28.8.13

إحكي يا يُمنى

جهينة خالدية
22-8-2013
عمل الفنان وسام الجزائري

لغاز السارين صوت غريب. كصوت الأشباح. يخرج من  فيديو يُمنى وكأنه يخرج من بئر عميق، سحيق..
عند الثانية من صباح الأربعاء.. بلعت هذه الطفلة شبحاً.
جاءها مع الغاز ونام في معدتها. رأت يُمنى الموت. ومن بعده لم تعد ترى أي شيء. في نسخة الفيديو الأطول لرعب الفتاة، (دقيقة ونصف).. لا نسمع صوت يُمنى، لا نسمع إلا صوتاً خاوياً، جافاً، يخرج كالهدير. نرتجف ونحن ننصت بعجز لذلك الوحش الذي أكلها منذ قليل وها هي ترجوه أن يتركها "عايشة".
الشبح في داخل يُمنى حكى، وكل ما شاهدنا الفيديو يعود ليحكي أكثر. يحكي عن الساعات السوداء التي شهدتها يُمنى ونجت لتنقل لنا بعضا من هول ما رأت، ومع هذا قد لا نعرف يوماً ماذا عاشت. كيف تسلل الغاز إلى أفراد عائلتها واحداً تلو الآخر.. كيف سقطوا؟ كم من الوقت مرّ قبل أن تتقطع أنفاسهم؟ كم مرة نادت أمها؟ كم مرة كمّمت فمها وأنفها بيديها علها تتغلب على الإختناق؟ كم مرة صلّت؟
ماذا قُلتِ يا يُمنى؟ يا الله؟ أناجيته يا يُمنى؟
**


لولا تلك الدقيقة والثواني الـ20 للفيديو... لولا ذلك الهلع، لما كانت المجزرة التي بالكاد هزت العالم.. لتهزّ أحداً. خوفك يا يمنى.. وثق المجزرة. سامحينا لكن ذلك الشريط قال الكثير. حكى عن أكثر من سنتين من القتل، ويحكي عن سنين ومجازر مقبلة قد لا يحظى ضحاياها بصوت. وقد حظينا الآن بصوتك. أنت خلافاً لتلك الجثث البيضاء الساكنة..حكيتِ. وأنت خنقتنا.. وأبكيتنا وأيقظتِ من تجمد منا. 
لولا كلماتك يا يمنى لظننا أن ما حصل لم يحصل. لظننا أنكم نيام. أيموت الناس بهذا الهدوء؟ أين المجزرة؟ لكننا لم نر الدماء. نريد ان نرى الدماء. نحتاجها أن تتدفق شلالات عبر الشاشات لنصدقكم. نحتاج إلى الفيديوهات التي "إعتدنا". نحن مصاصو الدماء. نمتص موتكم بعيوننا.. بمشاعرنا. نمتص دماءكم ببرودتنا.. بمللنا من موتكم وأخبار موتكم كل يوم كل يوم.
وفي هذا اليوم الحزين، تنامون جماعة هكذا بوجوه بيضاء أكثر منها صفراء أو زرقاء. ما هذا الموت؟ أين أشلاؤكم وأين أمعاؤكم وأدمغتكم؟ لا تشبعنا هذه المجازر ولا تكفي الشاشات ولا "ترتقي" إلى معايير "الثورات". كل أطرافكم سليمة وكل عيونكم في أمكنتها وقلوبكم لم تؤكل.
وأين الكيماوي؟ أتكذبون؟ هل تعرفون ماذا يفعل الكيماوي؟ إسألوا الناس، قوموا وإسألوا الناس.. كلهم باتوا، بعد المجزرة، يعرفون. الكرة الآرضية كلها باتت خبيرة بالغازات السامة، وها هي الآن فوق جثثكم تناقش أصناف وقوة الأسلحة الكيميائية.
الآن فوق جثثكم، موعد مساءلة إثباتاتكم. كيف تموتون بلا أدلة؟ 
الصورة لا تكفي ولا الأكفان تكفي ولا الأرقام ولا الطوابير النائمة تكفي.
إحكي يا يمنى.  أنت أمل ضئيل. قولي يا يمنى.. ماذا جرى؟ أنت "عايشة" قولي.. 
***
لا لا نريد الدماء. لا نريد تلك الدماء التي سالت من أجساد أطفال قانا والشياح. تلك التي صورها العالم وأبكته.. تلك التي قلبتُها مراراً وحفظتها في الوكالات واحتفظت بإعداد الصحف التي نشرتها.. في حين كان النقاش حامياً حول اخلاقيات النشر من عدمه. تلك نظرتُ اليها عشرات المرات من دون خوف، لأني لم أملك أي شيء آخر أفعله أمام كل ذلك القتل.
لقد متّم.. ونحن الآن من المفترض أن نخاف من صوركم؟ نخاف مماذا؟ نخاف على ماذا؟ على مشاعرنا؟ على عائلاتنا؟ نخاف من الكوابيس؟ يا ليتها كانت كوابيس التي جاءتكم. فلتنشر صوركم.. هل من أخلاقيات إعلامية لنشر صوركم؟ أيجدر بنا الخوف على معنويات أو مشاعر أحد، من مشهد 1300 جسد مستلقٍ ونائم "بهدوء"؟ هذه المرة، الصورة عليها أن تنشر وتحكي. هناك حرمة للموت، لكن تلك الأكفان المصفوفة بالمئات، عليها أن تُنشر. هذه المرة لا متاجرة بصوركم. وفي الواقع، حتى القنوات والفضائيات التي عادة ما تستثمر موتكم، وتتقن "الكلوز آب" على جثثكم ووجوههكم، كانت هذه المرة منشغلة بمعارك أخرى، وتتقاتل على نشر روايتها لمعارك السلطة والدم أيضاً في مصر.
وجه يُمنى لا يشبه وجه أي طفل. عيناها فارغتان وكأن ساعات الليل الأليم حلت فيهما ولن تخرج أبدا.. تفتح فمها لتصرخ.. تشد عسى ذلك الغاز الذي بلعته يخرج.. تشد لسانها وتمسحه وكأنها كادت منذ قليل أن تبلعه.
أشاهد الفيديو مرة، اثنتين، ثلاثة، عشرة. أستعين بسماعات ليدخل صوت يمنى في أذني. الكثير فيّ كان يحلم بأن يسمع صوت الروح في ذلك الصوت. الكثير فيّ كان يريد أن يرى بعض الأمل في هاتين العينين، العاجزتين حد الشلل.. أشاهد الفيديو، وأشعر بأن أطرافي مشلولة، وكل ما أريده هو أن أتألم ولو لثانية مع تلك الطفلة..
أن نتألم معكم أقل ما يمكن. أقل ما يمكن.
الرقم كبير. الموت جماعي. الموت الذي أبكانا على ثلاثين روحاً في الرويس، ولأرواح زُهقت في اشتباكات متقطعة في بيروت، جاء جماعياً في سوريا. الموت الذي حلّ في ساعات، ونفذتها خمس صواريخ في الغوطة ودومة وسقبا.. أخذ معه 1300 روحاً.
كمُّ الموت هذا سجلته إسرائيل في عدوانها الهمجي على لبنان في 2006، بعد 33 يوماً من القصف المتواصل.
***


نشعر بالعجز يا تلك الروح الموجوعة. خلف مكاتبنا أو في المقاهي أو في الاعتصامات، نكتب المراثي، نذرف الدمع أو نضيء شمعة. أن نضيء شمعة لأكثر من ألف شهيد.. يعني أننا عاجزون. أن نضيء شمعة يعني أننا لا نملك أي شيء آخر نفعله.. لن نستطيع أن نشتري لهم حياة. لن نفهم يوما الصفقات. لن نعرف بماذا ماتوا؟ بالغاز؟ بالصدمة؟ بالهلع؟ من الصراخ؟
الموت ليس أن تقتل 1300 شهيد، بل أن تترك خلفهم عشرات الملايين عاجزين. لا ضير إذاً في أن نشاهد الفيديوهات عشرات المرات.. بعض الألم يخفف بعض الذنب. أما ذنب أننا أحياء وهم لا.. فلن يخرج منا أبدا، مثلما لن يخرج ذلك الوحش من قلب يُمنى.. "العايشة العايشة العايشة".
***


كلكم رحلتم في فجر واحد. إذاً من بقي ولمن يثورون الآن؟
متّم كلكم، والمذيعة في استديو واحدة من أكبر الفضائيات العربي تُذكر الناشطة الإعلامية التي توجه صرخة للعالم: أرجوك قولي لنا إن كان هناك المزيد من الضحايا. نريد معلومات.. الوقت ضيق الوقت ضيق. كأننا نريد المزيد. .المزيد من كل شيء. مزيد من الموت. لم نعد نشبع. حتى في الموت نحن جشعون وليس فقط في الحياة. فالوقت ضيق. الوقت ضيق. على ماذا الوقت ضيق؟
المصدر:جهينة خالدية-المدن

ليست هناك تعليقات: