11.8.13

نصري عكاوي

جهينة خالدية
الإثنين 11-8-2013

على ورقة مربعة لا يتعدى حجمها مساحة الكف، كُتب إسمي وإسم عائلتي مرفقاً بمعلومات شخصية عني.

في الورقة تفاصيل حول استمارات ووصفات طبية تخصني، وأرقام كثيرة للمعاملة وتاريخ تقديمها وتاريخ إستلام المبلغ المستحق بعد عام كامل. معلومات أساسية، لم أتوقف عندها كثيراً.

الورقة المربعة على مكتبي، عليها أن تنتظر عاماً كاملاً، لأعود وأتقدم بها إلى الضمان الإجتماعي لأتقاضى تعويضي عن بضعة أدوية احتجت إلى تناولها يوماً. صفة واحدة مكتوبة وسط الورقة، تلتقطها عيناي كلما التفتُّ: أجير عادي.

توصيف لموقعي في المؤسسة، يترتب عليه نوع الضمان الصحي الذي أتلقاه.. أنا أجير عادي.

أكتسب هذه الصفة من كوني أكسب الأجر. لا "عيب" في الصفة الإجرائية. أفترض أنها تحميني من "الأعظم"، إن أتى في بلد العجائب الذي لا يعرف إلا "الأعظم". لكني، لسبب ما، لا أمنع نفسي من كره هذه الصفة التي وإن كانت "تضمنني"، تشعرني بالتبعية التي لا مفر منها. هو كره للصفة ربما، أو للعيوب التي تشوب تنفيذ حقي بموجبها، وبموجب نظام الضمان الإجتماعي في لبنان.

أكره صفة الأجير أكثر، وأنا أفكر طوال عطلة نهاية الأسبوع، في نهاية زميل لم نسمع، كجيل شاب، باسمه يوماً: نصري عكاوي.

ماذا/أو من كان نصري قبل أن ينتحر؟ أجير عادي أيضاً؟ أجير لم يحمه أي نوع من ضمان الشيخوخة ولا التأمين الصحي. أجير لم ولن تتذكره نقابة المحررين، التي ارتبطت بشخص وأغلقت أبوابها في وجوه أجيال من الصحافيين، ولم تُفدهم بأي خدمة عندما انتسبوا اليها. نقابة، لم تخرج من سبعينات القرن الماضي. 

كان نصري صحافياً، قرأنا خبر وفاته في صحف انتقدت من لم يُعزِّ به ولم يسأل عنه قبل الوفاة ولا بعدها.
مات نصري لأنه مواطن في لبنان أولاً، قد يطاله الضمان والتأمين الصحيين بالحظ، أو بعد استنزاف مهني يطول سنوات.
إنتحر نصري لأنه صحافي، في بلد بارع جداً في الإدعاء، وذي مخيلة خصبة ومنافقة في وصف الصحافة وحالها وحال أبنائها وحرياتها ومستواها المهني.

خبر عكاوي يُمكن أن يختصر بكلمات قليلة: إنتحر الصحافي نصري عكاوي عن عمر 67 سنة في لبنان، البلد الذي يتحدث عن الحريات الصحافية كما يغني للوحدة الوطنية. بلد يسقط في معظم التقارير العالمية عن الحريات، ويعجز منذ نشأته عن شم نسيم تلك الوحدة المنسية.

انتحار نصري عكاوي أكثر من جرس إنذار يحذر من تدني معايير الحياة الآمنة في لبنان، بل هو أشبه بإشعار كُتب بالخط العريض، عن مهنة تستنزف العاملين فيها حتى الثانية الأخيرة من حياتهم.. الثانية، التي بات المرء لشدة اليأس ينشد اقترابها، أو يحددها بنفسه.

وموته تذكير جديد بحال هذه المهنة التي تُكتب يومياً عشرات المقالات عن نهايتها، أو الأزمة التي تلم بالصحف الورقية منها أساساً. مقالات ترثي المهنة، ومعاييرها ومستواها ومصداقيتها، وتمويلها الذي يُعلن بعضه، فيما تُبقيه مؤسسات أخرى طي الكتمان كسباً لجمهور من لون واحد، أو كسباً لمصادر تمويل متضاربة. تمويل تعرقل وصوله أو استمرار تدفقه في المؤسسات التي عمل فيها عكاوي.. فأغلقت أبوابها، وأغلق هو على نفسه الباب، منتظراً رزقاً لن يأتي. إنتظر الصحافي، بعد عقود من العمل في المهنة التي لا تحمي ظهر أحد، أن يكتب و"يبيع" على القطعة، لئلا يموت من الجوع.

توصيف البيع بالقطعة، ليس تجريحاً في أي صحافي، شاباً كان أو مخضرماً، يتلقى مبلغاً مالياً مقابل مقالاته التي يضطر إلى نشرها في مؤسسات عدة. بل هو توصيف ناقد لمن يدفع "ثمن" هذه "القطعة" (المقالة)، والمبلغ الذي يدفعه، في بلدان لا تحترم المتعاقدين أو "الفري لانسرز" الذين تعتمد عليهم الصحافة في بلدان العالم المتقدمة، وتضمن حقوقهم المعنوية والمادية.

بضمير مرتاح، يصحّ التجريح في من حوّل الصحافة والكتابة في الصحف إلى عمل "تسول"، أجبر عليه كل صحافي مبتدئ أو شاب وأحياناً المخضرم.. "شحادة" هو التعريف الأدق لساعات من العمل والكتابة يقضيها الصحافيون لصقل مقالة، ولينالوا بعدها مبلغاً زهيداً يجمعه نادل في مطعم من الإكراميات في اليوم الواحد، من خارج راتبه الأساسي. "شحادة" هو التعريف الذي نعرفه كلنا، سواء كذبنا على أنفسنا أم شكرنا من ينشر لنا "قطعة"، ومن دفع لنا بعد سنوات من التدرب في المؤسسة نصف الحد الأدنى للأجور..

وحده أستاذ في المهنة، وصحافي عريق ونظيف فيها، وجد التوصيف "الأجمل" والأكثر مهنية لهذا الإستنزاف بين رب العمل والصحافي، فقال: رخّصوا المهنة.

أما عكاوي، فرثى الصحافة على طريقته، بصق على واقعنا المرير الذي جعلها مهنة بلا أي رسالة أو هدف. مهنة تخيّر العاملين فيها بين الجوع أو الإستزلام. بين الفقر أو "القبض من برا لبرا". 

ما نفع الكلمة الحرة والقلم الصادق إن لم يكن صاحبهما قادراً على حفظ كرامته؟ ما نفع تلك المقالات الناقدة للسياسات الإجتماعية والفقر المدقع ومشاكل النقابات إن لم يستطع كاتبها نفسه، النجاة منها؟ وما نفع كل التحقيقات الإجتماعية المنشورة في المؤسسات الإعلامية، التي تظلم بدورها موظفيها؟ 

لا نعرف الكثير عن عكاوي. يكفينا أن نعرف أنه مات فقيراً في مهنة الشعارات الرنانة المستهلكة حد القتل. مهنة "الإنتصار للحق" و"منبر الرأي الحر" و"لغة الشعوب" و"مرآة الشعوب" و"المهنة الرسالة". هكذا كتب عكاوي الرسالة بنهاية خافتة، لم تصدح حتى بعد موته. قتل الرجل نفسه في منزله، لا في تغطية الحروب، أو وسط أحداث عنيفة أو لنقل خبر. لم ينشد "ميتة" تهلل لها الصحافة، وتستثمرها وسيلته الإعلامية وتتقاضى ثمنها دعايات مجانية "كأم الصبي". ببساطة، وبألم، وقرف من حياة خنقته مادياً ومعنوياً وأخلاقياً.. انتحر الرجل الستيني. ذكّر من نسي، أن الصحافي، وسط الهالة التي ترافق مهنته، ووسط "البرستيج" الذي يختار البعض التماهي معه، ووسط التبجيل لقلمه أو الشتم لموقفه، هو إنسان يجوع، يمرض، يفقر، يشيخ، يتعب، يستنزف، يموت ببطء أو بسرعة.. أو ينتحر في لحظة.
المصدر: جهينة خالدية-المدن

ليست هناك تعليقات: