الإيمان"؟ حقنهم الشوق الأسيري؟
 
ليست هذه المرة الأولى التي يُعتدى فيها على الإعلام بهذه الفجاجة، وبهذه العلانية. لائحة الإعتدءات على وسائل الإعلام في لبنان طويلة، وإن كانت لا تعجب كثيرين من الجمهور المتلقي، وحتى من الزملاء أنفسهم. لا تعجبهم لأن اللائحة تضم وسائل إعلام متناقضة التوجه، وقد رأى قسم كبير من كلا الطرفين أن الطرف الآخر استحق الإعتداء وإسكات صوته وترهيب وسيلته. لائحة تكاد تشمل  كافة الوسائل الإعلامية في لبنان، مع اختلاف هوية المعتدي. أما التهمة، فتقريباً واحدة: الإنحياز.
 
يخطئ الإعلاميون والصحافيون كل يوم. يخطئون في الأسئلة المبتذلة، في تلك التي تتضمن الأجوبة سلفاً، في توصيف المشهد، في الدخول إلى أماكن خاصة.. في التبجيل، في التقليل من شأن الآخر. يخطئون، وقد يكونون أول من يحاسبون وينتقدون بعضهم بعضاً. يحصل هذا بالكلمة، والمقالات والردود، في التدوينات والومضات على مواقع التواصل الإجتماعي، في البرامج التلفزيونية والمجلات الدورية. لكن لم يعد محتملاً أن يحصل هذا في الشارع.
 
لم تعد محتملة تلك اليد التي تمتد إلى الكاميرات لسد عدساتها، أو لضرب مراسيلها. ولم تعد مقبولة تلك الأسئلة التي تحقق مع المراسل أو الصحافي قبل أن يفتح فاهه ليطرح أي سؤال. بات الصحافي، في الأحداث العادية كما الحامية، أشبه بمتهم يتنقل متخفياً وكأنه يرتكب جريمة ما.
لا يحميه أي عرف، ولا أي ميثاق أخلاقي. في اللحظة التي يُكلّف فيها بتغطية حدث في منطقة ذات لون طائفي أو سياسي معين، عليه أن يتوقع أن توجّه إليه أسئلة من نوع: من أنتم؟ لأي قناة تصورون؟ لمن تنتمون؟ أنتم معنا؟ أم ضدنا؟ 
 
أسئلة لا يتوقع المرء أن يسمعها إلا في تحقيق إستخباراتي. لا تقتصر المساءلة على هوية المؤسسة، يصل الأمر إلى الإلغاء التام لشخصية المراسل/الصحافي لتنصهر تماماً في هوية، أو أجندة المؤسسة.

أخشى أن أعترف أنه في السنوات القليلة من عملي في مهنة الصحافة، منذ العام 2004، وتحديداً خلال العمل الميداني وأجراء المقابلات مع الناس، سئلت عن طائفتي وإنتمائي أكثر مما سئلت عن اسمي. 

حصل ذلك في مناسبات وأحداث شتى. في 7 أيار 2008 الأليم، في أحداث الجامعة العربية في 2007 (الخميس الأسود)، في يوم القمصان السود في 2011، في يوم "الغضب" (إسقاط حكومة الحريري) 2011 وغيرها. سُئلت لأنه صودف أن اسمي لا يدل إلى "انتماء".

لكن، كم من الزملاء إضطروا إلى الكذب واختيار أسماء مستعارة؟ وكم من الزملاء، يضطرون إلى حمل هويتين صحافيتين، تجنباً لجنون "الآخر"، وعدم قدرته على فهم موقع الصحافي ومهمته؟..
 
ليس ما حصل الجمعة في صيدا أمر غريب. يُخشى أن خبر الإعتداء على الإعلام، بات أشبه بمكمل للقصة الصحافية.. لأن المواطن أعطى نفسه الحق بأخذ "حقه" بيده، بعيداً من أي محاسبة قانونية، إن لزمت طبعاً.
 
إنه أمر الشارع يحكم كل شيء، بما في ذلك وسائل الإعلام. أمر الشارع الذي حصل بحرية تامة، ووقاحة غير مسبوقة، بالإعتداء على وسائل إعلام برمتها وليس فقط على مراسليها..

حصل هذا لتلفزيون "المستقبل" وصحيفة "المستقبل" التي نالت ما نالته من قصف ورصاص، في إعتداء عرض حياة الزملاء لخطر الموت. وحصل هذا منذ أشهر قليلة لـ"تلفزيون الجديد". أما قناة "المنار"، فسويت بالأرض خلال حرب تموز 2006، ومع هذا قاومت للحظة الأخيرة ولم يسكت صوتها الذي كان الناس في أمسّ الحاجة إليه.

ويأخذنا الأمر إلى مصر، حيث أغلقت معظم القنوات الدينية الإخوانية، التي لم تتوان عن تحريض وعن تحريف للحقائق وإحلال دم جزء من المصريين.
وكذلك منعت "الجزيرة مباشر مصر" من البث وتتعرض حتى اللحظة لمضايقات. وهو أمر قد تجده غالبية الزملاء والناس في مصر محقاً بسبب إنحياز القناة. إلا أن حرية الرأي، تطبق على من نوافقه الرأي ومن نختلف معه فيه.. يصعب تطبيق هذه القاعدة على القنوات الدينية التي حقنت جمهورها بالكره الأعمى بحجج دينية واهية. لكن في ما يتعلق بقناة إخبارية، ومهما بلغ إنحيازها، فهو أمر يستحق النقاش المهني.
 
تختلف حدة الإعتداء، إلا أن المفارقة أن الضحية أحياناً، تتحول إلى الجلاد. الصحافيون يتعرضون يومياً لإعتداءات مختلفة، إلا أنهم للمفارقة، يجلدون زملاءهم، قبل أن يجلدهم الآخرون.
 

هناك تعليق واحد:

Wohnungsräumung يقول...

شكرا على الموضوع المتميز
Dank Thema Wohnungsräumung