27.12.13

غريزة السبق

الشهيد محمد الشعار والأصدقاء
جهينة خالدية
27-12-2013

عيونهم مفتوحة، ولا ترف لها جفون. ها هم يتزايدون، ويتجمهرون فوق "صيد" ثمين.
ربما ذعروا من المشهد المروع لكنهم لم يذعنوا، لم يشيحوا النظر إلا بعدما أقدموا على ما تقتضيه اللحظة.
لا، لم يُقدم أي من الفضوليين على تنفيذ المتوقع في موقف كهذا، لم يخلع أي منهم وشاحه أو سترته ليغطي "الصيد".. بل رفعوا كلهم هواتفهم المحمولة، وبحركة آلية شغلوا كاميراتها ونصّبوها فوق ذلك اللحم المحروق وتلك الأوصال المقطعة.. فأمام هؤلاء مشهد "نادر"، لا بد من تأريخه!

وقفوا هناك لثوان طويلة.. قبل أن يتبعثروا بحثاً عن ضحية جديدة لتصويرها.
صيد صورة.. كان هذا هدف كثيرين ممن تجمعوا في نقطة الإنفجار الذي وقع في منطقة "ستاركو" في وسط بيروت وأودى بحياة سبعة ضحايا بينهم الوزير السابق محمد شطح ومرافقه طارق بدر.

هناك من قصد منطقة الإنفجار للمساعدة، وهناك من نزل بغية الفضول وأرشفة فضوله بصور التقطها بهاتفه المحمول. كان هناك العشرات، يتنقلون بين الركام ويمشي أمامهم هاتفهم المشغل طوال الوقت.. خوفاً من أن تهرب من أمام عدسته "قطعة" .. بشرية.
لا إرادياً يعيش كثيرون صحافة المواطن، يطبقون تلك الرغبة في نقل ما يرون، غير مكترثين لحرمة جثة، أو لأي أخلاقيات. إلى أين يأخذ هؤلاء صورهم؟ إلى وسائل الإعلام؟ إلى مواقع التواصل الإجتماعي؟ بماذا تفيد تلك الصور المصلحة العامة؟ أم أنهم يبقونها لأنفسهم في هواتفهم؟ ما الغاية من حفظ صور لجثة في هاتف؟ 

دارة الصور تدور وتكبر ككرة ثلج: هم صوروا.. ومصور محترف لإحدى قنوات التلفاز صورهم يصورون.. ونحن أمام الشاشة عدنا لنلتقط صورة لمشهدهم وهم يخترقون تلك اللحظات الأليمة.. من دون أي حس بالمسؤولية.
أمام كل إنفجار يُفتح النقاش بأخلاقيات أبناء المهنة وتغطية وسائل الإعلام لفاجعة، لكن لا بد أيضاً من نقاش اليوم عن هذا النوع من الصور "الفردية".. ألا يجوز السؤال عن تلك الرغبة الجامحة في التأريخ.. حتى أمام الموت؟

الإفراط في خرق حرمة الضحايا وفي إستعراض الألم لا فائدة له.. ولا ينتج عنه إلا جروح قاسية في ذاكرة عائلة الضحية، وشفقة من المستنكرين.. وتشفي من المغرضين.
لقطات كثيرة نقلت من هواتف المارة المحمولة إلى الشاشات أثبتت ضرورتها، وعرضت زوايا مختلفة للتفجير في لحظاته الأولى.. لكن يبقى مشهد أولئك الشبان المجمدين أمام الجثة المحروقة خال من الإنسانية. وكأنهم رجال آليون تحركهم التكنولوجيا وتحكمهم غريزة السبق.. أي سبق.

ch-3.png
***

ينبش الإعلام الإجتماعي، في وقت قياسي، ما يعجز أي باحث أو صحافي في وسيلة إعلامية كبيرة أو صغيرة على نبشه.
أمامنا على كل الشاشات راحت تعرض صورة لشاب بسترة حمراء ينزف دماً.
الشاب ملقى في وسط الشارع، لا أحد يعرف كيف وصل إلى هنا؟ أين كان منذ قليل؟ إلى أين يتجه؟ ترى أين كان لحظة الإنفجار؟ الأسئلة هذه طرحناها على أنفسنا ونحن نشاهد ضحايا التفجير موزعين في كل الشارع.. أتراهم كانوا يمرون هناك صدفة؟ أم يعيشون في أحد المباني الفارهة؟ أم أنهم يعملون في إحدى المؤسسات القريبة؟

وحدها قصة صاحب السترة الحمراء محمد الشعار عُرفت في وقت قصير بفضل صورة تجمعه ورفاقه الثلاثة ربيع يوسف واحمد المغربي وعمر بكداش، التقطت قبل دقائق من وقوع الإنفجار.
صباح هذا اليوم كان  محمد هناك يبتسم للكاميرا، ولا يعرف أن هذه الابتسامة ستهتز عما قليل.
صورتان جمعتا في واحدة تداولها عشرات من  مستخدمي مواقع التواصل: صورته ورفاقه قبل الانفجار، وتلك التي كان فيها ينزف وحيداً في وسط الشارع. والآن، محمد في حال حرجة في المستشفى، فيما تشير المعلومات إلى إصابة الأصدقاء بجروح متوسطة وطفيفة..

سواء صدقت المعلومات التي تشير إلى أن سيارة الرباعية الدفع الـ"سي أر في" التي تظهر في خلفية صورة الشبان الأربعة، هي السيارة التي حملت المتفجرات، أم لم تصدق.. فإن صورة واحدة كصورة الأصدقاء الباسمين تغيّر الكثير..هناك، في تلك اللحظة، بات للأرشفة اللحظوية معنى وسياق.. معنى لإبتسامات نرجوها دائمة.

***
نسمع اللهاث ولا نرى إلا الركام. هناك من يصور بهاتفه المحمول ويركض بإتجاه مكان الانفجار.
لا يتركنا مصور ذلك الفيديو  نغرق في فضولنا لوقت طويل.. ها هو يدير زاوية الكاميرا ناحية وجهه كإثبات على هوية ملتقط هذه اللحظات الأولى للإنفجار.

يتوقف الشاب أمام سيارة أجرة مرسيدس النوع وبرتقالية اللون. يلتقط صراخ شبان يدعون إلى مساعدة من في السيارة. يتركهم ويمضي، بإتجاه جثة رجل ستيني ملقى وسط الطريق رُجح أنها تعود للوزير شطح، يصوره سريعا ويمضي. يستمر في المشي، يتوقف أمام جثة لشاب مصاب في الرأس ويلبس سترة حمراء. يصوره ويصور أمامه رجلاً يصرخ "ساعدونا، عم تصوروا، ساعدونا".. لا يكترث له.. صوت أحدهم في الخلفية (قد يكون صاحب الفيديو) يجيب معترضاً: "لِك بشو بدنا نساعدك!".

لقطات متتالية يسجلها فيديو الهاتف المحمول، للزجاج المهشم، للنار المشتعلة، للسيارات المحترقة، للدخان المتصاعد.. ويتابع صاحبه تغطيته لحين وصول سيارات الاسعاف وبعدها عناصر الأدلة الجنائية..
بعد وقت قصير يصل الفيديو إلى "قناة الجديد" وتعرضه كخاص بها مع ذكر اسم مصوره جواد غدار. الخراب جُمع في فيديو من دقائق خمس، أطلعنا على اللحظات الأولى للتفجير.. بسبب جهد فردي من مواطن مار قدم لنا سرداً بصرياً للانفجار.. وكان في الفيديو ذلك يقول إنه حاضر أكثر من أي كاميرا محترفة أخرى، أسرع من أي وسيلة إعلامية تقليدية.. ويقول في تصوير وجهه أنه مالك تلك اللقطات الحصرية ووجهه اثباته الأساس.

لكنه في جهده ذلك أيضاً، ليس متحرراً من قيم أخلاقية مفروضة على المواطن كما هي على الصحافي، فغدار خرق في صوره تلك، الكثير من المبادئ وترك الكثير من الجرحى ولحق الصورة والدم الطازج الذي جُمّد في صور، كانت ستخرج عاجلاً أم آجلاً من كاميرات المراقبة في المنطقة. لكن الشاب قرر أن يمنحنا فعل سرعته، وها نحن نشاهد صوره الآن، ونسأل أنفسنا، هل الصورة أهم؟ أم إنقاذ مَن يمكن إنقاذه؟ أم السبق حتى إلى الموت؟
المصدر:جهينة خالدية-المدن

26.12.13

صوِّر.. وثِّق كيف نمحو الدولة


جهينة خالدية
26-11-2014


تلك الأنياب كشفت سريعاً.. كالغريزة. لم يردعها شيء. لم يردعها أحد. كل هؤلاء الذي انقضوا على رياض قبيسي وفريق تلفزيون "الجديد" كانوا يريدون شيئاً واحداً: أن يأكلوه. أن يُمسكوا ذلك الفك ويهشموه، علّ صاحبه يسكت.
تلك الأيادي تتحول إلى قبضات من حديد، تضرب بوقاحة، بلا تردد، أمام الكاميرات.. لا بل تدعوها أن تصوّر.
"صوّر.. صوّر" يقول مُطلِق شرارة الهجوم على الزميل رياض قبيسي وفريق تصوير برنامج "تحت طائلة المسؤولية".

"صوّر.. صوّر".. وثِّق أنه لا يخيفنا شيء. وثّق كيف نمحو الدولة. وثّق كيف ندعس القانون. وثّق كيف نركل. وثّق كيف نضرب الوجوه. كيف نُسكت من يبحث عن أي فساد، مهما كانت طريقته. وثّق كيف ندعم انهيار النظام. وثّق الدرك الذي وصلنا إليه. أننا خائفون من الكلمة. أننا نرتعب من فضح جرائمنا. وثّق أننا شرسون. أننا لا نهاب أحداً. وثّق.. هكذا تكون البرامج الاستقصائية.. صوّر، وثّق،...

هذا الذي يُضرب ويُركل، ويكبله "أزلام" من الحرس، هو إنسان، مواطن ومن ثم صحافي. هو زميل رفع الصوت. زميل أغضبهم. زميل أخرج الشرّ فيهم.. لمجرد أنه وقف هناك، وحمل مكبر الصوت ونادى.
"لبنان بلد الحريات"، هذا الشعار الهزيل، الذي تحسدنا عليه الدول العربية.. وتغرّد له دول الغرب.. ليس سوى بلد دعس الحريات.
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. هذا ما أراد صاحب دعوة "صوّر.. صوّر" أن يقوله. أراد أن يُرهب رياض، ويرهب من يُفكر بعده بالتنقيب عن الفساد.. الذي لا يحتاج إلى كثير من التنقيب.

اللكمات، الصفعات، الركلات، الصراخ، السباب، سيل الشتائم، الإهانات، التدافع، هطلت على فريق "الجديد"، هطلت على الإعلام برمته. لكن من أنتم لتعتدوا على الاعلام؟ من أنتم لتعتدوا على أي إنسان؟ من أعطاكم الحق؟ 
"سلبطة".. هذه هي الكلمة الأدق لما جرى اليوم، ولما يجري منذ سنوات طويلة في حق المواطنين وفي حق الصحافيين وفي حق لبنان. "سلبطة" الكلمة المفتاح في لبنان.

هؤلاء الحرس المحشوّون بالإستزلام حد العمى، خنقتهم تلك الكاميرات، خنقهم أن القانون والمحاكمات لم تعد تقوى على إسكات صحافيين يخرقون أسرار الدوائر العامة بحثاً عن حقيقة.. في الواقع، لم يُفكر هؤلاء أصلاً باللجوء إلى القضاء للتعامل مع رياض (إن كان هناك من خطأ مهني)، ومع كل من يحاول أن يفضح (ولو القليل القليل) من منتفعاتهم من الصفقات الكبرى والضخمة التي تجري هناك. كل ما فكر فيه هؤلاء هو الرد بوحشية.. لماذا؟ لأنهم استفزوا!
لا، حتى هذه الجملة الأخيرة ليست صحيحة.. هؤلاء لم يُفكروا أصلا. هؤلاء لا يفكرون.. هؤلاء يتوحشون فقط.

24.12.13

فائض الصورة

جهينة خالدية
نُشر في جريدة المدن الإلكترونية

Screenshot_2013-12-23-20-41-16-1-(1).pngيوماً تلو الآخر تقل مناعتنا على "السوشال ميديوية". كلما ظننا أننا وجدنا ضالتنا التواصلية في موقع أو في موقعين يشبعاننا معلوماتياً وتواصلياً وفضولياً وتعبيرياً، وجدنا موقعاً ثالثاً ورابعاً يزداد إنتشاراً ويشعرنا أننا "مقصرون" في حقه وفي حق قدراتنا التواصلية.

إدماننا "الفايسبوكي"، تغيّر مع ارتفاع أسهم "تويتر" كموقع مباشر، سريع، ولنقل السهل الممتنع. بين الموقعين راح كثير منا ينشر كلماته وتعليقاته ونقده ومدحه وتحياته.. وبقيت لكل منا صلة خاصة بكل موقع دون الآخر. تاه بعضنا لوهلة، ماذا نكتب في "فايسبوك" وماذا نغرد في "تويتر"؟ أنشارك التعليقات نفسها؟ أنلاحق الأشخاص عينهم؟ أيشبعنا كل من الموقعين بالمقدار نفسه خبرياً وإجتماعياً؟



بين الإثنين.. وزعنا أنفسنا، لكن كثيراً منا وجد في مواقع مثل "إنستغرام" و"بينتريست" و"فليكر" ركنه الهادئ.. هناك حيث الصورة هي الآمر الناهي. 
هنا، الصورة لم تعد بألف كلمة. الصورة مكان الكلمة. وحدها من دون أي هاشتاغ (مفتاح) أحياناً أو رابط أو كلمات، تحكي كل شيء. الصورة هي نتاجنا اليومي الذي نُدمنه بفضل أجهزة الهاتف الذكية. وهي مستقبل الإعلام الإجتماعي الذي يعتمد يوما تلو الآخر على الصور ويبتكر مساحات وخدمات تسهل نشرها والتفاعل معها وأرشفتها.



بلا تفكير كثير، نحمل الهاتف، نلتقط الصورة، وننشرها.. ويفعل الأمر عينه ملايين البشر. ويبقى مستوى حرفيتنا وتواصلنا هو الذي يحدد الموقع أو المواقع التي ننشر صورنا عليها، إلا أننا بطريقة أو بأخرى نساهم في هذا الدفق الصوري الهائل الذي يصل في "فايسبوك" وحده إلى 250 مليار صورة، وأكثر 350 مليون صورة يتم مشاركتها يوميا في "سناب تشات"، وأكثر من مليار صورة محفّظة في "إنستغرام".



لكل موقع من المواقع المذكورة أعلاها خاصيته في ما يتعلق بالصورة، لكن "إنستغرام"- الذي يأبى الشريك في تأسيسه كيفين سيستروم أن يصفه بموقع الصور فقط، ويعتبره أرضية خصبة للتواصل-، قد يكون الأكثر إزدهاراً اليوم لا سيما لكثير من العلامات التجارية والمشتغلين في عالم التسويق.. لكنه أيضاً فسحة واسعة جداً لـ"السيلفي" أو الصور التي نلتقطها لأنفسنا، ولنوثق الكثير من لحظات حياتنا.. الكثير لدرجة ربما أكثر مما نحتاج؟ أكثر مما نحب؟ أكثر مما ينبغي؟



في الواقع، تبقى الأسئلة السابقة جائزة ومن دون إجابات موحدة مع عالم ديناميكي، يشغل بال كثير من المتخصصين الذي يحللون كل يوم معاييره وتغييراته وخصوصية الفرد فيه. خصوصية ينقص منها كل يوم جانب، مع انغماسنا أكثر فأكثر في "السوشال ميديا" وضياعنا في مبادئ تضعها إدارات المواقع وتعود لتلتف عليها (راجع أحمد مغربي في المدن: "Selfie وانكشاف الفرد").



ذلك المربع الصغير الذي يتوسط صفحات محركات البحث، كان نافذتنا على عالم الويب ومواقعه ومعلوماته. ولطالما لجأ كثير منا إلى إستخدامه للبحث عن أمور بسيطة، فقط من باب فضول معرفة عدد النتائج التي يمكن أن نحصل عليها.. كأن يكتب أحدهم كلمة "حب" أو "الله" أو حرف "الواو" أو اسم بلده أو اسمه أو اسم شاعره أو نجمه المفضل، وكل ذلك لنرى تلك الأعداد ترصف أمامنا لتشير إلى إحتواء الويب على 30 مليون نتيجة لكلمة "حب" مثلاً، وتم العثور عليها في خلال نصف ثانية!



اليوم، تتوزع محركات البحث عينها في كل مواقع التواصل الإجتماعي، وما إن نطبع الكلمة المفتاح في "إنستغرام" مثلاً، حتى تكر أمامنا مليارات النتائج لصور غريبة، عجيبة، مفيدة، مملة، دالة، بلا أي معنى.. صور لأحذية، لوجوه، لمستحضرات تجميل، لمعالم سياحية، لسيارات، لأطباق، لعائلات، لأضواء، لزينة، لمفرقعات، لغروب الشمس وشروقها.. صور للأب فرنسيس، لإنتخابات، للطفل الملكي، لفياضانات، لجرحى وضحايا في سوريا، لرقصة "الهارلم شايك"، للمغنية الشابة المثيرة للجدل مايلي سايرس، لنيلسون مانديلا.. صور لأي شيء، ولكل شيء.



ونحن بين هذه المليارات نسبح، نتفرج، نشبع فضولنا ونعود لنتوه في فائض الصور الذي يغرقنا لكن في الوقت عينه لا يُشبعنا، كون الكثير من الصور لا يحمل معنى بعينه، أولا يروي قصة أو لا ينقل خبراً، كما نجد في الصور الخبرية في وكالات الأنباء أو وسائل الإعلام.. أو لأنها ببساطة غير منظمة أو مبوبة بتفصيل أكبر..




إذن، يحق للمرء أن يسأل عن جدوى هذا الدفق الصوري؟ هل يغنينا؟ هل يغني المعرفة؟ هل يوثق اللحظة (كل لحظة؟)، هل يخدم المجتمع؟ هل يؤرخ الحاضر ويخدم المستقبل؟ ويحق للمرء أيضاً أن يسأل عن الغاية من عرض أنفسنا بهذا الانفتاح أو التحرر من أي من ضوابط الخصوصية الفردية..



هناك من يتسلى وسط هذه المحيطات الصورية، وهناك من يستفيد ليروج لأفكاره أو يسرق بعضا من أفكار الآخرين أو موضتهم أو أساليب حياتهم.. وهناك مشاريع حللت أن توثيق العالم بصور مليارات المصورين في أصقاعه تساعد في إعادة إنتاج واقع أكثر إقناعا (مشروع مايكروسفت فوتوسينث للصور الثلاثية الأبعاد)..



مؤخراً، قرر الفنان الفرنسي توماس جوليان إنتاج فيلم قصير (1:46) مستخدماً صور 852 شخصاً في "إنستغرام". وفي فيلمه الذي يأخذنا في رحلة إلى باريس، برلين، أميركا، سيدني، يرتب جوليان الدفق، أو لنقل، فوضى إنستغرام، ويجمع عشرات الصور لأناس صوروا أحذيتهم كتدليل على الإنطلاق في نهار طويل ويجول بنا عبر وسائل النقل المختلفة (درجات هوائية، نارية، قطارات، سيارات، طائرات، باصات) في كل العالم.



في فيلم "إنستغرام" راحت الصور تكرج في حركة سريعة وكأنها تعيد نفسها، إنما في الواقع ليست إلا تجميعاً لمئات الصور التي إلتقطتها مجموعات من الأشخاص في الأماكن عينها.. وشكلوا بعد جمعهم فيلماً قصيراً شارك فيه 852 شخصاً التقطوا 852 صورة في أماكن متفرقة وأوقات مختلفة ومن زوايا عديدة. وكأن صورتنا المتخيلة أو حتى المعاشة عن الواقع عينه يعاد إنتاجها تكراراً من وجهات نظر متنوعة.. وكأن جوليان يقول إن كل ذلك الإنهمار الصوري الفوضوي لا معنى له إن لم يُرتب أو يوضع في سياق أعم، وأوضح.. وقد يجوز تطبيق القول نفسه على مليارات الصور الأخرى المنثورة في محركات البحث ومواقع التواصل الإجتماعي.



..وحتى تلك الصور العائلية القديمة المجموعة عشوائياً في ألبومات موزعة في بيوت أفراد العائلة الواحدة.. قد لا تروي كل منها قصة واحدة دقيقة، إلا إذا أعيد جمعها وترتيبها وقص قصتها، وإلا بقيت مبعثرة بصيغة شبيهة جداً بتلك المليارات التائهة في عوالم السوشال ميديا..