24.12.13

فائض الصورة

جهينة خالدية
نُشر في جريدة المدن الإلكترونية

Screenshot_2013-12-23-20-41-16-1-(1).pngيوماً تلو الآخر تقل مناعتنا على "السوشال ميديوية". كلما ظننا أننا وجدنا ضالتنا التواصلية في موقع أو في موقعين يشبعاننا معلوماتياً وتواصلياً وفضولياً وتعبيرياً، وجدنا موقعاً ثالثاً ورابعاً يزداد إنتشاراً ويشعرنا أننا "مقصرون" في حقه وفي حق قدراتنا التواصلية.

إدماننا "الفايسبوكي"، تغيّر مع ارتفاع أسهم "تويتر" كموقع مباشر، سريع، ولنقل السهل الممتنع. بين الموقعين راح كثير منا ينشر كلماته وتعليقاته ونقده ومدحه وتحياته.. وبقيت لكل منا صلة خاصة بكل موقع دون الآخر. تاه بعضنا لوهلة، ماذا نكتب في "فايسبوك" وماذا نغرد في "تويتر"؟ أنشارك التعليقات نفسها؟ أنلاحق الأشخاص عينهم؟ أيشبعنا كل من الموقعين بالمقدار نفسه خبرياً وإجتماعياً؟



بين الإثنين.. وزعنا أنفسنا، لكن كثيراً منا وجد في مواقع مثل "إنستغرام" و"بينتريست" و"فليكر" ركنه الهادئ.. هناك حيث الصورة هي الآمر الناهي. 
هنا، الصورة لم تعد بألف كلمة. الصورة مكان الكلمة. وحدها من دون أي هاشتاغ (مفتاح) أحياناً أو رابط أو كلمات، تحكي كل شيء. الصورة هي نتاجنا اليومي الذي نُدمنه بفضل أجهزة الهاتف الذكية. وهي مستقبل الإعلام الإجتماعي الذي يعتمد يوما تلو الآخر على الصور ويبتكر مساحات وخدمات تسهل نشرها والتفاعل معها وأرشفتها.



بلا تفكير كثير، نحمل الهاتف، نلتقط الصورة، وننشرها.. ويفعل الأمر عينه ملايين البشر. ويبقى مستوى حرفيتنا وتواصلنا هو الذي يحدد الموقع أو المواقع التي ننشر صورنا عليها، إلا أننا بطريقة أو بأخرى نساهم في هذا الدفق الصوري الهائل الذي يصل في "فايسبوك" وحده إلى 250 مليار صورة، وأكثر 350 مليون صورة يتم مشاركتها يوميا في "سناب تشات"، وأكثر من مليار صورة محفّظة في "إنستغرام".



لكل موقع من المواقع المذكورة أعلاها خاصيته في ما يتعلق بالصورة، لكن "إنستغرام"- الذي يأبى الشريك في تأسيسه كيفين سيستروم أن يصفه بموقع الصور فقط، ويعتبره أرضية خصبة للتواصل-، قد يكون الأكثر إزدهاراً اليوم لا سيما لكثير من العلامات التجارية والمشتغلين في عالم التسويق.. لكنه أيضاً فسحة واسعة جداً لـ"السيلفي" أو الصور التي نلتقطها لأنفسنا، ولنوثق الكثير من لحظات حياتنا.. الكثير لدرجة ربما أكثر مما نحتاج؟ أكثر مما نحب؟ أكثر مما ينبغي؟



في الواقع، تبقى الأسئلة السابقة جائزة ومن دون إجابات موحدة مع عالم ديناميكي، يشغل بال كثير من المتخصصين الذي يحللون كل يوم معاييره وتغييراته وخصوصية الفرد فيه. خصوصية ينقص منها كل يوم جانب، مع انغماسنا أكثر فأكثر في "السوشال ميديا" وضياعنا في مبادئ تضعها إدارات المواقع وتعود لتلتف عليها (راجع أحمد مغربي في المدن: "Selfie وانكشاف الفرد").



ذلك المربع الصغير الذي يتوسط صفحات محركات البحث، كان نافذتنا على عالم الويب ومواقعه ومعلوماته. ولطالما لجأ كثير منا إلى إستخدامه للبحث عن أمور بسيطة، فقط من باب فضول معرفة عدد النتائج التي يمكن أن نحصل عليها.. كأن يكتب أحدهم كلمة "حب" أو "الله" أو حرف "الواو" أو اسم بلده أو اسمه أو اسم شاعره أو نجمه المفضل، وكل ذلك لنرى تلك الأعداد ترصف أمامنا لتشير إلى إحتواء الويب على 30 مليون نتيجة لكلمة "حب" مثلاً، وتم العثور عليها في خلال نصف ثانية!



اليوم، تتوزع محركات البحث عينها في كل مواقع التواصل الإجتماعي، وما إن نطبع الكلمة المفتاح في "إنستغرام" مثلاً، حتى تكر أمامنا مليارات النتائج لصور غريبة، عجيبة، مفيدة، مملة، دالة، بلا أي معنى.. صور لأحذية، لوجوه، لمستحضرات تجميل، لمعالم سياحية، لسيارات، لأطباق، لعائلات، لأضواء، لزينة، لمفرقعات، لغروب الشمس وشروقها.. صور للأب فرنسيس، لإنتخابات، للطفل الملكي، لفياضانات، لجرحى وضحايا في سوريا، لرقصة "الهارلم شايك"، للمغنية الشابة المثيرة للجدل مايلي سايرس، لنيلسون مانديلا.. صور لأي شيء، ولكل شيء.



ونحن بين هذه المليارات نسبح، نتفرج، نشبع فضولنا ونعود لنتوه في فائض الصور الذي يغرقنا لكن في الوقت عينه لا يُشبعنا، كون الكثير من الصور لا يحمل معنى بعينه، أولا يروي قصة أو لا ينقل خبراً، كما نجد في الصور الخبرية في وكالات الأنباء أو وسائل الإعلام.. أو لأنها ببساطة غير منظمة أو مبوبة بتفصيل أكبر..




إذن، يحق للمرء أن يسأل عن جدوى هذا الدفق الصوري؟ هل يغنينا؟ هل يغني المعرفة؟ هل يوثق اللحظة (كل لحظة؟)، هل يخدم المجتمع؟ هل يؤرخ الحاضر ويخدم المستقبل؟ ويحق للمرء أيضاً أن يسأل عن الغاية من عرض أنفسنا بهذا الانفتاح أو التحرر من أي من ضوابط الخصوصية الفردية..



هناك من يتسلى وسط هذه المحيطات الصورية، وهناك من يستفيد ليروج لأفكاره أو يسرق بعضا من أفكار الآخرين أو موضتهم أو أساليب حياتهم.. وهناك مشاريع حللت أن توثيق العالم بصور مليارات المصورين في أصقاعه تساعد في إعادة إنتاج واقع أكثر إقناعا (مشروع مايكروسفت فوتوسينث للصور الثلاثية الأبعاد)..



مؤخراً، قرر الفنان الفرنسي توماس جوليان إنتاج فيلم قصير (1:46) مستخدماً صور 852 شخصاً في "إنستغرام". وفي فيلمه الذي يأخذنا في رحلة إلى باريس، برلين، أميركا، سيدني، يرتب جوليان الدفق، أو لنقل، فوضى إنستغرام، ويجمع عشرات الصور لأناس صوروا أحذيتهم كتدليل على الإنطلاق في نهار طويل ويجول بنا عبر وسائل النقل المختلفة (درجات هوائية، نارية، قطارات، سيارات، طائرات، باصات) في كل العالم.



في فيلم "إنستغرام" راحت الصور تكرج في حركة سريعة وكأنها تعيد نفسها، إنما في الواقع ليست إلا تجميعاً لمئات الصور التي إلتقطتها مجموعات من الأشخاص في الأماكن عينها.. وشكلوا بعد جمعهم فيلماً قصيراً شارك فيه 852 شخصاً التقطوا 852 صورة في أماكن متفرقة وأوقات مختلفة ومن زوايا عديدة. وكأن صورتنا المتخيلة أو حتى المعاشة عن الواقع عينه يعاد إنتاجها تكراراً من وجهات نظر متنوعة.. وكأن جوليان يقول إن كل ذلك الإنهمار الصوري الفوضوي لا معنى له إن لم يُرتب أو يوضع في سياق أعم، وأوضح.. وقد يجوز تطبيق القول نفسه على مليارات الصور الأخرى المنثورة في محركات البحث ومواقع التواصل الإجتماعي.



..وحتى تلك الصور العائلية القديمة المجموعة عشوائياً في ألبومات موزعة في بيوت أفراد العائلة الواحدة.. قد لا تروي كل منها قصة واحدة دقيقة، إلا إذا أعيد جمعها وترتيبها وقص قصتها، وإلا بقيت مبعثرة بصيغة شبيهة جداً بتلك المليارات التائهة في عوالم السوشال ميديا..

ليست هناك تعليقات: