12.1.14

افتحوا عيونكم على سوريا.. أو تفضلوا تفرجوا


من فيلم "افتحوا عيونكم على سوريا" بالتعاون مع "اليونيسف"
جهينة خالدية
12-1-2014












ماذا يحصل لو فتحنا عيوننا على المأساة السورية؟ ماذا يحصل لو رأينا تلك المجاعة بالصور الفوتوغرافية والأخبار والفيديوهات؟ ماذا يحصل إن بكينا؟ لا بل ماذا يحصل إن أجهشنا في البكاء ورددنا "يا رب لطفك"؟ هل تراهم يا الله؟


عاجزون أمام صورة آلاء المصري. أمام ذلك الجسد الخشبي الذي تبحث عدسة الكاميرا عن ملامح طفلة فيه ولا تجد. تقترب، تبعتد، تهتز علها ترى في جلدها، أو شفتيها أو عينيها أو يديها، ما يوحي بأن هذا الجسد يعود إلى كائن صغير دبت فيه الحياة يوماً. لا فرق كبيراً بين صور آلاء وصور العجزة في المشاهد التالية. كلهم أفواههم مفتوحة إلى السماء بإنتظار كسرة خبز أو مصل أو ماء. كلهم عيونهم جاحظة وكانت آخر ما رأته تفاهة عالم لم يستطيع أن يوصل لهم "كمشة" طحين.


الطفلة الشهيدة آلاء المصري
ليس جسداً حيّاً ذاك الذي حملته المرأة في تقارير نشرات الأخبار. لم تكن آلاء قد استشهدت بعد، لكن لا شيء فيها كان يوحي بأنها على قيد الحياة. غلب الجوع آلاء وقتلها بعدما أصيبت بالجفاف وسوء التغذية، ما أدى إلى قصور كلوي، نتيجة الحصار المفروض على مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في سوريا. تركها كقطعة خشبية قاسية، يعلوها رأس ثقيل. تحركها المرأة أمام الكاميرا وتردد "خليهم حكام العرب يتفرجوا علينا، منشكيهم لله، شوفوا الأطفال، طفلة ما قبلوا يمرروها على الحواجز، تفضلوا هيدي الطفلة، تفرجوا عليها".


والعالم يتفرج. في الواقع هذا كل ما يفعله  العالم. هذا كل ما نفعله، وستشكونا آلاء جميعاً، لا الحكام فقط. آثمون نحن، وأضعف الإيمان أن نعترف بآثامنا، لأن كل ما فعلنا أننا بكينا، واكتأبنا وبتنا نشيح نظرنا عن صور اليرموك لقسوتها، ولأننا كتبنا على جدراننا ونَعينا، ربما تبرعنا ببعض الثياب.. وعدنا إلى حياتنا الطبيعة، بعدما "أرحنا" ضمائرنا. أكملنا حيواتنا، أكلنا وتفرجنا. كلنا شريك في المجاعة..


لا أحد يستطيع أن ينكر أن ناشطين كثيرين يعملون في ملف الإغاثة في الأزمة السورية، منهم من لا يغيث إلا حسابه المصرفي ويزيد أرقامه، ومنهم من يدفع من جيبه الخاص، وربما يخاطر بحياته ليوصل بعض الطعام والثياب.. ونعرف أن برامج عدة تحاول أن تتواصل مع الطرفين المتصارعين لتجد طريقة لكسر الحصار ببضعة أكياس طحين وعبوات الحليب.. لكن أمام كل التقارير العالمية أو الإقليمية أو المحلية التي تفند مساعداتها لسوريا، لا يسعنا إلا أن نقول: لا يهمنا. لا شأن لنا ببرامجكم، نهتم فقط لذلك الوجه الأصفر الذي مات ونحن نجلس أمام الشاشات نتأمله يموت، ببرودة ما كنا نعرف أنها كامنة فينا. نشاهد الفيديوهات المتلاحقة التي يريدنا النظام وميليشياته أن نحفظ جيداً لنرتدع والتي يسعد لخروجها إلى العلن ليقول مجدداً إن هذا مصير من يحاربه.


لن نعرف يوماً رقم آلاء في عداد الشهداء، فالجهة الأولى (الأمم المتحدة) المفترض أن توثق كل هذا الموت تعبت، وقررت أن تتوقف عن العد. ما هذا التخلي يا الله؟ العدّ توقف، والقتل مستمر. كيف؟ العدّ توقف والعدّاد الوحيد الذي يزيد ويزيد هو عدد المشاهدات لفيديوهات القتل والتعذيب والتجويع، لماذا؟ لأننا نتفرج.


un3.png
من فيلم "افتحوا عيونكم على سوريا" بالتعاون مع "اليونيسف"
لأننا نفتح عيوننا على المأساة السورية كما طلب منا الفيديو الذي أطلق قبل أسابيع بالتعاون مع "اليونيسف". الفيديو الذي شارك مجموعة من النجوم والموسيقيين البريطانيين، بينهم سفير "اليونيسيف"، الممثل إيوان ماكريغور، وأطلق تحت عنوان "لا مكان مثل البيت"، يريد أن يلفت أنظار العالم إلى معاناة الأطفال السوريين طالباً دعمهم والتبرع لحملة شراء الثياب الشتوية لهم. فعلاً لا مكان كالبيت للسوريين ولأي لاجئ في العالم.. لكن السوريين اليوم، يريدون السقف ويريدون الثياب ويريدون قبل ذلك بعض الطعام، ويريدون تحركاً دولياً فعلياً لا مجموعة من الفيديوهات المؤثرة التي تُنتج سوريا يومياً أقسى منها، وأكثر واقعية ومأسوية وتأثيراً.


هكذا ونحن نشاهد فيلم الدعم، نفتح عيوننا على هذه المأساة جيداً، نشعر أن "اليونيسف" نفسها وكل المنظمات الدولية التي تحاول أن توعي العالم على الأزمة السورية بفيديوهات وشرائط توعوية.. هي سبب رئيسي لهذه المأساة، وطالما أنها مقصرة في ايجاد الحلول وتأمين الإغاثة، فما عليها إلا أن تتحول إلى جمعية للفنون يمكن أن يكافئها العالم على أفلامها الإنسانية.



تنتهي الموسيقى الحزينة لشريط "اليونيسف"، لكن تبقى جملة الطفلة في "برومو" من انتاج "فجر برس" وهي تكرر "نحنا رح نموت أبقوا اتذكرونا" عالقاً طويلاً في الذهن. ويُجفل صوت المرأة التي تصرخ "نحن عم ناكل أكل البقر، ونحن عم نحوش أكل الحمير عم ننقنص، بدنا جمعية الرفق بالحيوان، لك ما بدنا انسان". ويعود صوت الممثل العالمي ليقول للعالم "افتح عينيك على سوريا"، دعوة لا تختلف كثيراً عن المرأة التي حملت آلاء وهي تعلن "تفضلوا هيدي الطفلة، تفرجوا"، لكن الفرق أن الدعوة الأولى تخرج برعاية منظمة يُفترض أن تحدّ من المأساة، والدعوة الثانية تأتي من شعب يعيشها.. ونحن نتفرج.. ونكتب نص كهذا، الذي نعرف أنه ليس سوى دليل إضافي عن العجز.
المصدر:جهينة خالدية-المدن



1510772_575096712566192_1113971019_n.jpg

"الراس" يحملنا إلى كوكب الفيحاء

مازن السيد

جهينة خالدية
12-12-2013


لا نعرف هذه المدينة، أو ما عدنا نعرفها.
زحمة، متاجر صغيرة، باصات، أناس يتجولون في الشوارع، مشاهد متقطعة للبرتقال فاكهة المدينة ورمزها، صيادون، شباك ومينا.. لا نعرف الكثير عن هذه الطرابلس.. لكن مازن السيد وشباب من جيله وربما أصغر، ما زالوا حتى اليوم يشعرون بنبض الشمال، وإن خفت تحت اللحى، وإن طغى عليه صوت الرصاص.

طرابلس مازن السيد غير تلك التي نراها في الاعلام كل يوم. طرابلس الملتحين والمنع، طرابلس الحرب، طرابلس الموت.. طرابلس الشوارع الفارغة، طرابلس الحياة المكبوتة.. الزميل ومغني الراب الملقب بـ"الراس" لا يرسم لنا طرابلس متخيلة، بل يحكي عن مدينة يقول لـ"المدن" إنها موجودة رغم أنف الصور النمطية المتوحشة عن مدينة ما زلنا نحبها وما زالت تحبنا.
ما يقوله السيد، يغنيه في أغنيته "من كوكب الفيحاء" (كلمات وغناء "الراس" وموسيقى وتصميم ايقاعات لـ"مونما") والتي أطلق أول الأسبوع شريطها المصور.

الأغنية هي ممارسة جديدة لما اعتاد "الراس"، وصديق الطفولة فنان الغرافيتي علي، ممارسته ليصمدا في طرابلس، كما يقول في مقدمة الكليب الذي أخرجه فراس حلاق. عمل هو ممارسة للفن، للغناء، للحرية، للرسم على الجدران.. للتنفس. ممارسة تحويل الواقع والالتفاف عليه ورؤيته بطريقة مختلفة، ليجدا لنفسيهما مكاناً خاصاً، ويثابرا على حب المدينة، فتحبهما في المقابل. يقول السيد: "منذ صغرنا، وقبل أن نعرف معنى السوريالية، كنا "نسريل" حياتنا في طرابلس، ونعطي أبعاداً مختلفة لتفاصيل يومياتنا، وكانت هذه طريقتنا لنحمي أنفسنا من التأثير المباشر من كثير من الأهواء الطاغية على المدينة، وفي الوقت عينه يمنعنا من النفور منها".

"من كوكب الفيحاء" يخاطبنا الراس، ويأخذنا إلى المدينة التي يزورها كما العادة، في "فان" عمومي، يجمع الشماليين من أهواء مختلفة، ويقف هناك أمام رسومات علي، ليذكره بأن هذه المدينة اشتاقت إليه، واشتاقت الى شبابها وأرواحهم. ولتذكرهم بأن في هذه المدينة حرية صامدة، هي نفسها التي حمتهم من أطراف سياسية مختلفة، متناقضة ومتضاربة، وكان لكل منها سطوته على طرابلس: "الحرية اللي حمتنا من حافظ وبشار والحريري والأسير، من قبل التحرير إلى ما بعد 7 أيار 2008". ويحكي بهذا عن طرابلس تحت وطأة الوجود السوري والإسلاميين وتيار المستقبل وإعتداءات مناصري فريق 8 آذار على المدينة في السابع من أيار.

معالم المدينة الأساسية حاضرة في أغنية السيد، لا سيما الميناء الذي يقول الراس إنه "لطالما شكّل البعد السحري لنا منذ نشأتنا في طرابلس، هنا كنا ننجح في الانعزال التام عن كل ما يجري في الشوارع والأزقة".
ونراه يشبه كتلة توليد الكهرباء عند مدخل طرابلس في منطقة البحصاص بشخصية رعد الكرتونية "رعد العملاق الغافي عالبحصاص"، لينتقل إلى اختناق الناس المهمشين في حارة جبل النار، الذي بحثوا عن متنفس خلال أزمة الاساءة الى الرسول، فلم يجدوها إلا في تفجير مطعم الوجبات السريعة: "باب الرمل خال، حارة جبل النار، بركان انفجر فالكاي اف سي طار". ومن الحارة إلى منطقة المكتبات الفقيرة، منطقة السراية العتيقة، بحثاً عن قصص التهميش الاجتماعي وشعور كثير من أبناء المنطقة بعدم الإنتماء إلى الكيان. وصولا إلى "نبض" اقتصاد طرابلس المتمثل بالأكل، (ساخراً من الحركة الوحيدة التي لا تتوقف في مدينة تختنق اقتصادياً): "الحلاب ما تاب، شارك البقار، صار في تمثال جديد، سيخ لحم ضخم ومشاوي عالفحم وصدر كنافة عملاق، تعبيرا عن حب الحياة وحال الوفاق".

طرابلس الراس، كما طرابلس كثير من الطرابلسيين الذين لا نسمع أصواتهم في التقارير الاخبارية اليومية، التي تتذكر الشمال بجولات باب التبانة وجبل محسن، "الحرب التي ورثها ناسها" كما يقول السيد.
لمدينته غنى مازن السيد، وليست هذه أغنيته الأولى لها.. لكنه هذه المرة كمن يتواصل بكلماته أكثر مع الطرابلسيين الذين يقول "إنهم أكثر حيوية من الشباب في بيروت، وما زالوا يملكون رغبة في التفاعل أكثر مع محيطهم وملاحقة هوياتهم وطموحاتهم وأكثر صدقاً من الشباب في بيروت.. هنا حيث الناس صور نمطية عن أهل العاصمة".

لهؤلاء أبناء الطرابلس، يغني الراس هذه الأغنية "هاي الغنية لولاد المدينة بالغربة، بسمة وجوه قلوب حزينة بالغربة هي الغنية لكل اللي حياتهم صعبة وقدروا طلعوا برا حدود جدران العلبة، هاي الغنية للي ساردين باردين بدين أو من غير دين، عقد اجرين فاردين بساطن، انبساطن من راسن زوايا جاردين، ماردين جمع ترميم لمارد مدينة لم تكن، مدينة قد تكون، حرف واحد عليه ضمة وكسرة سكون".
المصدر: جهينة خالدية- المدن

7.1.14

الانترنت ورجال الدين والعقل المشلول





صفحة خامنئي في "فايسبوك"

جهينة خالدية
7-1-2014

السؤال بسيط، والجواب أبسط.
س: هل الكلام في التشات (CHAT) حرام؟ هل الكلام مع ابن خالتي في الانترنت حرام؟ هل الكلام مع الرجال عن طريق الانترنت أو التليفون أو .. حرام؟
ج: بشكل عام التكلم مع الأجنبي ـ سواء كان حضورياً أو عن طريق التلفون أو الانترنت ـ إذا لم يكن بقصد التلذذ والريبة ولا موجباً لترتب المفسدة فلا بأس فيه.
سؤال أرسلته شابة إلى موقع مكتب المرشد الأعلى للنظام الإيراني، آية الله خامنئي علی الانترنت، طالبة فتوى دينية ورأياً فقهياً في محادثتها مع رجل عبر الانترنت. نالت الشابة جواباً شافياً على سؤال بديهي. 

يبدو أن الجواب، على وضوحه وتوفره باللغة العربية على الموقع، لم يكن واضحاً لكثير من المواقع الإلكترونية التي تناقلته معكوساً وأكدت أن "خامنئي أصدر فتوى منع فيها "التشات" بين المرأة والرجل غير المحرم لها، وأرجع هذه الفتوى إلى ما اعتبره "المفاسد الاجتماعية المترتبة على التشات".

يسهل الانترنت الالتباس أو حتى النقل المغلوط لأي معلومة، وطبعا يعتبر هذا العالم الافتراضي بقعة خصبة لكثير من الفتاوى الغريبة والمشوهة والمفبركة.
لكن موضوع الانترنت والدين، لا ينحصر بتاتاً بدقة نقل المعلومة أو الفتوى، بل قد يكون النقاش الأصعب هو في دخول الدين في أبسط تصرفات المرء اليومية التي لا تحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق، ويمكن للمرء أن يقرأ أعجب الأسئلة والفتاوى على مواقع التواصل الإجتماعي أو حتى يسمعها في برامج تلفزيونية وإذاعية.

تتفرع هذه لتتناول مواضيع قد لا يصدق الفرد أن هناك فعلاً من "عطّل" عقله تماماً وتعذر عليه ايجاد الجواب الصحيح لتساؤلات بسيطة، لا تحتاج إلى رجل دين أو فقيه، بل اختار الخضوع بشكل مطلق لرجل الدين الذي من المفترض أن يفتي بأمور ملتبسة على الرعية او المؤمنين. أمور أكثر تعقيداً من مواضيع مثل الاشتراك في مسابقات برامج التلفزيونية، تحريم مشاهدة التلفزيون، تحريم الاختلاء باللابتوب أو بالهاتف الذكي، تحريم خلع الحجاب عبر اتصال "سكايب" بين صديقتين خوفاً من التجسس، تحريم دخول الحمام من دون تلاوة الدعاء والخروج منه من دون دعاء آخر.. الخ.

يُذهل المرء لتفاهة الأسئلة الدينية التي تطغى على البرامج التلفزيونية الدينية، وحتى على المحتوى العربي لمعظم المواقع الدينية المتخصصة، لدرجة يتمنى فيه الفرد لو أن الانترنت لم يخترع ولم يفسح المجال لإطلاق هذه الفتاوى ولم تنتشر هذه المعرفة "الثمينة" جداً لدرجة أن أي خطأ فيها قد يهز الأمة ويهزمها. ومن نافل القول إن الكثير من الفتاوى أطلقت بغطاء ولغايات سياسية، بينها تحريم التظاهر وتحليل التوريث السياسي، وتحريم التصويت لجهة سياسية مغايرة.

طبعاً ليس السائل وحده المسؤول عن هذا العالم الافتراضي الغارق في الإيمان الشكلي والسطحي، بل أيضاً رجل الدين والمؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية التي سخّرت التكنولوجيا وعالم التواصل كمساحة للتبشير، وفي أحيان كثيرة شغلت الناس بقضايا ثانوية جداً لا يُفترض أن تأخذ هذا الحيز من يومياتنا وتفكيرنا.

وفي أحيان كثيرة حللّ رجال الدين لأنفسهم ما مُنع عن الآخرين، أهمها حرية التواصل، وإيران في هذه الحالة نموذج بارز، إذ يستخدم خامنئي نفسه مواقع التواصل الإجتماعية الممنوعة في البلاد على عامة الشعب، وذلك بحجة أن المسؤولين ورجال الدين يستخدمون الانترنت والتقنية لخدمة المجتمع ونشر الدعوة بين الناس. 

وطبعاً المنع أيضاً مطبق في كثير من الدول العربية، وإن بصيغ أخرى، إذ تسمح بإستخدام الإنترنت.. لكن تُبقي عين الرقيب ساهرة على كل تغريدة وتعليق، وتعاقب مَن يخرج بها عن المسموح قوله، ومَن يمسّ بالذات الأميرية.. ويحاول كل هؤلاء، في الوقت عينه، تمرير منعهم الانترنت الجزئي أو الكلي بأنه منتج غربي ويسهل التجسس على الأسرار القومية للدول.. لكننا أيضاً نجدهم يحاولون إيجاد توليفة ما بين هذا العالم وما بين رغبتهم في عكس صورتهم كدولة متحضرة وتستطيع تطويع التقنية لغايات وطنية وسياسية وإيمانية خاصة ولنشر أفكارهم وممارساتهم، وقد تكون أكثر الحسابات إثارة للجدل في مواقع التواصل هي تلك العائدة إلى جهات دينية وحركات سياسية متطرفة، أولها طبعا "داعش" والأسير وأمراء الجبهات والحروب.  

هكذا من الغرف المغلقة، ومن قاعات دروس الدين إلى الشاشات وإلى الشبكة الواسعة، أئمة ومشايخ ومرشدات ومرشدين باتوا لا يفارقون الشاشة، وينتشرون في عالم الإنترنت لنصح المؤمنين وتسير حياتهم في ما يفعلون وعما يمتنعون. 
يُسيرون حياتهم كأوصياء وكسلطة لا يمكن تخطيها ويوهمونهم بأنهم وحدهم يملكون الأجوبة الصحيحة والدقيقة، والتي توفر عليهم الوقوع في الخطأ حتى في أصغر أصغر شؤون حياتهم. أوصياء وطالبي شهرة سريعة.. مثلهم كمثل نجوم الغناء الذي يقدمون على إطلاق موقف لافت أو إرتداء ملابس صارخة للفت الأنظار.. كذلك بعض رجال الدين يعمدون إلى إطلاق فتوى نارية تنتشر في الإنترنت بسرعة البرق.. ويصبح اسمهم أشهر من أكبر نجم "بوب" عالمي.

يمارس رجال الدين، وأحياناً الدخلاء على هذا العالم، سطوتهم على "عامة الشعب" عبر الميديا والسوشال ميديا بمنطق غريب. فهم يطبقون فتاواهم وتحريمهم وتحليلهم لأمور الحياة الفعلية والواقعية والملموسة، على تلك الإفتراضية. بل ربما تصبح فتاواهم في الممنوعات على المرأة والفتاة وحتى الرجل، أشد قسوة في العالم الإفتراضي غير الملموس. وكأنهم يخشون من الأعظم فيه ومن أسراره وخفاياه.. فنسمع شيخاً يحرم دخول المرأة إلى الانترنت بالمطلق حتى في سبيل المعرفة، وآخر يحذر من نشر أي صورة، حتى صورة "مستورة" كبروفايل، لأنها تثير نظر الرجل وإضافة إلى ذلك قد يقطع الوجه عبر برنامج "فوتوشوب" ويركبه على مشاهد وأفلام تشجع على "الرذيلة"..! طبعاً يصب هذا في التهويل مما يجهلون، وفي بث الرعب في نفوس الناس من أي انفتاح أو تواصل مع الآخر.. رجلاً كان أم إمرأة، بذريعة "الحرام". 

وبهذا يعكس كثير من رجال الدين دور الإنترنت، ويقطعون أواصر التواصل ويبنون فيها عوائق اسمنتية سميكة، صلبها الفتاوى التي يشكل الخروج عنها، مدخلاً حتمياً إلى النار. ويغلق رجال الدين بهذا دور الانترنت كأحد أبرز منافذ الضرورية والحيوية في الدول القمعية أو في المجتمعات المحافظة، حيث يشكل متنفساً شبه وحيد للتواصل، لتبادل الأفكار، للتعبير عن الرأي.. وطبعاً للحب. 

وما كان في إمكان الكثير من رجال الدين ممارسة سطوتهم هذه، لولا أن خلفهم ناس كثر، يُشلون تفكيرهم ويخضعون لإشارات وفتاوى وأجوبة، لا تحتاج لأكثر من تشغيل عقل منحهم إياه خالقهم وخالق رجال الدين عينهم..

وجود هذه الفئة من رجال الدين في المجتمع وفي الواقع، يجعل وجودهم غير الجديد، على الانترنت وفي الميديا، متوقعاً في هذا العالم الواسع، المتاحة أدواته للجميع، عالم من الطبيعي أن تنعكس فيه المجتمعات كما هي، بتلاوينها كافة. لكن ربما لوجودهم وفتاواهم على الانترنت ايجابية ما تتمثل في إمكان فتح النقاش حول ما ينشرون، ومعارضتهم، وخلق مساحة أوسع للصوت النقدي. الأمر الذي تصعب ممارسته في الحياة الفعلية لما قد يترتب على ذلك من عقوبات أو ضغوطات إجتماعية ودينية. الإنترنت يتسع للجميع، وإن نشر صوت التزمت، فإنه يوصل أيضاً صوت العقل.
المصدر:جهينة خالدية-المدن

ir-ir-(1).png