25.11.13

ديبلوماسية "يوتيوب"


جهينة خالدية
25-11-2013


لا رسالة رسمية، ولا مذكرة جلب، ولا فتح تحقيق ولا رفع دعوى قضائية ولا استنكار ولا شجب ولا غرف تعذيب ولا هجوم منظماً.. 
لا شيء من هذا صدر عن السفير البريطاني طوم فلتشر، تعليقاً على الرسالة الساخرة واللاذعةالتي وجهها المدون والمعماري اللبناني البريطاني كارل شرو له ولرسالته المفتوحة"العاطفية" و"التوعوية" سياسياً، إلى لبنان لمناسبة عيد استقلاله السبعين.

رسالة شرو وصفت ما كتبه فلتشر بـ"الفوقي" وبانه يتعامل مع لبنان كجمهورية سبعينية "يافعة" مقارنة بِقِدم الدولة البريطانية، مضيفاً: "على الأقل نحن جمهورية ولسنا نظاماً مَلكياً يعود للقرون الوسطى كنظامكم". وسخر من الديموقراطية البريطانية التي تنجب مجلساً غير منتخب، ملمّحاً إلى مجلس اللوردات البريطاني، في حين ينتخب الشعب اللبناني ممثليه. الرسالة هذه كانت بداية هذا "التفاعل" الإلكتروني الإجتماعي بين ديبلوماسي غربي ومدوّن لبناني.. أو لنقل بداية لتبادل الأدوار بين الناقد والمُنتقد، الساخر والأكثر سخرية.

السخرية اللاذعة التي كتبها شرو، لم تفتح عليه ناراً كان يمكن توقعها من الكثير من سفارات العالم، لا سيما السفارات العربية.. إلا أن فلتشر قرر الجلوس أمام كاميرا فيديو (على الأرجح كاميرا هاتفه الجوال أو حاسوبه الشخصي) ليسجّل رداً نشره عبر "يويتوب" يتوعد فيه لشرو، وقال فيه بنبرة جدية: "رسالة شرو لا تسخر من بريطانيا العظمى فقط، بل مني شخصياً. من غير المقبول أو المحتمل أن أسمح بأن يصفني شاب اسمه شرو بأني نيو- امبريالي، استعماري، واستشراقي.. لا بد من وضع حد لكذبة كهذه، وبناء عليه: لن يعلق سفراء الملكة على أي من المسائل في البلدان التي يخدمون فيها، وقد تبين لنا أن حرية الرأي فكرة سيئة للغاية. وحرس الملكة سيطرقون بابه قريباً".

الرد القاسي هذا، اختتم بجملة واحدة: في الواقع، لن أطبق أياً مما ذكرت. فبريطانيا نفسها تحتاج إلى المزيد من السخرية، والشرق الأوسط بدوره، يحتاج إلى بعض منها أيضاً.
رد مرح، ساخر، وذكي من سفير يعرف جيداً كيف يستفيد من الأدوات الأبرز للعلاقات العامة وتلمييع الصورة، أي صورة: وسائل التواصل الإجتماعي.

sharro.png
فلتشر يعلن عن رده المسجل على حسابه في "تويتر"

الرد بالفيديو، والذي اعتبره كثيرون "نقلة نوعية في العلاقات الديبلوماسية"، وبالأحرى "إلغاء للحواجز والبروتكولات، كان في الواقع فعلاً ديبلوماسياً بإمتياز، إذ نجح فلتشر بحنكة ومرونة فائقة في جذب الأنظار من شرو، ونقده. خرج إلى الجمهور بـ"عفوية"، وبرسالة متلبّسة ثوب السخرية لكنها في الوقت عينه مسبوكة، وغايتها الأساسية التباهي بحرية الرأي التي تتيحها بلاده.

لكن هذا ليس كل شيء، إذ أفرج هذا التفاعل عن وجه لبناني وعربي معروف: المَلَكية أكثر من الملك. إذ في اللحظة التي نشر فيها شرو تدوينته الساخرة، "انهالت عليه المستنكرة لإنتقاد بريطانيا والسفير (اللطيف والمرح)، من دون أن يتبادر إلى ذهن كثيرين أن النص ساخر وليس جدياً، ويسخر من لبنان ونظامه قبل أن يكون ساخراً من بريطانيا"، يقول شرو لـ"المدن"، "في حين فهم السفير نفسه مضمون التدوينة، وهضمها وعرف كيف يرد عليها بطريقته الخاصة".

الطريقة الفلتشيرية الخاصة، بحسب شرو، لا تأتي من "عدم"، أو لنقل انها ليست من "بنات أفكار" السفير وحده، إذ "يأتي هذا الهوس والاهتمام الزائد بصورة بريطانيا في عيون العالم كله، والاندفاع الدائم لتنقيح ولملمة أي نقد يوجه لها (جدياً كان أم ساخراً) للتخفيف من انعكاسات الضياع في السياسة البريطانية في العالم وفي الشرق الأوسط تحديداً"، على حد تعبير شرو.

بهذا المعنى تعتبر كل حركة "ميدياوية"، وكل تواصل "تويتري" و"فايسبوكي"، منذورة لخدمة الصورة المتكاملة عن الدولة العظمى مصدّرة الديموقراطية للعالم، والرائدة في مجال حريات الرأي والتعبير. هذا النشاط الترويجي والتلميعي ينطبق، وفقاً لشرو، على الغرب كله والذي يسعى من خلاله إلى تغطية ضياعه في شأن الكثير من ثوابته، وترميم الفوضى في أهدافه الاستراتيجية، وفي مواقف دول الغرب إزاء الكثير من القضايا والأحداث العالمية، وهو ما رأيناه بوضوح في مواقفها من الأزمة السورية". ويذكّر شرو: "لم تكن هذه الدولة العظمى لتهتم يوماً بنقد لاذع في الإعلام، في الكتب، في المدونات وغيرها، ولو أن ما كتبته، أو ما انتقده غيري، حصل منذ عشرين سنة مثلاً، ما كان التفت إليه أي سفير.. وما كان اهتم له ولا حتى بالرد عليه بسخرية أيضاً". 

لكن في المقابل، أدبيات الديبلوماسية المعاصرة، التي كشف عنها فلتشر، وبغض النظر عن مضمونها، بعيدة جداً من أداء الغالبية الساحقة من السياسيين في العالم العربي، الذين يتعاملون مع مواقع التواصل الإجتماعية كمساحات لفرد المزيد من سطوتهم على جمهورهم، ولنثر آرائهم السياسية هنا وهناك، من دون أي تواصل فعلي مع آلام ومآسي جمهورهم. فمواقع التواصل في العالم العربي ليست سوى إنعكاس للعلاقات بين الزعماء وجمهورها في العالم الحقيقي: رأي ولا رأي آخر، تقديس، تأليه، معارك وقطع طرقات لمن ينتقد ومشانق بالجملة لأي محاولات للسخرية.. بحجة الدفاع عن "الرموز الوطنية".

karl.png
شرو يرد على فلتشر

الجلبة التي تثار مع كل تقليد لشخصية السيد حسن نصر الله في برنامج كوميدي، حتى لو كان مقلَداً كضيف في مقابلة، والضجة التي تفتعل مع أي انتقاد لرجل دين (البطريرك بشارة الراعي مثلاً) لا تدل سوى إلى ذلك الخوف العميق من السخرية كيفما جاءت.

ربح شرو بإثارة الجدل حول مقالته الساخرة، وربح السفير في استغلال فرصة ذهبية "عصرية" لتلميع صورة بلاده، وكسب نقاط لصالحه على الصعيدين الشخصي والديبلوماسي، وربحنا نحن كجمهور في مواقع التواصل الإجتماعي مبارزة تفاعلية نادرة، قيمتها الفعلية في الشكل أكثر مما هي في المضمون. ويمكن للذكريات الأليمة للوجود السوري في لبنان أن تساعدنا في تخيل شكل هذه المبارزة في ما لو كتب شرو نقده هذا عن سوريا أو أجهزة مخابراتها آنذاك، أو حتى سفيرها الحالي اليوم.. ولنا أيضاً أن نتخيل كم ذات أميرية كانت لتشعر بالإهانة..