12.1.14

"الراس" يحملنا إلى كوكب الفيحاء

مازن السيد

جهينة خالدية
12-12-2013


لا نعرف هذه المدينة، أو ما عدنا نعرفها.
زحمة، متاجر صغيرة، باصات، أناس يتجولون في الشوارع، مشاهد متقطعة للبرتقال فاكهة المدينة ورمزها، صيادون، شباك ومينا.. لا نعرف الكثير عن هذه الطرابلس.. لكن مازن السيد وشباب من جيله وربما أصغر، ما زالوا حتى اليوم يشعرون بنبض الشمال، وإن خفت تحت اللحى، وإن طغى عليه صوت الرصاص.

طرابلس مازن السيد غير تلك التي نراها في الاعلام كل يوم. طرابلس الملتحين والمنع، طرابلس الحرب، طرابلس الموت.. طرابلس الشوارع الفارغة، طرابلس الحياة المكبوتة.. الزميل ومغني الراب الملقب بـ"الراس" لا يرسم لنا طرابلس متخيلة، بل يحكي عن مدينة يقول لـ"المدن" إنها موجودة رغم أنف الصور النمطية المتوحشة عن مدينة ما زلنا نحبها وما زالت تحبنا.
ما يقوله السيد، يغنيه في أغنيته "من كوكب الفيحاء" (كلمات وغناء "الراس" وموسيقى وتصميم ايقاعات لـ"مونما") والتي أطلق أول الأسبوع شريطها المصور.

الأغنية هي ممارسة جديدة لما اعتاد "الراس"، وصديق الطفولة فنان الغرافيتي علي، ممارسته ليصمدا في طرابلس، كما يقول في مقدمة الكليب الذي أخرجه فراس حلاق. عمل هو ممارسة للفن، للغناء، للحرية، للرسم على الجدران.. للتنفس. ممارسة تحويل الواقع والالتفاف عليه ورؤيته بطريقة مختلفة، ليجدا لنفسيهما مكاناً خاصاً، ويثابرا على حب المدينة، فتحبهما في المقابل. يقول السيد: "منذ صغرنا، وقبل أن نعرف معنى السوريالية، كنا "نسريل" حياتنا في طرابلس، ونعطي أبعاداً مختلفة لتفاصيل يومياتنا، وكانت هذه طريقتنا لنحمي أنفسنا من التأثير المباشر من كثير من الأهواء الطاغية على المدينة، وفي الوقت عينه يمنعنا من النفور منها".

"من كوكب الفيحاء" يخاطبنا الراس، ويأخذنا إلى المدينة التي يزورها كما العادة، في "فان" عمومي، يجمع الشماليين من أهواء مختلفة، ويقف هناك أمام رسومات علي، ليذكره بأن هذه المدينة اشتاقت إليه، واشتاقت الى شبابها وأرواحهم. ولتذكرهم بأن في هذه المدينة حرية صامدة، هي نفسها التي حمتهم من أطراف سياسية مختلفة، متناقضة ومتضاربة، وكان لكل منها سطوته على طرابلس: "الحرية اللي حمتنا من حافظ وبشار والحريري والأسير، من قبل التحرير إلى ما بعد 7 أيار 2008". ويحكي بهذا عن طرابلس تحت وطأة الوجود السوري والإسلاميين وتيار المستقبل وإعتداءات مناصري فريق 8 آذار على المدينة في السابع من أيار.

معالم المدينة الأساسية حاضرة في أغنية السيد، لا سيما الميناء الذي يقول الراس إنه "لطالما شكّل البعد السحري لنا منذ نشأتنا في طرابلس، هنا كنا ننجح في الانعزال التام عن كل ما يجري في الشوارع والأزقة".
ونراه يشبه كتلة توليد الكهرباء عند مدخل طرابلس في منطقة البحصاص بشخصية رعد الكرتونية "رعد العملاق الغافي عالبحصاص"، لينتقل إلى اختناق الناس المهمشين في حارة جبل النار، الذي بحثوا عن متنفس خلال أزمة الاساءة الى الرسول، فلم يجدوها إلا في تفجير مطعم الوجبات السريعة: "باب الرمل خال، حارة جبل النار، بركان انفجر فالكاي اف سي طار". ومن الحارة إلى منطقة المكتبات الفقيرة، منطقة السراية العتيقة، بحثاً عن قصص التهميش الاجتماعي وشعور كثير من أبناء المنطقة بعدم الإنتماء إلى الكيان. وصولا إلى "نبض" اقتصاد طرابلس المتمثل بالأكل، (ساخراً من الحركة الوحيدة التي لا تتوقف في مدينة تختنق اقتصادياً): "الحلاب ما تاب، شارك البقار، صار في تمثال جديد، سيخ لحم ضخم ومشاوي عالفحم وصدر كنافة عملاق، تعبيرا عن حب الحياة وحال الوفاق".

طرابلس الراس، كما طرابلس كثير من الطرابلسيين الذين لا نسمع أصواتهم في التقارير الاخبارية اليومية، التي تتذكر الشمال بجولات باب التبانة وجبل محسن، "الحرب التي ورثها ناسها" كما يقول السيد.
لمدينته غنى مازن السيد، وليست هذه أغنيته الأولى لها.. لكنه هذه المرة كمن يتواصل بكلماته أكثر مع الطرابلسيين الذين يقول "إنهم أكثر حيوية من الشباب في بيروت، وما زالوا يملكون رغبة في التفاعل أكثر مع محيطهم وملاحقة هوياتهم وطموحاتهم وأكثر صدقاً من الشباب في بيروت.. هنا حيث الناس صور نمطية عن أهل العاصمة".

لهؤلاء أبناء الطرابلس، يغني الراس هذه الأغنية "هاي الغنية لولاد المدينة بالغربة، بسمة وجوه قلوب حزينة بالغربة هي الغنية لكل اللي حياتهم صعبة وقدروا طلعوا برا حدود جدران العلبة، هاي الغنية للي ساردين باردين بدين أو من غير دين، عقد اجرين فاردين بساطن، انبساطن من راسن زوايا جاردين، ماردين جمع ترميم لمارد مدينة لم تكن، مدينة قد تكون، حرف واحد عليه ضمة وكسرة سكون".
المصدر: جهينة خالدية- المدن

ليست هناك تعليقات: