26.12.13

صوِّر.. وثِّق كيف نمحو الدولة


جهينة خالدية
26-11-2014


تلك الأنياب كشفت سريعاً.. كالغريزة. لم يردعها شيء. لم يردعها أحد. كل هؤلاء الذي انقضوا على رياض قبيسي وفريق تلفزيون "الجديد" كانوا يريدون شيئاً واحداً: أن يأكلوه. أن يُمسكوا ذلك الفك ويهشموه، علّ صاحبه يسكت.
تلك الأيادي تتحول إلى قبضات من حديد، تضرب بوقاحة، بلا تردد، أمام الكاميرات.. لا بل تدعوها أن تصوّر.
"صوّر.. صوّر" يقول مُطلِق شرارة الهجوم على الزميل رياض قبيسي وفريق تصوير برنامج "تحت طائلة المسؤولية".

"صوّر.. صوّر".. وثِّق أنه لا يخيفنا شيء. وثّق كيف نمحو الدولة. وثّق كيف ندعس القانون. وثّق كيف نركل. وثّق كيف نضرب الوجوه. كيف نُسكت من يبحث عن أي فساد، مهما كانت طريقته. وثّق كيف ندعم انهيار النظام. وثّق الدرك الذي وصلنا إليه. أننا خائفون من الكلمة. أننا نرتعب من فضح جرائمنا. وثّق أننا شرسون. أننا لا نهاب أحداً. وثّق.. هكذا تكون البرامج الاستقصائية.. صوّر، وثّق،...

هذا الذي يُضرب ويُركل، ويكبله "أزلام" من الحرس، هو إنسان، مواطن ومن ثم صحافي. هو زميل رفع الصوت. زميل أغضبهم. زميل أخرج الشرّ فيهم.. لمجرد أنه وقف هناك، وحمل مكبر الصوت ونادى.
"لبنان بلد الحريات"، هذا الشعار الهزيل، الذي تحسدنا عليه الدول العربية.. وتغرّد له دول الغرب.. ليس سوى بلد دعس الحريات.
ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة. هذا ما أراد صاحب دعوة "صوّر.. صوّر" أن يقوله. أراد أن يُرهب رياض، ويرهب من يُفكر بعده بالتنقيب عن الفساد.. الذي لا يحتاج إلى كثير من التنقيب.

اللكمات، الصفعات، الركلات، الصراخ، السباب، سيل الشتائم، الإهانات، التدافع، هطلت على فريق "الجديد"، هطلت على الإعلام برمته. لكن من أنتم لتعتدوا على الاعلام؟ من أنتم لتعتدوا على أي إنسان؟ من أعطاكم الحق؟ 
"سلبطة".. هذه هي الكلمة الأدق لما جرى اليوم، ولما يجري منذ سنوات طويلة في حق المواطنين وفي حق الصحافيين وفي حق لبنان. "سلبطة" الكلمة المفتاح في لبنان.

هؤلاء الحرس المحشوّون بالإستزلام حد العمى، خنقتهم تلك الكاميرات، خنقهم أن القانون والمحاكمات لم تعد تقوى على إسكات صحافيين يخرقون أسرار الدوائر العامة بحثاً عن حقيقة.. في الواقع، لم يُفكر هؤلاء أصلاً باللجوء إلى القضاء للتعامل مع رياض (إن كان هناك من خطأ مهني)، ومع كل من يحاول أن يفضح (ولو القليل القليل) من منتفعاتهم من الصفقات الكبرى والضخمة التي تجري هناك. كل ما فكر فيه هؤلاء هو الرد بوحشية.. لماذا؟ لأنهم استفزوا!
لا، حتى هذه الجملة الأخيرة ليست صحيحة.. هؤلاء لم يُفكروا أصلا. هؤلاء لا يفكرون.. هؤلاء يتوحشون فقط.

ليست هناك تعليقات: